من التجويع إلى التهجير: خطة إسرائيل لتفريغ غزة

في غزة، الأمعاء الخاوية ليست مجرد حالة إنسانية، بل معادلة سياسية قاسية: بين شموخ وطني يرفض التخلي عن الأرض، وبين إغراء الخلاص من الجوع. تراهن إسرائيل على أن النهاية ستكون انحياز أهل غزة لملء البطون على حساب التمسك بالأرض، لأن القرار في هذه الحالة سيكون مبنياً على تقدير فردي، لا على إرادة جماعية، تبعا لوطأة التجويع ومستويات القسوة واستحالة الحياة. ولهذا تدير آلة موت مزدوجة: موت بالتجويع، وموت بالرصاص. وعندما وصلت إلى ما يمكن تسميته Mortality Breakpoint، حيث يتساوى الموت جوعا مع الموت بالقصف، تنتقل إلى مرحلة إعادة الاحتلال المباشر، أو ما تسميه بـ”استعادة السيطرة”.
هذه السياسة، التي يمكن وصفها بمصطلح “إسرامور” (IsraMor) على غرار “الهولودومور” (Holodomor)، ليست هدفا في ذاتها، بل هي المرحلة الأولى في خطة أشمل:

  1. التجويع – إفراغ الصحن قبل إفراغ الأرض، لإضعاف الإرادة الجمعية.
  2. إعادة الاحتلال – تقسيم القطاع إلى مناطق، والسيطرة المباشرة عليها، مع إسقاط التزامات الاحتلال القانونية في توفير الغذاء والدواء.
  3. التهجير القسري – دفع الفلسطينيين، بفعل الجوع والقصف، إلى عبور الحدود المصرية، وتحويل الخروج من غزة إلى “خيار نجاة” لا رجعة فيه.
  4. تحويل غزة إلى فضاء آمن لإسرائيل – بعد رحيل سكانها، تصبح الأرض خالية من التهديد الديمغرافي، وينتهي “الكابوس” الإسرائيلي المتمثل في التنافس السكاني مع الفلسطينيين.
  5. إلقاء العبء على العرب – وخاصة مصر، التي ستتحمل تبعات استقبال مئات الآلاف من اللاجئين، لتتحول قضية غزة من صراع على الأرض إلى أزمة إنسانية خارج حدود فلسطين.
    بهذه الاستراتيجية، يتحول سكان القطاع من سكان بلا وطن إلى سكان بلا أرض، وتُمحى غزة من المعادلة الديمغرافية والجغرافية للصراع.
    إن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التي يزعم فيها “فتح أبواب السجن” للفلسطينيين، ليست سوى غطاء لغلق أبواب العودة. ومن خلال إعادة تعريف السيطرة على الأرض، تُشرعن إسرائيل التجويع والاقتلاع، وتغلق الأفق السياسي، وتعيد رسم الخريطة على مقاسها الأمني.
    التجارب التاريخية، مثل الهولودومور الذي اعترفت به أكثر من 30 دولة كجريمة إبادة، تؤكد أن الاعتراف المتأخر لا ينقذ الضحايا، لكنه قد يمنح الجاني فرصة لتزييف السردية. ولذلك، فإن أي موقف دولي حقيقي تجاه فلسطين لا بد أن يُسمي ما يجري الآن باسمه: جريمة تجويع منهجي تمهّد لاقتلاع شعب كامل من أرضه.
    يجدر التذكير أن هنالك عدة دول أوروبية عقدت عزمها على الاعتراف بدولة فلسطين مع الدورة القادمة للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025م ، لكن أي قيمة حقيقية سيكون لهذا الاعتراف إذا كانت إسرائيل قد نجحت في اقتلاع شعبها وتجويعه وتهجيره؟ إن الاعتراف بدولة بلا شعب يشبه صرف شيك بلا رصيد في صرافة الأخلاق الدولية؛ ورقة جميلة في الشكل، لكنها بلا مضمون في الواقع. ما لم يُكبح المشروع الإسرائيلي على المستوى الإنساني، فإن هذا الاعتراف سيظل شاهدا على العجز أكثر منه علامة على الانتصار.
    د. محمد عبد الحميد استاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية

wadrajab222@gmail.com

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …