حرب السرديات من الخرطوم إلى بيروت… وحدة النمط المدمر

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
في النزاعات المعقدة، لا تُولد الحرب من فراغ ولا تبدأ فقط عند إطلاق الرصاص، بل تتغذى على سرديات متنافسة تهيئ النفوس وتبرر العنف. هذه السرديات، على اختلاف مصادرها وأهدافها، تلتقي في ما يمكن تسميته “وحدة النمط المدمر” (Unified Destructive Pattern)—إطار مفاهيمي يشير إلى التحوّل البنيوي للغة من أداة للتفاهم والتواصل إلى وسيلة للإقصاء والتدمير الرمزي أو المادي، بحيث تتحوّل المفردات والخطابات إلى أدوات لإنتاج الكراهية، ونزع الإنسانية عن الآخر، وتمهيد الطريق لممارسات الإبادة أو العنف المنهجي. يعمل هذا النمط كمركز جاذبية يجمع الخطابات المتعارضة ويحوّلها إلى حلقة مفرغة من العنف، فتتلاشى الحدود بين الواقع والمتخيل، ويخفت صوت العقل لصالح انفلات الغرائز، فيغدو المشهد كبركان يلفظ لظاه على شكل مواقف وشعارات وحروب بالوكالة، ولا يهدأ إلا بعد أن يستهلك كل طاقته المدمرة. هذا النمط يتكرر، سواء في الخرطوم أو في بيروت، حيث تتغير الأسماء والشعارات، لكن آلية التدمير تبقى واحدة.
في رائعته التي جسد فيها خبرة عملية برؤية مبدع ثاقبة، أكد ليو تولستوي في رواية الحرب والسلم أن الحرب تبدأ قبل أن تدوي المدافع، وأنها تنشأ أولًا في العقول، في تراكم المواقف والمخاوف، وفي تواجد الجيوش وإعدادها وتحركاتها، قبل أن تنفجر على الأرض. هذه الرؤيا تتطابق مع ما جرى في السودان، وربما ما قد يحدث في لبنان، حيث يمكن القول إننا أمام سرديات تؤسس المواقف من الحرب إليها تُعزى وعليها تتغذى. فتتنافس الروايات ويجد القوم أنفسهم في متاهة السرد والسرد المضاد… فيُرفض النقاش ويُقصي التفكير وينكص عن المنطق وتعلو الحلاقيم بالبرهان.. ويختلط الواقع بالمتخيّل.
لقد اندلعت الحرب رسميا في السودان في أبريل 2023، غير أن نذرها كانت قائمة منذ لحظة وجود جيشين متوازيين: الجيش الوطني وقوات الدعم السريع. لم يكن السؤال: هل ستنشب الحرب، بل متى وأين وكيف؟ فالدول التي تعيش بجيشين، لكل منهما قيادة وخلفية مختلفة، لا يمكن أن تحافظ على استقرار طويل الأمد، خاصة ضمن سياق انتقال سياسي هش بعد ثورة أزاحت نظاما اندمج فيه التنظيم في الدولة اندماج الخمر بالماء الزلال.
حملت الحرب سرديات متعددة مارس فيها الفرقاء كلٌّ وراء سرديته، فصارت سلاحا ناطقا ضمن أسلحة الحرب والدمار.
فالإسلاميون أطلقوا عليها “حرب الكرامة”، وهي تسمية مشحونة بالدلالات الموحية حيث تبدو الكرامة هنا مهدرة، والحرب هي سبيل استعادتها، دون تحديد واضح لمن تُستعاد هذه الكرامة—للأمة، أم للجيش، أم لمشروع سياسي بعينه. وحُشد لها الإعلام وتبارك في إبرازها الأقلام حتى رسخت في الخطاب السياسي الرسمي.
بينما في المقابل، ركزت قطاعات من القوى المدنية على سردية “الطلقة الأولى”، معتبرة أن الإسلاميين أطلقوها عمدا، لأن الحرب هي السبيل الوحيد لعودتهم إلى السلطة. فضلا عن سوق سردية ترهن الجيش لارادة الإسلاميين وتنسبه لهم.. هذه السردية تحمل بعدا سياسيا وأخلاقيا كما تثير انطباعا بمسؤولية قانونية، غير أنها قد لا تصمد أمام حقائق التحركات الميدانية لقوات الدعم السريع قبيل الحرب، من انتشار واسع وانفتاحات ميدانية في مواقع استراتيجية كمطار مروي، وحالات تجنيد خارج حاضنتها التقليدية، ما دفع الجيش للتحذير من “مخاطر كبيرة” على الأمن القومي.
إلى جانب ذلك، برزت سردية ثالثة: حق الجيش في بسط سيطرته على أدوات العنف واحتكار السلاح، بل وحقه في شن الحرب، كما تنص بعض القراءات في القانون الدولي الإنساني (jus ad bellum). وهي سردية وإن بدت عفوية إلا أنها تجسدت في شعار له مغزاه في التلاحم الوطني: “جيش واحد شعب واحد”. هذه السرديات جميعها غذّت النزاع بدل أن تحاصر أسبابه، فتحولت من اجتهادات عقلية إلى تيارات عاطفية تمتلك السردية، ولا تناقشها، وتنحاز دون أن تفكر، وتنفعل دون أن تتحكم، وتتصدى بالعاطفة دون العقل، وهكذا هو شأن الحروب.
قوات الدعم السريع، دخلت الحرب بلا مشروع سياسي واضح، ومع قلة خبرتها لم تلجأ لسردية بعينها وإن صبت سردية “الطلقة الأولى” في صالحها وأظهرتها بثوب الضحية.. غير أنها تلهفت على خطاب تبرر به وحشية اتسم بها طابع قتالها لتبرير عنفها خارج قوانين الحرب المرعية… فراحت تبحث في “سوق السرديات الحرة” عما يمكن أن تجتره كخطاب سياسي فارتكزت على ثلاثة محاور غازلت بها الوجدان الثوري المهيض: محاربة فلول النظام السابق، تفكيك دولة ما قبل 1956، واستعادة المسار الديمقراطي. وحتى هذه السردية على تهافتها تلاشت وذابت في وحشية الممارسة حتى بات الدفاع عن الذات أقرب لأنشودة تدفع عنها ما اقترفته من جرائم ضد الانسانية بدعوى وجود “متفلتين”، حيث انتهى الأمر لمساعٍ حثيثة لإقامة حكومة موازية، تحمل نذر التقسيم ولا تقتص لظلم ولا تنشد عدالة ولا تقيم وشائج للوحدة.
مهما يكن من أمر، ففي الحروب الأهلية، لا يظهر البعد الدولي دائما كعامل تهدئة، بل قد يتحول—عن قصد أو من غير قصد—إلى مُغذٍّ للسرديات المتصارعة. في السودان، تبنى بعض الفاعلين الدوليين خطاب “استعادة الديمقراطية”، فيما تبنى آخرون خطاب “محاربة الإرهاب” أو “حماية الدولة”، مما عزز شرعية القتال لدى الأطراف. الأمر نفسه قد يبدو أكثر وضوحا في الحالة اللبنانية، حيث يبرز المشهد في دعم غربي لفكرة نزع سلاح حزب الله يُقرأ داخليا كسند لسردية الدولة، مقابل دعم إيران وحلفائها للحزب بما يرسخ سردية المقاومة. هكذا تصبح السرديات العابرة للحدود جزءا من اللعبة، ويقتنع كل طرف أن حربه مشروعة داخليا وخارجيا.
رغم وحدة النمط المدمر—حيث تُستخدم السرديات كذريعة لتبرير العنف في كل من السودان ولبنان—فإن مآلات الصراع تختلف جوهريا باختلاف طبيعة الكيانين وهشاشة نسيجهما الاجتماعي: في السودان، الخطر الأكبر هو تفكك مؤسسات الدولة المركزية وتحولها إلى حكم الفصائل المليشياوية المتناحرة، ما قد يفضي إلى تمزق جغرافي وسياسي يشبه سيناريو الصوملة، خاصة مع استمرار توازن القوى العسكري بين الجيش وقوات الدعم السريع. وفي لبنان، التهديد ليس تمزقا جغرافيا بقدر ما هو انهيار الكيان الوطني برمته، فالصراع حول احتكار السلاح—بين جيش ضعيف وميليشيا مسلحة مدعومة إقليميا—قد يعيد إنتاج حرب أهلية طائفية أو يحوِّل البلاد إلى ساحة صراع بالوكالة بينه محاور إقليمية، تُنهك ما تبقى من بنى تحتية وتماسك اجتماعي.
فالسرديات في الحالة اللبنانية ليست بحاجة إلى صناعة أو استدعاء من خارج الواقع، فهي متجذّرة أصلاً في التاريخ السياسي والطائفية والاجتماعي، وتعيش منذ عقود في حالة كمون نشط. هذه السرديات، بما تحمله من ذاكرة جراحية وشرعيات متنازعة، ما زالت تغذّي التوترات اليومية، وهي قادرة في أي لحظة على التحوّل إلى وقود لانفجار جديد. وحين يرى الفرقاء أن اللحظة مواتية أو أن الحرب باتت أداة ضرورية لتحقيق غاياتهم، فإن هذه السرديات الجاهزة ستكون السلاح الأول الذي يشرعنون به اندفاعهم نحو المواجهة.
هكذا يظهر من كلا الحالتين – السودانية واللبنانية- في خضم “التنافس السردياتي” تصبح المخاطر الحقيقية—تمزيق الشوارع، تدمير البنى التحتية، وتشريد الناس—أقل وضوحا في الوعي العام، إذ تُغلق العيون والعقول عند التمترس خلف السرديات، فتتحول المخاطر من احتمالات إلى واقع دامٍ يبتلع الجميع.
د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …