كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
في عيد الجيش السوداني، نحيّي رجالاته البواسل الذين استرخصوا أرواحهم في سبيل الوطن، وساروا في دروب النار ليبقى للسودان اسمه ورسمه، وليظل علمه مرفوعا في وجه العواصف.
هو جيشٌ عريق، عرفته الحقب وامتحنته الحروب. قد يخطئ كما يخطئ كل من يخوض غمار المعترك الكبير، لكنه اليوم امتشق حسام الحسم حين حمَّ القضاء ودقّت نواقيس النداء أن هلمَّ للتطهير.
ولأن الجيوش هي عماد الدول، فإن سقوطها يعني سقوط الأوطان. ولنا في اليمن عبرة بليغة ذات مغزى : حين تمزقت المؤسسة العسكرية وتوزع الولاء بين المليشيات، سقطت الدولة في بئر الفوضى التي لا قرار لها.
لقد كان الجيش السوداني أكثر مؤسسات الوطن دفعا لفاتورة خيبات السياسة والسياسيين؛ فاخترقوا صفوفه بالخلايا، وزرعوا فيه البلايا، وجروا عليه الرزايا، وتغوّلوا عليه حين جروه ذات اليسار حتى غرق في “عينٍ حمئة”، ودفعوه ذات اليمين حتى لم يعد يستبين مع عسر أمره يسار. وعندما فرغوا من تمريغه في وحل السياسة أنكروه، ووصموه بالأدلجة والانحياز، وتمادت لغة التطفيف بلهوجة بالغة حينما نسبوه لإمرأة من أهل السياسة، وهو في الأصل منسوبٌ لأمٍّ أُلقِي إليها من روح الوطن كلمةً فتمثّل في رحمها جيشا سوياً، مجللاً بناشين العزة وقلائد الفداء. فماذا كان سيضيرهم لو أنهم تركوا له بزته ورتبته وبندقيته وانضباطه؟ إذن لكان قد أراح واستراح.
في أكبر محنة ابتُلي بها السودان في تاريخه الحديث، التف السودانيون حول جيشهم ببصيرة نافذة، فتجاوزوا لزاجة السياسة ومماحكة الأحزاب حينما وصفوا أي منطقة يدخلها الجيش بأنه “نَضّفها”. والنظافة هنا ليست مجرد طرد عدو أو كنس غبار حرب، بل هي استعادة للمعنى الأول للحياة؛ كأنما تُغسل الأرض بماء الطمأنينة، وتُمسح عن جدران البيوت المهجورات بصمات الرعب، فتتهيأ خطى النازحون للعودة الي ديارهم كما يعود القلب إلى نبضه، ويتنشق العائدون عطر التراب، ويعود الوطن حضنا دافئا للجميع. وهنا تتجلى عبقرية الشعوب حين تلهج بالشكر لحاميها بصدقٍ عفوي لم يفرضه صولجان حاكم ولا رهبة سلاح، بل فرضته الفطرة التي تدرك أن الجيش هو الخط الأول والأخير، الحامي والظهير، والمدافع والنصير، الذي يذود عن الوطن كيد الكائدين وتربص المتربصين.
ولسان حاله يردد مع عنترة بن شداد
وأَذُودُ عن حَرَمي بصدري ما أُقيمُ له عمودا
ثم يرفع عقيرته بصوت يشق صدر السماء بما صدع به الصاغ محمود أبوبكر، أحد ضباطه الأوفياء إذ يقطع الوعد الأبدي بتعهد جليل لا محيد عنه.
سأذود عن وطني وأهلك دونه
يوم يجيء، فيا ملائكةُ اشهدي
حيث يصدر الصاغ الملهم فرمان لذاته بتعهد الوطن بالحماية ويخط إرث الولاء؛ إذ منه تبدأ الحكاية، وعنده تنتهي. قسم الشرفاء الذين انتموا إلى هذه المؤسسة قبل أن يجرها غواة السياسة ذات اليمين وذات اليسار.
ولتكن وجهتنا في عيد الجيش جيشاً واحداً لشعبٍ واحد… جيشا مهنيا لا يتعاطى السياسة، ولا يستنفره إلا نداء الوطن، ولا ينحاز إلا للتراب.
د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم