د. أسامة محي الدين خليل
osamamohyeldeen@gmail.com
منذ استقلال السودان، ظل مفهوم العدالة عرضةً للتشويه والمغالطات التاريخية. فقد تناوبت النخب السياسية، من مختلف الإثنيات والأقاليم، على تغذية هذا المفهوم بصورة انتقائية، تُوظِّفه حين يخدم مصالحها، وتتجاهله حين يقوِّض نفوذها. النتيجة أن ملايين السودانيين — خاصة من مناطق الهامش — ترسّخ لديهم شعور بالغبن، بأن السلطة محتكرة في المركز، وأن الخرطوم صارت رمزًا للتهميش لا للوحدة الوطنية.
لكن الحقيقة التاريخية أكثر تعقيدًا: فمن حكم السودان لم يقتصر على نخب من الشمال الجغرافي، بل توزّع بين مختلف الأقاليم، وإن طغت هيمنة العسكر على المشهد لفترات طويلة، فإنهم مثّلوا المؤسسة العسكرية أكثر مما مثّلوا إثنياتهم. ومع ذلك، ظلّت صورة “المركز المتسلط” و”الهامش المظلوم” تغذي خطاب الكراهية وتعيق أي تقارب وطني.
كيف نعيد بناء مسار العدالة؟
إن أي سلام دائم يتطلب مقاربة مزدوجة: قصيرة المدى لتبريد الصراع الحالي، ومتوسطة المدى لترسيخ قواعد التعايش السياسي والاجتماعي.
قصيرة المدى:
حوار مباشر وصريح بين المكونات الإثنية حول السلطة والموارد.
تقديم تنازلات عملية من المحسوبين على المركز لصالح أبناء الهامش، سواء في المناصب أو الفرص الاقتصادية.
إطلاق مشاريع “عدالة انتقالية” تركز على جبر الضرر والتعويضات المجتمعية، بدلًا من الاقتصار على العقوبات الجنائية.
متوسطة المدى:
تعزيز دولة القانون عبر استقلال القضاء ورفع اليد السياسية عن مسار العدالة.
ترسيخ قاعدة “صندوق الاقتراع هو الفيصل”، مع التزام وطني جامع بقبول نتائجه أياً كانت.
إعادة كتابة السردية الوطنية في المناهج التعليمية والإعلام، بحيث تُنصف كل المكونات وتزيل الصور النمطية.
العدالة ليست شعارات
العدالة التي يحتاجها السودان اليوم ليست شعارات تُرفع عند الحاجة، بل عقد وطني جديد يعترف بأن التنوع مصدر قوة لا لعنة، وبأن السلطة والثروة لا تُدار بالاحتكار ولا بالغلبة، وإنما عبر آليات ديمقراطية يشارك فيها الجميع.
خاتمة
سلام الشجعان لن يكتمل دون مواجهة صريحة لمسار العدالة، لا بالمواربة ولا بالمجاملات. فإعادة الثقة بين الإثنيات، وإقناع المواطن البسيط في أي بقعة من السودان بأن حقوقه محفوظة، هو الضمانة الحقيقية لوحدة البلاد واستقرارها.
لقد أثبتت التجارب أن الحروب لا تنتهي بالرصاص، بل بالعدالة التي تُطفئ جذوة الغبن. والسودان اليوم أمام لحظة تاريخية: إما أن نصنع سلام الشجعان بالعدالة، أو نترك جراح الماضي مفتوحة لتستنزف مستقبلنا.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم