كتب د. محمد عبد الحميد أستاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية
wadrajab222@gmail.com
ابتسامات تتلألأ تحت أضواء الثريات المتناثرة في القاعة الفخمة المطلة على النيل، والقيادات تشابكت أياديها جزلى بالتوقيع، والوعود أُطلقت من غير حساب. مراكب الآمال أفردت أشرعتها، تجوب النهر مدفوعة بريح رخاء، والمصائر عُلِّقت على كلمات فضفاضة لا تحمل في جوفها معنى، ولا يستقيم معها أمل، ولا يُستطاب بعدها رواء، من نهر شهد الحضارات تشيد مع تدفق أمواجه التي لا تعرف الكلل. لكن وراء التوقيع نوايا خُبئت في جُبِّ السياسة، لتظهر بعد عقدٍ من الزمان شاهدةً على أن العلاقات الدولية لا تعترف بالمثالية، وإنما بتحقيق المصالح، خاصة عندما يكون موضوعها حياة الشعوب ومصائرها.
كان يوم توقيع إعلان المبادئ في الخرطوم في 23 مارس 2015، بمثابة إقرارٍ بمشروعية السد، وكأنه دفتر توقيع مسبق على حضور افتتاحه بعد عشر سنوات، حتى وإن قاطعت الاحتفال الرسمي الذي جرى في التاسع من سبتمبر 2025.
الحقيقة أن الإعلان كان وثيقة هشة، تتزين بلغة العلاقات العامة أكثر مما تستند إلى صرامة منطق العلاقات بين الدول. فبدلاً من تحديد الحقوق والواجبات، وإرساء آليات مراقبة وإنفاذ واضحة، جاءت نصوصه فضفاضة، تقوم على النوايا الحسنة، لا على الالتزامات الملزمة. وهو ما خدم الطرف الأقوى في المعادلة؛ فإثيوبيا، التي تنظر إلى السد كفرصة تاريخية لتحقيق طفرة تنموية، وجدت في غموض النصوص وعدم إلزاميتها المساحة الكاملة لتحقيق أهدافها المنفردة دون قيود تذكر، بينما ظلت دولتي المعبر والمصب السودان ومصر مكبلتان بوعود ‘حسن النية’ وهو شيك غير مبرأ للذمة في بورصة العلاقات الدولية. فقد ورد في الفقرة الأولى مثلاً: “تتعهد الدول الثلاث بالتعاون بروح التفاهم وحسن النية لتحقيق المنفعة المشتركة…” هذا النص يصلح لافتتاحية بيان صحفي، لكنه لا يليق بوثيقة تتناول مشروعاً يحمل مخاطر وجودية على شعوب بأكملها. فـ”حسن النية” ليس مصطلحاً يعتد به في معادلة المصالح بين الأمم. ولا يمكن القياس عليه أو المحاسبة بموجبه، ولا يصلح أن يكون أساساً لإدارة مورد استراتيجي كالمياه. وفي فقرة حل النزاعات جاء النص: “تسعى الأطراف لحل النزاعات الناشئة عن تفسير أو تطبيق هذا الاتفاق بروح التفاهم وحسن النية.”
هنا بلغت الهشاشة ذروتها؛ فكلمة “تسعى” لا تُلزم أحداً بشيء، وتترك النزاعات رهينة المزاج السياسي، لا ضوابط القانون ولا آلياته. ثم تأتي الفقرة الأخطر على الإطلاق، والمتعلقة بسلامة السد: “تأخذ الأطراف في الاعتبار سلامة السد وتأثيراته على دولتي المصب.” هذه الفقرة نتاج تنويم مغناطيسي سياسي، فالمشروع مشروع إثيوبي خالص من حيث التخطيط والبناء، بينما تقع تبعاته ومخاطره على دولتي المعبر والمصب. فكيف يُعقل أن تكون سلامة السد مسؤولية جماعية؟ إنها مسؤولية إثيوبيا المباشرة والحصرية، وأي ضرر يلحق بدول أسفل النهر يظل مسؤوليتها وحدها. لكن الإعلان جعل هذه المسؤولية موزعة بين الجميع، وكأن الضحية شريك للجاني في تقرير حجم الضرر الذي سيصيبه! مفارقة لا يمكن أن يقبلها عقل راشد. وبهذا التوقيع، سُجِّلت دولتا المعبر والمصب ضمن قائمة الحاضرين الفعليين لافتتاح السد، وإن كان أشبه بحضور المتصوفة أهل الجلوة والخلوة حضوراً “غيابياً”.
وقد ارتبط غياب دولتي المعبر والمصب عن حفل الافتتاح بما وصفوه مرارا بـ”التعنت الإثيوبي”.غير أنهم لم يدركوا أن إثيوبيا قد أخذت عليهم موثقاً بإعلان المبادئ، وأطلقت يدها في بناء سد بسعة تخزينية هائلة تبلغ حوالي 74 مليار متر مكعب، أي ما يعادل كامل الحصة السنوية لمصر والسودان مجتمعتين وفق اتفاقية 1959. هذه السعة وحدها كفيلة بتغيير ميزان الأمن المائي في دولتي المعبر و المصب، وتحويل أي خلل في إدارة السد أو انهياره إلى كارثة إنسانية وبيئية غير مسبوقة. حتى مجرد قرار إثيوبي منفرد بزيادة أو تقليل تدفقات المياه ستكون له آثار مباشرة على وسائل سبل كسب المعيشة والكهرباء ومياه الشرب في السودان و مصر. وقد بصمت الخرطوم على ذلك بوجدان مفعم بحسن النوايا، ومغمور بأمل أن يكون السد محل تعاون بين دول الحوض. بينما أضمرت إثيوبيا منذ البداية رفضا قاطعا لأي اتفاق ملزم، متمسكةً بموقفها، مراوغةً بذكاء، ورافضةً لأي التزام يقيّد سيادتها. فخلال هذا العقد، تعاقبت جولات التفاوض: بدأت بمحادثات الخرطوم، ثم مفاوضات واشنطن عام 2020 برعاية الولايات المتحدة والبنك الدولي، وانتهاءً بمسارات الاتحاد الإفريقي التي حاولت إدارتها جنوب إفريقيا ثم الكونغو. لكن النتيجة كانت دائما واحدة: طريق مسدود، ومفاوض إثيوبي بارع على الطاولة، بينما كان المهندسون على الأرض يضاعفون وتيرة البناء، في وقت تُستنزف فيه طاقات مصر والسودان في مسارات لا نهاية لها. في الداخل السوداني، ويا للحسرة، جرى تسويق الوهم؛ إذ صُوِّر السد كأنه هبة عظيمة للسودان، وأن فوائده تفوق حتى فوائده على إثيوبيا. بينما الواقع كان يفضح ذلك الخطاب. فقد أعلنت إثيوبيا منذ البداية أن السد مشروع سيادي، بينما ظل خطاب المفاوض السوداني غارقاً في ترديد المكاسب المزعومة، يتأرجح بين كونه شريكاً في السد أو وسيطاً أو طرفا أصيلاً، حتى تلاشت هويته كفاعل مستقل، وصار المراقبون يحصرون الأزمة في مصر وإثيوبيا فقط.
على عموم الأمر.. تعقد المشهد أكثر بتدخل قوى إقليمية ودولية، بعضها حاول لعب دور الوسيط، وبعضها الآخر تحرك وفق مصالحه البحتة. فقد أبدت الولايات المتحدة اهتماما متذبذبا، بينما حاول الاتحاد الإفريقي مرارا لعب دور جامع، لكنه ظل يفتقر إلى أدوات الضغط، فأصبح أقرب إلى منتدى للنقاش منه إلى آلية للحل. حتى أن أمينه العام محمد علي يوسف، انتهى به الأمر ليكون أحد الموقّعين في دفتر حضور الافتتاح، إلى جانب وليام روتو رئيس كينيا، وعمر إسماعيل قيلي رئيس جيبوتي، بل وحتى رئيس الصومال لم يفوّت الفرصة، فحضر رغم جراحات بلاده المتقيحة مع إثيوبيا. ومع مرور عقد كامل على ذلك التوقيع، تكشفت الحقائق:
لا الفوائد الموعودة ظهرت.
ولا المخاطر الواضحة عُولجت.
ولا الشواغل الحقيقية خُوطبت.
ولا اتفاق ملزم وُقع.
لم يتبقَّ سوى خيبة هائلة بحجم الوهم. كان غياب السودان الرسمي عن الاحتفال صمتاً ثقيلاً، أشد وقعاً من أي تصريح. صمت لا يفسَّر إلا كحصاد مُرّ لتلك الأماني التي بُنيت على كثبان رملية، جرفتها مياه السد عند لحظة الافتتاح. إن افتتاح السد الإثيوبي لم يكن مجرد تدشين هندسي أو اقتصادي، بل محطة كبرى تكشف ميزان القوى الجديد في حوض النيل. فقد حضرت إثيوبيا بكامل زهوها وثقتها، وحضرت مصر بقلقها وصرخاتها المدوية في المحافل الدولية، وشكل السودان غيابا صامتا يشي بالكثير. وبين هذا وذاك، ظل النهر يجري، لا يلوي على شيء، شاهدا على أحلام معلقة، ونوايا مبيتة، ومصائر شعوب تقف على حافة المجهول. هكذا، يصبح دفتر الحضور والغياب في افتتاح السد وثيقة تروي للتاريخ قصة عقد كامل من الأوهام، وتفضح لغة “حسن النوايا” التي بدأت بابتسامات متلألئة، وانتهت بندم صامت، بينما النهر يمضي في مجراه، حاملاً ذاكرة الخيبات.
د.محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم