كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
بوب مارلي لم يكن مجرد مغنٍ يلهب الحشود، بل أيقونة إنسانية ما تزال إيقاعاته اللاهبة والملهمة تدق في ذاكرة الكون. أصواته تطارد الظلام بالنور من عمق المعاني المغنّاة، وتستفز ثوابت الوجدان بهزة تتجاوز الفن بوصفه طربا، لتصبح مشروعا تحرريا. فقد خاطب بتلك اللغة العالمية التي يفهمها من ينطق بالعربية أو الإسبانية أو الأردية أو البرتغالية، لغة تصل مباشرة إلى العقل والوجدان، متجاوزة كل حواجز الزمان والمكان. بهذا المعنى، لم يكن بوب مارلي مغنياً فحسب، بل فيلسوفا بلسان الأغاني وكتابا مفتوحا للتأمل في معنى الحرية والكرامة والإنسانية. أصبحت أغانيه مرايا للوجدان الجماعي والفردي معًا.
ظهر مارلي في جامايكا بعد الاستقلال عام 1962، في فترة كانت البلاد فيها تعيش صراعات سياسية واجتماعية حادة، حيث برزت حركة الراستافاري كتيار ديني وثقافي يسعى للتمكين الروحي والهوية الأفريقية. في هذا المناخ، تحول الريغي من مجرد موسيقى للترفيه إلى أداة للتعبير عن المقاومة والكرامة، مميزا مارلي عن فنانين آخرين، وجعل رسالته الموسيقية متجذرة في السياق التاريخي والاجتماعي المحلي والعالمي في آن واحد.
من وجهة نظر علم الاجتماع، ربما يمثل مارلي حالة خاصة في سياق شروحات إميل دوركهايم للظاهرة الاجتماعية، التي يعرّفها بأنها أنماط من السلوك أو الشعور تتجاوز الفرد وتؤثر في الجماعة. لكن مارلي يتحدى هذا الفهم. فهو لم يكن مجرد ظاهرة تُرصد وتزول، بل حالة تجاوزت حدود اللحظة لتصبح خالدة. فالخلود هنا ليس شعاراً، بل نتيجة طبيعية لما أودعه في موسيقاه من عمق وجودي وفلسفي. أغانيه جمعت بين الأمل الفردي والذاكرة الجماعية والنضال ضد الظلم.
تبدأ هذه الرحلة مع Three Little Birds، الأغنية التي تهمس برسالة بسيطة وعميقة: “لا تقلق من شيء، فكل شيء سيكون على ما يرام”. هنا يظهر الوجه المتفائل لمارلي، الذي يواسي الفرد ويربت على كتفه في خضم الحياة المرهقة، ويزرع شعوراً بالطمأنينة رغم ضجيج العالم. إنها أغنية للأمل الفردي، صدى داخلي يرافق كل مستمع يبحث عن راحة في قلب عين العاصفة
هناك أغانٍ تشعر بأنك منجذب إليها دون أن تدري السبب، وكأنها تستدعيك بخيوط خفية من النغم. غير أن الأمر مع بوب مارلي يختلف تماما، فهو لا يكتفي بجذبك، بل يهيئك لحالة وعي كاملة. تأخذك أغنيته في رحلة داخلية، تدمجك في عوالمها، وتمضي بك عبر فضاءات رحبة يتداخل فيها اللحن مع الإبداع، والأداء مع الموسيقى، حتى تبلغ النقطة التي لا تعود فيها مجرد مستمع، بل تصبح أنت نفسك الأغنية.
تتسع الرؤية عند بوب مارلي مع Buffalo Soldier، التي تركز على الذاكرة الجماعية وتاريخ الظلم والاستعمار:
“Stolen from Africa, brought to America”
تذكر بمأساة ملايين الأفارقة الذين انتُزعوا من أوطانهم وأصبحوا وقوداً للإمبراطوريات الاستعمارية. لكن الأغنية لا تكتفي بسرد التاريخ، بل تربطه بالحاضر. الألم الذي يصفه مارلي لا يزال حاضراً في وجدان الشعوب، وتصبح الموسيقى وسيلة لإحياء ذاكرة جماعية تربط الماضي بالحاضر، وتكشف أن الحرية حق مستمر لا يُمنح إلا بالوعي والمقاومة.
وفي ذروة فلسفته السياسية، تأتي أغنية War، التي استلهمها مباشرة من خطاب الإمبراطور هيلا سيلاسي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1963. في هذا الخطاب، دعا هيلا سيلاسي إلى المساواة بين البشر، مؤكدا أن “حتى الفلسفة التي تميز بين البشر على أساس العرق أو اللون أو الدين يجب أن تُمحى من الوجود”. حول مارلي هذا الخطاب إلى تجربة فنية غير مسبوقة، حيث تحول الخطاب الرسمي إلى موسيقى وكلمات تتحول إلى صرخة تحررية. هنا يعلن مارلي:
“We Africans will fight, we found it necessary, and we know we shall win, as we are confident in the victory.”
ويدعو المستمعين إلى رؤية الحرب ليس كقدَر محتم، بل كصراع وعي ومعركة بقاء، حيث يصبح صوت المغني امتداداً لمقاومة الظلم في العالم.
تتجلى هذه الرؤية السياسية أيضا في مفهوم Babylon System، الذي استخدمه مارلي لوصف القوى العالمية التي تسيطر على الضعفاء. أصبح هذا المصطلح في وجدان شعوب العالم الثالث مرادفاً لما يُسمى “المجتمع الدولي”، الذي في حقيقته ليس مجتمعاً متساوياً، بل نظاماً يعلو فيه القوي على الضعيف، ويستثمر سلطته في الاستغلال والنهب:
“Babylon system is a vampire.”
غير أن بوب مارلي لم يقتصر على البعد السياسي، فقد لمس أيضا أعماق الروح والحرية الداخلية في Redemption Song، حيث تتجسد فلسفته الإنسانية في كلمات تدعو للتحرر الذهني والروحي:
“Emancipate yourselves from mental slavery.”
الأغنية تحوّل النضال من مجرد مواجهة الظلم الخارجي إلى رحلة تحرير داخلي، لتصبح الموسيقى وسيلة لفهم الحياة والوجود.
أما One Love، فهي أغنية الوحدة والتضامن بين البشر، رسالة عالمية تعانق الإنسانية: الحب والمسامحة أعمق من كل خلاف، والفن أداة لبناء جسور بين الشعوب والثقافات.
رسالة مارلي لم تزل حيّة في واقع اليوم، حيث تلهم حركات مثل Black Lives Matter في الولايات المتحدة، والصراعات ضد الظلم في أنحاء العالم، مؤكدة أن كلماته وألحانه ليست مجرد ذكرى، بل قوة مستمرة تحث على المقاومة والوعي.
لم يكن بوب مارلي مجرد فنان يستهلكه الزمن، بل حالة استثنائية تجاوزت حدود الظاهرة الاجتماعية التي تحدث عنها دوركهايم. فالظواهر الاجتماعية تولد وتنمو ثم تذوي مع مرور الوقت، بينما ظل أثر مارلي حيا ومتجدداً في وجدان الناس، صوتاً ووعياً ورسالة متواصلة. إنه الفنان الذي حوّل الفن إلى فلسفة حياة، ودمج بين الأمل الفردي (Three Little Birds)، والتاريخ الجماعي (Buffalo Soldier)، والنضال السياسي (War)، والتحرر الروحي (Redemption Song)، والوحدة الإنسانية (One Love) لتصبح موسيقاه نداءً خالدا لكل إنسان يسعى للكرامة والحرية.
صوته، بعد عقود على رحيله، ما يزال يردد أن المعركة لم تنتهِ، وأن الخلود لا يتحقق فقط بالذكرى، بل بالقدرة على تحويل الفن إلى قوة مقاومة، والأغنية إلى مرآة إنسانية أبدية. يعلمنا مارلي أن الإنسان أرقى من أن يُسلب حقه في الحياة والحرية، وأن الفن حين يرتبط بالعبقرية، يستعصى على كل الإسقاطات النظرية.
د. محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم