ؤية تحليلية لبيان وزارة الزراعة والري حول فيضان النيل 2025

كتب د. محمد عبد الحميد أستاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية
wadrajab222@gmail.com

رؤية تحليلية لبيان وزارة الزراعة والري حول فيضان النيل 2025: من منظور إدارة مخاطر الكوارث

إذا كان البيان الصادر عن وزارة الزراعة والري في 30 سبتمبر 2025 يراد به تنوير الشعب السوداني بحقيقة ما يجري على الأرض، فإنه قد أخفق في هذه المهمة إخفاقاً مريعاً. فالواقع الماثل هو واقع فيضان متكامل، والفيضان – من منظور إدارة مخاطر الكوارث – لا يعني مجرد ارتفاع المناسيب، بل يستتبع سلسلة من المخاطر مثل: انهيار الجسور الترابية، غمر الأراضي الزراعية، والمساكن.. تهديد الأرواح والممتلكات، فقد وسائل سبل كسب المعيشة. تشريد السكان، وانتشار الأوبئة. لكن البيان لم يذكر أيّاً من هذه المخاطر، بل اكتفى بعبارة “مضللة” تقول: (وصول المنسوب لمستوى الفيضان لا يعني بالضرورة غرق المنطقة بالكامل.)
أولاً: المسكوت عنه في المخاطر
هذه العبارة تثير أكثر من إشكال: أي منطقة يقصد البيان؟ هل هي السودان كله، أم المدن المتاخمة للنيل، أم الجروف والمزارع؟ إن الضبابية هنا تعني غياب التحديد اللازم لإدارة مخاطر الكوارث والأدهى أنها لا تنفي وقوع الضرر فحسب، بل تنفي حتى احتمالية وقوعه، وهذا يتعارض مع منطق إدارة الكوارث الذي يقوم على تقدير المخاطر قبل حدوثها.
ثانيًا: المسكوت عنه في اللغة
وفقاً لنظرية أمبرتو إيكو في التحليل النقدي للخطاب حول ما لم يقله النص، فإن هذا الإغفال لا يعني مجرد تستر على الفاعل – أي إثيوبيا – بل هو أيضا تستر على الذات الرسمية التي ظلت على مدى أكثر من عقدين تروّج للسد الإثيوبي باعتباره “فتحا ربانيا”، وتتأمل منه فوائد كبرى على السودان. فالسكوت عن الفاعل هنا يخدم غرضين في آن واحد: نفي المسؤولية عن الخارج – إثيوبيا – ، ونفي المحاسبة عن الداخل الذي ضلّل المواطنين بخطاب فوائد السد الجهنمية. وبذلك يصبح البيان حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التهوين، وحصاد لتلك الأوهام التي تبتغي الفوائد من السد. لا مجرد خطأ عرضي في صياغة إعلامية.
ثالثا: المسكوت عنه في الإنذار المبكر
البيان تحدث عن “الإنذار المبكر”، بينما الإنذار المبكر – حسب أدبيات إدارة الكوارث – منظومة متكاملة تشمل:

  1. المعلومة الدقيقة عن الخطر (حجمه، قدرته التدميرية، مداه الجغرافي، واستمراريته).
  2. تفاعل المتلقي للمعلومة، أي المستفيد النهائي.
  3. تأثير التحذير على وعي وسلوك المواطنين
  4. الإجراءات الاحترازية المطلوب اتخاذها.
  5. جاهزية الدولة للتدخل فيما بعد الإنذار- مرحلة الكارثة.
    غير أن ما ورد في البيان لم يتجاوز التنبيه الأولي، بل إنه ناقض نفسه حين شدّد على “تجنب الهلع” دون أن يوجه المواطنين لاتخاذ أي محاذير عملية. وبهذا يكون البيان قد ساهم في تثبيت الغفلة بدل رفعها.
    رابعًا: المسكوت عنه في دور الدولة
    وإذا حاولت الجهة المصدرة للبيان أن تدرجه في إطار “إبراء الذمة” من مخاطر الفيضان، فإن ذلك لم يتحقق لعدة أسباب:
  6. البيان لم يتطرق إلى المخاطر أصلا، بل تجنب الحديث عنها بالكامل.
  7. صياغته أظهرت الدولة وكأنها غائبة، بلا دور في حماية المواطنين وممتلكاتهم ووسائل كسب عيشهم.
  8. ترك فراغا معلوماتيا خطيرا، ملأه المواطنون بأنفسهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث صاروا يتبادلون صور الفيضان وتحذيرات محلية فيما غاب صوت الدولة وخبراء الري عن المشهد.
    وبذلك تكون الدولة قد أعلنت أيضاً ـ بصورة غير مباشرة ـ عن غيابها عن واجبها الأساسي في الحماية والإنذار المبكر.
    خامسًا: المسكوت عنه في الفاعل
    الأدهى فهو صمت البيان عن الخسائر والأضرار التي وقعت بالفعل في القرى والمدن النيلية. فالإنذار في علم إدارة الكوارث يوازن بين تجنب الهلع وتجنب الغفلة؛ لكن الوزارة اختارت خيار التهدئة المطلقة، فأنكرت المخاطر وأهملت الإجراءات، وكأن الكارثة لم تحدث.
    وهنا تبرز خطورة تغييب الفاعل فالبيان لم يتجنب فقط تسمية إثيوبيا كمصدر مباشر للتصريف، بل حاول في الوقت ذاته حماية الخطاب الرسمي السوداني نفسه، الذي طالما رسم صورة مثالية عن السد. وبهذا يصبح المواطن السوداني أمام معادلة شديدة التعقيد: الفيضان واقع يهدد حياته وسبل عيشه، والفاعل غائب من النص، والدولة التي يفترض أن تحميه تتحدث بلغة التهوين لا التحذير.
    سادساً: المسكوت عنه في تحميل المسؤولية – البعد القانوني والدولي
    بالإضافة إلى كل ما سبق، ثمة مسكوت عنه جوهري يتمثل في الترويج لمزج غير متوازن بين الأسباب، حيث نحا البيان نحو عزو الفيضان مناصفةً بين أخطار طبيعية (التغيير المناخي) وللخطأ الكارثي منزصنع الإنسان الذي قامت به إثيوبيا، وكأن الأمرين متساويان في الوزن. هذه المعادلة الزائفة تتجاهل حقيقة أن الإدارة الأحادية غير المسؤولة لملء وتشغيل السد – خاصة القرار المفاجئ بفك بوابات السد لغرض احتفالية الافتتاح دون إنذار مسبق أو مراعاة للعواقب – هي ما أوصل الوضع لحد الكارثة وأعطت الظواهر الطبيعية قوة تدميرية مضاعفة.
    إن هذا المزج المغلوط هو نوع من التستر المؤسسي يحاول توزيع المسؤولية على “الطبيعة” لتخفيف العبء عن الفاعل الرئيسي – إثيوبيا -، وكأن الوزارة تنسى أن الإدارة الرشيدة للموارد المائية وُجدت أصلا للتخفيف من آثار الظواهر الطبيعية، لا لتضخيمها.
    وعليه، يصبح الدور المطلوب من القانونيين والخبراء السودانيين أكثر إلحاحاً، عبر:
  9. توثيق العلاقة السببية بشكل لا لبس فيه: إثبات أن الكارثة نتجت مباشرة عن القرار الإثيوبي غير المسؤول.
  10. رفع دعاوى قضائية دولية تستند ضد إثيوبيا وتحميلها المسؤولية بتعويضات كاملة للضحايا عن الخسائر الناجمة عن هذا الإهمال المتعمد.
  11. فرض ضمانات عملية وقانونية تمنع إثيوبيا من تكرار هذا الفعل في المستقبل.
    الطريق إلى الأمام والدروس المستفادة
    إن بيان وزارة الزراعة والري – بما أغفله من مستويات أساسية – لا ينبغي أن يمر مرور الكرام. فالكارثة الحالية يمكن وصفها بأنها Man made disaster، كنتاج مباشر لفشل إداري ومؤسسي من قِبل إثيوبيا لا يريد البيان تحميلها مسؤوليته.
  12. إعادة الاعتبار لدور الدولة: باعتبارها الحارس الأول لأمن المواطنين المعيشي والإنساني، لا مجرّد مذيع لبيانات ملتبسة.
  13. المصارحة والشفافية: فالاعتراف بالمخاطر شرط أول لإدارتها، أما سياسة التهوين والإنكار فهي وصفة مؤكدة لتحويل الأزمة إلى كارثة ممتدة.
  14. تأهيل المجتمعات المحلية: عبر التوعية والتدريب، وتمكينها من المشاركة في إدارة المخاطر بدل تركها رهينة والتقديرات الفردية.
    خاتمة
    إن الكارثة الحالية، رغم فداحتها، لا تمثل إلا وجهاً هيناً جدا مما قد ينتظر السودان مستقبلاً، سواء غرقا أو عطشا. وعلى السودان الرسمي أن يعيد.تقييم موقفه من هذا السد الذي جعل السودان النيل تحت رحمة دولة أخرى تتأرجح علاقته بها بين النزاع على الأراضي، ومصالح السياسة وتقلباتها وتداخلات البشر باللجؤ والحراكات السكانية المختلفة.
    د. محمد عبد الحميد استاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …