نظرة أولية في بيان مجلس الأمن والدفاع – البرهان البطل التراجيدي مصرع الكرزيما والكهانة

كتب الأستاذ الجامعي د.محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
أصدر مجلس الأمن والدفاع بيانا بعد ترقب بتاريخ 4 نوفمبر 2025م، بدا فيه المشهد أقرب إلى عرضٍ مسرحيٍّ تراجيديٍّ تتناوب فيه الإيماءاتُ بين الوعيد والترحيب، وبين شدّ الحبل وإرخائه. بدا كأن البيان يريد أن يطمئن الداخل ويغازل الخارج في آنٍ واحد، لكنه انتهى إلى أن يعيد إنتاج ذات الحيرة التي ولد منها. في تلك اللحظة، انكشف ما ظلّ يتكرر منذ سنوات: تراجيديا القيادة في السودان، وتحديدا تراجيديا البرهان.
ففي المأثور الكلاسيكي، يكون البطل التراجيدي شخصية نبيلة أو ذات شأن، تمتلك فضائل تؤهلها للعظمة، لكنها تحمل في طياتها عيبا مأساوياً (Hamartia) يقودها — رغم نبل مقاصدها — إلى سقوطٍ حتميٍّ يثير في الجمهور مزيجاً من الشفقة والخوف. فالبطل التراجيدي ليس شريراً ولا قديساً، إنما هو الإنسان الذي في ضعفه تبرز مأساته.
غير أن هذا التعريف لا ينطبق على البرهان إلا من حيث المفارقة؛ فالهامارتيا hamartia فيه ليست أخطاء النبل، بل تصادم العسكري في داخله مع السياسي الذي لم يكتمل فيه؛ فهو لم يُقَدَّم إلى السياسة بدافع النبل أو الرؤية، بل من باب الفهلوة والظنّ بأن الدهاء والمراوغة يمكن أن يحلّا محل البصيرة والرؤية. لقد تخيل أن السياسة تُدار بمنطق المؤسسة العسكرية: بالأوامر والتوجيهات، وباحتكار القوة لا بإنتاج المعنى.
مهما يكن من أمر، في الفكر السياسي، لا يولد القائد الكاريزمي صدفة. فكما يرى ماكس فيبر، يولد من حاجةٍ جماهيريةٍ إلى شخصٍ يجمع بين القدرة والإلهام. وكما يؤكد غوستاف لوبون، هو من يجسّد فكرة الخلاص (Salvation) في لحظةٍ يتعذر فيها على الجماعة أن ترى طريقها.
فالجماهير السودانية في ثورة ديسمبر المجيدة استغنت تماما عن فكرة الزعيم المخلِّص؛ خرجت بلا قائد، وانتصرَت بلا نبوءة. كانت الثورة تمرّدا على فكرة “المنقذ”، وإعلانا بأن التاريخ يمكن أن يصنع نفسه دون كاريزما.
غير أنه ومع إحتدام الحرب وتراجع الأمل، أُلبِس البرهان لقب “الكاهن”. في محاولةٍ لتعويض رمزيٍّ عن غياب الكاريزما. غير أن الكهانة — في أيٍّ من تجلياتها — تقوم على رؤية المعنى الخفي، على الإلهام والقدرة على كشف ما وراء الحجب ببصيرة نافذة. أما البرهان، فقد ظلّ أسير اللحظة لا مفسّرها، فقد التقطته اللحظة بدل أن يلتقطها. ومنذئذٍ، صار أسيرا في دوّامةٍ من التصريحات المتناقضة: خطابٌ للداخل يقوم على التعبئة والتصعيد، وخطابٌ للخارج يتوسّل التوافق والمهادنة. وهنا تتجلى التراجيديا: فحين ينتصر خطاب الداخل التصعيدي تقع المأساة، وحين ينتصر خطاب الخارج تقع المأساة. لقد ظلّ البرهان عالقا بين نداءين يَعِدان بالنجاة لكنهما معاً يقودان إلى الغرق. لكنّ المأساة تتعمّق أكثر حينما يمعن المرء في “الداخل” الذي تتم مرواغته فهو ليس داخلاً واحداً ..
فيه الشعب السوداني المكَلوم الذي أنهكته الحرب بين التشرد والنزوح والضياع.
وفيه الداخل الذي بلغ به خطاب التعبئة منتهاه حتى كاد يرى النصر على بعد مرمى حجر.
وفيه القوى المدنية التي ترحّب بالترحيب،
وفيه القوى الإسلامية التي ترحّب بالتعبئة والاستنفار وحمل السلاح.
وفيه الحركات المسلحة المهيضة الجناح.
وفيه الداخل الذي استوى سلطةًتنازع البطل بالشوكة والسلاح.
إنه الداخل المتعدّد، المنقسم، المتشظي، الذي يحاول الخطاب أن يخاطبه بصوتٍ واحدٍ فلا يسمعه أحد من هذه
” الداخلات” المتعددة.
لقد جاء بيان مجلس الأمن والدفاع بذات الخطاب وكامتداد لذات المأزق. (ترحيب وتعبئة).
غير أن الخارج ليس مستمعا أو متلقيا للخطاب فحسب، وإنما هو أيضا صاحب خطاب له سلطة صارمة قوامها نفس منطق البرهان الذي عهده على مدار سنيه الطويلة في الخدمة العسكرية “نفِّذ ثم ناقش، أو ناقش كيفما شئت فستنفِّذ كما نشاء.” ذلك هو منطق (السلام بالقوة peace by force) ، السلام القهري الذي روج له ترمب كمصطلح جديد في بناء السلام. فالواضح للعيان أن الخارج هنا يتكئ على المهلة المحدودة وجداول التنفيذ ومصفوفات التدخل، بينما يُطلب من الداخل في هذه اللحظة أن ينتقل من حِدّة الخطاب التعبوي إلى نبرة المواقفة والترحيب— أو بالأحرى يمهد له بنسيانٍ أقرب للطاعة.
وهكذا يُعاد إنتاج التناقض نفسه داخل البيان ذاته: تنفيذٌ باسم السيادة، وتبريرٌ باسم المصلحة، بلغةٍ مخلوطةٍ بين ،(التعبئة والترحيب)، الإقبال والإدبار، الرسوّ والإبحار، إدمان العيش والانتحار.
وفي تلك اللحظة بالذات، تكتمل التراجيديا؛ إذ يظن البطل أنه يناور القدر، فإذا به يعجِّل بمصرعه — مصرع الفهلوة على منصة التناقض.
عموما يمكن الجزم بالقول، إنما طرحه مجلس الأمن والدفاع في بيانه، قد تبنى “هامارتيا” البرهان نفسه، فانتقلت بالتالي للمنظومة الرسمية تكرره لتعيد إنتاج التناقض بين (التعبئة والترحيب). كأنما المجلس قد انعقد خصيصا ليرفع الحرج عن البطل الذي صرعته التراجيديا.
د. محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …