wadrajab222@gmail.com
كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
لقد أحدث مقال البرهان (حقيقة الحرب في السودان) جدلاً واسعاً، ولم يكن لذلك الجدل أن يحدث لو لم تكن هناك نسختان. الأولى مطولة، تتناول العديد من القضايا الإشكالية وبها إشكالات لغوية كما سيتضح من خلال هذا المقال. والثانية مختصرة، تكاد تكون نصف حجم النسخة المسربة على وسائل التواصل الاجتماعي، وهي النسخة التي ظهرت يوم 25 نوفمبر 2025 في صحيفة WSJ. وقد أدى اختصار الصحيفة للمقال إلى حذف كل “الثيمات” التي حاول المقال أن يخاطب بها جمهور الجريدة، خلا الإشادة بالرئيس الأمريكي ووصفه بالحاسم. يناقش المقال هنا جملة مفارقات حول المقال فيما يلي:
المفارقة الأولى: التشويش التحريري والنسخ المتضاربة
وتكمن في وجود نسختين من المقال: نسخة مسربة على وسائل التواصل الاجتماعي ونسخة منشورة رسمياً على موقع وول ستريت جورنال. النسخة المسربة تفتقد الدقة في اللغة وتحمل أخطاء في التراكيب والمصطلحات.
تبدأ المفارقة بالفقرة الافتتاحية، حيث تعطي ملمحاً عاماً عن خلفية السودان الحضارية وهذه جملة مقصودة لذاتها ربطت مملكة كوش بالتوراة:
“Sudan is a country of deep memory; its historical roots stretch back to the Torahic Kingdom of Kush, one of Africa’s greatest civilizations.”
يلاحظ هنا استخدام مصطلح Torahic Kingdom of Kush في النسخة المسربة، بينما النسخة المنشورة على موقع الصحيفة الرسمي استخدمت مصطلح Biblical Kingdom of Kush. هذا تناقض جوهري ولكل دلالته إما في ذهن الكاتب، أو لنفسية ووجدان المُخاطب. فبين الكتابين المقدسين—التوراة والإنجيل—هناك خلافات كبيرة في الدلالات الثقافية والتاريخية والسياسية، فالتوراة تحمل دلالات عرقية واضحة في الفهم اليهودي المعاصر، بينما الإنجيل يعكس حالة انتقال طبيعي بين الديانات. كما أن الانتماء لأي منهما يؤكد على تفاوت الزمن والحقب بينهما، مما قد يُفسَّر على أنه نتاج تشوش في فكر الكاتب نفسه، أو على الأقل في طريقة تقديمه للتاريخ.
ومن زاوية التحليل السياسي، كما يرى د. عشاري محمود خليل، فإن الإشارة إلى كوش التوراتية في هذا السياق ليست مجرد اختيار تاريخي، بل تمثل محاولة استجداء وضراعة ولفت انتباه صُنّاع القرار الغربيين، خصوصاً في ضوء موافقة البرهان على مبادرة ترمب في حمل الدول العربية للتطبيع مع إسرائيل وفق الاتفاقات الإبراهيمية. هذه الإشارة الرمزية تمثل صياغة محسوبة سياسياً أكثر مما هي توصيف تاريخي دقيق، وتهدف إلى خلق صلة إيجابية موحية مع الدوائر الأمريكية والإسرائيلية.
المفارقة الثانية: الأخطاء اللغوية والمنطقية
النسخة المسربة تحتوي على أخطاء لغوية مباشرة ومنطقية، مثل:
“Despite banning targeting civilians, the UN Human Rights Council has, among other destinations, authorized militia mass killings, sexual violence and intimidation of civilians.”
هنا يُحوّل مجلس حقوق الإنسان من جهة إدانة إلى جهة تشرّع الجرائم بسبب استخدام خاطئ لكلمة authorized وترجمة غامضة لعبارة among other destinations. كما تحتوي النسخة على انهيارات نحوية مثل:
“If we other places, including President Trump’s administration, believe that this militia has a lot of external support in equipment and others, from parties that think it’s wrong to enable a group that the United States accuses itself of genocide and ethnic cleansing would serve its own best interests.”
الجملة “the United States accuses itself of genocide” هي خطأ منطقي فادح، إذ لا يمكن للولايات المتحدة اتهام نفسها بالإبادة الجماعية. هذا الخطأ يربك القارئ، ويضعف مصداقية الرسالة ويجعل من المستحيل أخذ الطلب على محمل الجد. هذا بالطبع إذا لم يشغل القارئ نفسه بجملة (If we other places) التي لا تعطي دلالة على أي شي.
المفارقة الثالثة: الاسم الرسمي لقوات الدعم السريع وأثر الترجمة الآلية
النسخة المسربة تحمل أخطاء مهنية مباشرة، أبرزها استخدام مصطلح emergency response forces بدل الاسم الصحيح Rapid Support Forces (RSF). هذا الخطأ ليس مجرد مسألة لفظية، بل يعكس فشلاً جوهرياً في التمييز بين اسم عَلم (Proper Noun) والوظيفة العامة، إذ أن “قوات الدعم السريع” هو اسم رسمي يعرفه القارئ من خلال التغطية الصحفية والسياسية. الفشل في استخدام الحروف الكبيرة (Captal letters) في استخدام الاسم وعدم الالتزام بالاسم الرسمي يشير إلى اعتماد المقال على ترجمة آلية غير مدققة. في سياق سياسي حساس، وحول قضية أكثر حساسية. يقوّض المصداقية السياسية للمقال ويضعف رسالته في استمالة الرأي العام الأمريكي أو صناع القرار.
المفارقة الرابعة: الكارثة التواصلية الاستراتيجية
يتجاوز فشل المقال مجرد هفوة لغوية عابرة ليصبح دراسة حالة في الكارثة التواصلية الاستراتيجية. بدلاً من أن يخدم القضية السودانية أمام الرأي العام الأمريكي، يتحوّل المقال إلى مادة للسخرية تُنسف الموقف الأخلاقي والسياسي للمشروع الذي يمثله البرهان.
النسخة المسربة تقدّم دليلاً ساطعاً على خطيئة التواصل الأساسية، الاعتماد على الترجمة الآلية غير المحكمة التي تمحو روح النص وسياقه الثقافي. والأمر الأشد إيلاماً فيما يبدو أن المقال كُتب من العربية ثم حُوّل حرفياً للإنجليزية، فيما كان الواجب الذي يؤكده القصد. كتابة النص باللغة الإنجليزية مباشرة وبمنطق المخاطَب الأمريكي وثقافته. هذا الانزياح عن مسار التواصل يهزم الفكرة ويظلم النص نفسه في نفس الوقت، حيث خرجت الرسالة مشوّهة، ضعيفة، عاجزة عن إقناع من وُجّهت إليهم أساساً، محوّلة إياهم من مستمعين محتملين إلى شهود إثبات على الانهيار الديواني في دولة ضاربة الجذور في التاريخ.
مقارنة النسختين
النسخة المسربة على وسائل التواصل الاجتماعي طويلة ومطولة، تحتوي على تفاصيل الأحداث والإشارات التاريخية والسياسية، مثل استخدام مصطلح Torahic Kingdom of Kush والإشارة إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، بالإضافة إلى الأخطاء اللغوية والمنطقية التي أبرزت هشاشة النص وفوضويته. هذه النسخة حاولت مخاطبة الرأي العام الأمريكي ومراكز البحث وصناع القرار مع إشارات رمزية، لكنها كانت في كثير من الأحيان مربكة وغير دقيقة.
أما النسخة المنشورة في WSJ فقد اختصرت المقال إلى نحو نصف حجمه، مع حذف معظم الإشارات التاريخية والسياسية المعقدة، فلم تذكر التوراة ولم تتطرق للاتفاقات الإبراهيمية، بينما احتفظت بالإشادة بالرئيس الأمريكي ووصفه بالحاسم. وبذلك، أصبحت النسخة المختصرة أكثر انضباطاً لغوياً ومنطقياً، لكنها فقدت معظم الثيمات التي أراد الكاتب أن يخاطب بها جمهور الصحيفة، مما جعلها عاجزة عن تحقيق أهدافها الاستراتيجية بشكل كامل.
الخلاصة
هذه الفوضى في النسخ والمحتوى جعلت من البرهان “سيرجيوس سرانوف” آخر بطل مسرحية “الرجل والسلاح” للكاتب جورج برنارد شو، الذي يجسد التناقض بين الخطاب الرومانسي المفعم بالشرف والبطولة والواقع العملي المزيف، حيث يؤدي التمسك بالصورة المثالية غير الواقعية إلى نتائج عكسية ومحرجة). فبدلاً من أن يخدم المقال قضيته، كان له انعكاس سلبي. إن هذا التضارب والتناقض في الشكل والمحتوى يؤدي مباشرة إلى إخفاق في التوصيل الاستراتيجي. فالنسخة المسربة كانت “نصاً ضعيفاً” لغوياً، أما النسخة المنشورة، فقد أصبحت “مختزلة ومعقمة”. وعليه، فقد معظم العمق الذي حاول الكاتب الأصلي إضافته، ولكنه في الوقت نفسه لم ينجح في أن يكون نصاً مباشراً وقوياً؛ بل انتهى به الأمر كـ “نص ضعيف” لغوياً (في النسخة المسربة) ومفرغ من محتواه (في النسخة المنشورة)، مما جعله عاجزاً عن تحقيق أهدافه بكفاءة. وإذا كان المستهدف الأصلي من المقال صانع القرار والرأي العام الأمريكي بمثقفيه ومراكز أبحاثه وجامعاته ومؤرخيه، فالسؤال يبقى: كيف يمكن أن يستفيد هؤلاء من نسخة أعدت لغرض، واختصرت لغرض آخر؟ هل استطاع المقال أن يبلغ مرامه ويحقق أهدافه، أم النسخ المتضاربة وما تبعها من صخب لم تفرز طحينا، وإنما ضجة تؤكد على فوضى ديوانية داخل الدولة السودانية؟
د. محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم