مرت أربعة اعوام علي انقلاب البرهان في ٢٥ أكتوب. ٢٠٢١م بينما تقترب الحرب من عامها الثالث وقد إتضح جليا ان كيزان السودان لا تتوفر لديهم النية والالتزام بوقف هذه الحرب اللعينة وتبني حلول سياسية وتقديم تنازلات من اجل الوطن تنهي معاناة الشعب الممتدة وتشتري المستقبل كما إعتقد العديد من الناس واعترف بأنني كنت من ضمنهم حتي بداية الحرب والتشريد والدمار الشامل الذي حدث ويحدث لبلادنا. ولكن يبدو أن ” صمود” مع الاسف، مازالت تعتقد في إمكانية حل سياسي بعد إضافة مزيد من الضغوط الاقليمية والدولية علي الكيزان. هذا الموقف في تقديري قد حرم صمود من اغتنام فرصة تاريخية لبناء جذور الثقة مع المجموعات السكانيه في كردفان ودارفور والنيل الأزرق وتغليب موازين القوى لصالح التغيير ، وقد إكتفت بدلا عن ذلك بلعب دور ” الناقد، والناصح ، والحجاز”
علي أن اهم تساؤل يبرز بعد تجربة الحرب والقتل والنهب وهي تجربة مريرة بكل المقاييس، هو: ما السبب المباشر لهذه الحرب ؟
هناك نمط pattern مشترك في كل الحروب البشرية خاصة الحديثة منها، ولذلك دعونا نطرح التساؤل التالي: ما هو السبب المباشر في اشتعال الحرب العالمية الثانية؟ وكما نعلم أن المانيا النازية هي المسؤولة عن اندلاع الحرب الكونية الثانية والتي راح ضحيتها الملايين وذلك بغزوها لبولندا عام ١٩٣٩م، وأن الكيزان أو فلول النظام السابق هم من اشعل فتيل الحرب السودانية في ١٥ أبريل ٢٠٢٣م. لكن كل ذلك لا يكفي ، اذ علينا تحديد سبب الحرب بدقة قبل وضع الاستراتيجيات وتوجيه النشاط لإيقافها وإنهاء الكابوس المفزع الذي تعيشه الناس في السودان.
ولمعرفة أسباب غزو المانيا لبولندا، لابد من الرجوع إلى مهندس النازية الاقتصادي د. شاخت Hjalmar Schacht مدير البنك المركزي الألماني Reichsbank والذي إستطاع بحيل إقتصادية من تمكين الآلة العسكرية للجيش الالماني من الدعم السخي. صار تعداد افراد الجيش اكثر من ثلاثة ملايين بدلا عن مائة الف كما كانت قد حددته اتفاقية فرساي. كذلك استطاع الجيش انتاج آلاف الدبابات والعربات المصفحة والطائرات المقاتلة واختفت البطالة التي كانت منتشرة قبل تولي هتلر الحكم في ١٩٣٣م. ذلك النجاح المذهل الذي حققه الحزب النازي في سنوات قليلة، قد صار يعرف بالاعجوبة الإقتصادية.
لكن مالم يكن يعلمه الشعب الألماني او الرأي العام العالمي، هو ان مدير البنك الألماني كان قد أنشأ شركة عرفت اختصارا ب M.E.F.O لم تكلف اكثر من مليون مارك ثم ألحقها بشركات عريقة كان من بينها سمينز. هذه الشركة كانت تصدر صكوكا للمقاولات قابلة للصرف نقدا في البنوك بسعر فائدة أربعة بالمائة، بحيث يحين اجل سدادها للبنوك بعد خمسة اعوام. وبهذه الإجراءات لن تظهر تلك المبالغ وذلك العجز في ميزانية الدولة الرسمية. بدأ ” شاخت” ذلك المشروع في عام ١٩٣٤م وكان أول تاريخ سداد واجب هو مبلغ ١٢ مليون مارك الماني في العام ١٩٣٩. إن ما فعله مدير البنك المركزي في المانيا النازية بمثابة طبع عدد هائل من النقود ” راب، راب ، رب ” كما يفعل الفلول 😄دون أن يؤثر ذلك علي الإقتصاد، بمعنى آخر إحداث تضخم مؤقت ولكنه خفي، لا يظهر الا بعد حلول موعد السداد وهو العام ١٩٣٩م. ولو كانت المعجزة الاقتصادية حقيقة لما احتاج هتلر الي غزو بولندا مطلقا لانه كان قد حقق بجهود ديبلوماسبة كل ما فقدته المانيا في إتفاقية فرساي بحلول عام ١٩٣٩ م. لكن هتلر كان يحتاج بشدة الي غزو بولندا ونهب مواردها من اجل سداد ذلك العجز الهائل والخفي.
ما يحدث في السودان شئ شبيه ويبدو ان ما كشفت عنه لجنة إزالة التمكين يمثل جزء صغير جدا من جبل الجليد الضخم، بل من جبال الفساد المتعددة. ولا اتفق مع القول بأن تشبث الكيزان بالسلطه يأتي بسبب الحاحة الى مزيد من النهب، بل ان خوفهم يأتي من ان تركهم للسلطة سيزيل الغطاء عن الفساد الذي كان مستشريا وهو شئ قد يحدث صدمة كبيرة ليس في السودان وحسب بل سيمتد إثره خاصة ألى الدول الناطقة بالعربية وسيحيل الادعاءات الاخلاقية للاسلام السياسي الي تهكم وغضب ورفض واستنكار، كما سيعرض جل قيادات التنظيم الي المساءلة القانونية. وربما تشمل المساءلة حتي الكوادر الوسيطة واسرهم واقربائهم او حتي بعض القيادات السياسية في احزاب اخرى بسبب اتساع رقعة الفساد.
عند المقارنة بين النموذجين الالماني والكيزاني نكتشف أن المفارقة تكمن في أن النازية كانت قد غزت العالم من اجل التغطية علي فسادها المالي وانها قد بنت قدراتها العسكرية بتلك الحيل الافتصادية غير المشروعة وإضطرت فيما بعد إلي غزو الاتحاد السوفيتي من اجل الحصول علي نفط القوقاز لتشغيل ترسانتها العسكرية الضخمة، بينما نجد أن الحركة الاسلامية في السودان قد اقامت مشاريع مدنية وعسكرية وهمية او شبه وهمية، من اجل النهب، وليس العكس، وانها غزت شعبها وليس شعبا آخر ، بعد ان افقرته واذلته ونهبت موارده وصادرت حلمه في التمنية والسلام .!
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم