الكيزان وجه إخر للنازية ( ٢)

بعد سقوط منطقة هجليج الغنية بالنفط في يد قوات تأسيس ، صرحت القيادات العسكرية لبورتكيزان بانهم انسحبوا حماية لحقول النفط من الدمار . هذا ادعاء لا يتسق مع تصرفات الكيزان الذين اشعلوا الحرب التي تسببت في القتل والتشريد وتدمير البنية التحتية للسودان الحديث علي ضعفها بسبب حكمهم للبلاد طوال الثلاثة عقود ونصف.
تجربة الحرب العالمية الثانية شاهدة علي أن قيادة الحزب النازي التي اشعلت الحرب لقيامها باحتلال بولندا، كانت آخر ما تفعله هو الانسحاب، مع أن أول ما تفعله هو التضحية بالجنود وكل شئ في سبيل الاحتفاظ ولو بمساحة متر واحد. هذا يتسق طبعا مع طريقة التفكير الشمولي المنغلق الذي يقوم علي أوهام تفوق مزعوم، ولذلك أجد صعوبة في ابتلاع تصريحات حكومة بورتكيزان بشأن الإنسحاب من هجليج.
تماما مثل النازية يعتمد الكيزان علي الاعلام في محاولات خلق تصورات لا تمت الى الواقع بصلة، منطلقة من قاعدة اساسية ترى ضرورة نشر الاكاذيب وزرع تصورات خاطئة في اذهان الناس حول مجريات المعارك العسكرية perceptions outlast facts. جاءت آخر مخاطبة لوزير الدعاية النازية جوزيف جوبلر من ” البدروم” بتاريخ ٢١ أبريل ١٩٤٥م، ولكن لم يجرؤ الرجل علي مخاطبة الشعب الألماني في اليوم الذي يليه بعد وصول ارتال الدبابات السوفيتية والمدفعية الثقيلة الي مشارف العاصمة برلين فقد كانت أصوات الانفجارات المدوية قادرة علي كشف الاكاذيب وتعرية الفبركات الاعلامية بانتصارات زائفة فقد كان واضحا فعلا ان ” السيف اصدق انباءا من الكتب”.
من ناحية ثانية يبدو لي ان انسحابات قوات الدعم السريع التي حدثت من الحزيرة والخرطوم كانت بسبب خشية تعرض جنودها للأسلحة الكيميائية to avoid the exposure الذي لم تتورع قيادات الكيزان العسكرية من استخدامه في العاصمة وربما مناطق أخرى.
هزائم الاحزاب العقائدية دائما ما تأتي بسبب سيطرة القيادات السياسية علي القرار، حتي في زمن الحرب، حيث تمنع القيادات العسكرية من القيام بواجباتها بحسب تأهليها العسكري، بوضع الخطط العسكرية، بل عليها فقط تنفيذ قرارات القيادة السياسية. هذا بالاضافة الي ضعف قدرات القيادات العسكرية اصلا بسبب سياسات التمكين وقد فقد الجيش السودانى قيادات ذات قدرات عسكرية جيدة بسبب ذلك التمكين اللعين.
هذا شئ شبيه بما فعله ستالين نهاية ثلاثينيات القرن الماضى حينما طبق سياسة التطهير في الجيش الاحمر the purge وقد كان الاتحاد السوفيتي محظوظا لان قائدا عسكريا محنكا مثل جريجوري زوكوف، كان قد نجا بأعجوبة من التطهير الستاليتي بفضل حماية قائده بيونين وكذلك بسبب بعده الجغرافي عن موسكو حيث خدم الرجل في مقاطعة بيلاروسيا ثم منشوريا البعيدة. ولكن بعد ذلك كان ستالين مضطرا الى إرخاء قبضته علي الجيش مما أعطى قيادته الحرية في وضع الخطط العسكرية بعد ان أثبت زوكوف نجاحه في صد الهجوم الالماني علي موسكو نهاية العام١٩٤١م.
اما بالنسبة لألمانيا النازية فقد حدث العكس وهو ما تسبب في الهزائم العسكرية المتتالية، تماما كما يحدث الان للكيزان.
ويمكن ان نشير هنا الي خطأ استرتيجي فادح علي سبيل المثال وليس الحصر، الي إصرار هتلر بان هجوم الحلفاء المكون من انجلترا وامريكا وكندا سيأتي من كاليه عبر القنال الانجليزية فاصبحت القوات الألمانية بما في ذلك الجيش ال ١٥ مركزة في تلك البقعة مع وضع الدبابات في منتصف الطريق بين شواطئ النورماندي الفرنسية وكاليه رغم اعتراض ثعلب الصحراء روميل علي ذلك الترتيب الذى كان يري ان هذه الفرق يجب ان تبقي علي مقربة من شواطئ نورماندي وقد تأكد صحة تقديراته فيما بعد حيث اعطت ترتيبات هتلر الخاطئة جيوش الحلفاء فرصة أسابيع كانت كافية لاكمال إنزال الحنود والمعدات العسكرية ومن ثم التوغل في الأراضي الفرنسية وتحريرها، وقد حدث كل ذلك من شواطئ النورماندي حيث حدث الانزال الحقيقي حسب تقديرات جنرالات الفيرماخت وعلي عكس توقعات هتلر الفطيرة.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com

عن طلعت محمد الطيب

شاهد أيضاً

نشاط ” صمود” وغضب البرهان (٢)

استنكر الباشمهندس عمر الدقير رئيس حزب المؤتمر السوداني حديث رئيس الوزراء الكندي مارك كارنى حينما …