الكيزان وجه آخر للنازية (٣)

talaat1706@gmail.com

حينما كتب الراحل المقيم الطيب صالح عليه رحمة الله مقاله الشهير الذي كان تحت عنوان ” من أين أتى هؤلاء” في استنكار للجرائم التي إرتكبها الكيزان بعد انقلابهم المشؤوم في ١٩٨٩م، كان الإعتقاد الغالب أن التبرؤ من الكيزان امر مقصود ومبرر ولكنه غير حقيقي لان الكيزان لم يأتوا إلينا من كوكب المريخ. ربما كان الراحل المقيم الخاتم عدلان اكثر دقة في توصيف طبيعتهم حينما كتب ما معناه ” ان تنظيم الاخوان المسلمين يمثل عصارة مركزة لسوءاتنا وسلبياتنا جميعا كمجتمع” ، فما الذي يعنيه ذلك؟
تمكنت جيوش الحلفاء في الحرب العالمية الثانية من إنزال حوالي مائتى الف جندي بكامل عتادهم العسكري علي شواطئ النورماندي الفرنسية خلال ال ٤٨ ساعة الاولي في يونيو من العام ١٩٤١م وذلك دون ان تواجههم قوات عسكرية ألمانية كافية بسبب اعتقاد هتلر ،الذي احتكر القرار العسكري، ان انزال القوات علي شواطئ النورماندي مجرد تمويه من قوات الحلفاء بإعتبار أن الهجوم الحقيقي سوف يأتي حتما عبر القنال الانجليزي ولذلك كانت كل قواته مرتكزة علي شواطئ كاليه ولم تشارك في القتال.
كان هتلر يعتقد بأنه اذكى من جنرالاته جميعا وان فطرته تتفوق على حساباتهم العسكرية مستشهدا بسابقة احتلال فرنسا في أسابيع بفضل اتخاذهم قرار تحريك المعدات العسكرية والدبابات عبر منطقة الارديين الوعرة، رغم اعتراض بعض الجنرالات الذين اعتبروا ان عبور الارديين يمثل مخاطرة. ولكن هتلر يغفل عن ذكر انه كان السبب في عدم استثمار التقدم السريع للجيش الالماني في الأراضي الفرنسية الانه كان قد سمح للجيش الالماني Army group A بالتوقف ثلاثة ايام كانت كافية لاجلاء ٣٣٨٠٠٠ ( ثلاثمائة ثمانية وثلاثون الف) جندي إنجليزي من دنكرك Dunkirk قبل وصول الجيش الالماني إليهم وسحقهم هناك!. ثم ان فكرة تحريك الجيش عبر غابة الارديين جاءت في الاصل من القائد العسكري مانشتاين وليس من هتلر.
في اي مجتمع تتعايش ثقافة تقوم علي الهوية ، اي علي تفكير القطيع collective herd والاستناد الي “يقين”القائد تجنبا للتفكير والشك والقلق المصاحب له، إلى جانب وجود قدر من الثقافة الفردانية individualism اي افراد لديهم القدرة علي الشك والحس النقدي ، ولكن النازية استطاعت ان تحول الشعب الألماني الي قطيع عاش علي وهم انتصارات كبرى وسيادة علي العالم ليستيقظ فجأة من غيبوبته الطويلة علي بلاده وهي انقاض. سيادة اليقين وعقلية القطيع مكنت هتلر “من سواقة كل الشعب الألماني بالخلا” كما نقول.
في المانيا النازية أصبحت القراءة والتخطيط والتقييم الميداني للقادة العسكريين من أمثال اروين روميل ” خيانة وانهزامية ” بينما انكار الواقع استنادا الي ايديولوجيا تأسست علي أوهام التفوق العرقي علي الخصم والقراءة من خرائط عسكرية تجاوزها الزمن هو السائد، وهو شبيه تماما بما يفعله الكيزان الآن، إذ يبدو من الواضح ان التاكتيكات العسكرية الفاشلة لجيشهم توضع علي هوى قيادة التنظيم الكيزاني وليس علي الواقع ، وكذلك توضع في استهانة واضحة بالخصم والتعالي عليه واعتباره مجرد عميل وضيع يتلقى اوامره من الخارج وليس صاحب قضية.
في السودان تنتشر مع الاسف عقلية القطيع وسيادة ” اليقين” علي حساب “الشك” اوالتقييم وإعادة التقييم الموضوعي ، فالشك في الممارسة اليومية يعتبر قيمة سلبية وكأنه مضاد ” للإيمان ” والطاعة، بل هو مرافق للشرك و” إجماع العلماء” و” خروج عما عرف من الدين بالضرورة!.
ربما بسبب ذلك يمكن وصف الكيزان بانهم يمثلون عصارة مركزة لسوءاتنا وسلبياتنا. الفساد في عهدهم صار نجاحا طالما حافظ الفرد علي التدين الشكلي وكذلك التطرف وعدم التسامح اصبح شيئا مبررا ، في سودان الانقاذ يمكن ان تذهب الي مؤسسة لقضاء حاجة لتفاجأ بان الحميع غادر مكان العمل عشان ” مشوا يشيلوا فاتحة ” ،بل حتي الإنجاب خارج مؤسسة الزواج صار مقبولا لدي قطاع واسع بعد رجوع عدد مقدر من الفتيات السودانيات يحملن اطفالهن بعد ان أداء الواجب في امتاع مقاتلي داعش وقد حدث كل ذلك علي رؤوس الاشهاد فيما عرف بجهاد النكاح. ثم جاءت الطامة الكبرى باشعالهم الحرب في بلادنا وإعتبار انها حرب كرمة مع ان التاريخ سيشهد بأن اشعال الحرب كان أكبر حدث عرض شقاء العمر للضياع والاهم من كل ذلك ان هذه الحرب اللعينة هي أكبر حدث عرض كرامة الانسان السوداني وعزته للزلة والإمتهان طوال تاريخنا الحديث !!
طلعت محمد الطيب

عن طلعت محمد الطيب

شاهد أيضاً

نشاط ” صمود” وغضب البرهان (٢)

استنكر الباشمهندس عمر الدقير رئيس حزب المؤتمر السوداني حديث رئيس الوزراء الكندي مارك كارنى حينما …