كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
شاهدتُ في يوم 30 ديسمبر 2025م على قناة الجزيرة الوثائقية برنامجاً بعنوان «شجرة المَنّ»، يتناول الصمغ العربي في السودان. كان انجذابي إلى البرنامج وليد فضول، كوني لا أعرف الكثير عن بيئات تلك الشجرة. كما كان وليد اهتمام قديم متجدد يحتفي بموارد السودان الطبيعية، لا بوصفها ثروات اقتصادية فحسب، وإنما لما تمثله من إسهام مباشر في الأمن الإنساني، وفي التخفيف من غوائل الكوارث حين تكون الدولة حاضرة.
تأملتُ في البرنامج تلك الشجرة “المسكينة”، رفيعة الأغصان، التي لا ترتفع كثيراً عن قامة الرجل، ولا تعمرها أوراق كثيفة. تتباعد عن أخواتها بمسافة متحفظة، وتستقبل الجروح بصبر وأناة، ثم تذرف دمعها فيتحول إلى لآلئ كريستالية كروية بديعة المنظر، غنية الفوائد، تدخل في معظم صناعات العالم الدوائية والغذائية والتجميلية. هكذا خصّ بها الحي المنان أهل السودان. شجرةٌ كما قال أحد المزارعين في الفيلم: “لم يزرعها أحد، هكذا تنبت لا نعرف من الذي زرعها”.
تمتد الشجرة على حزام عريض بعرض خريطة السودان فيما يعرف بحزام الصمغ. قال المزارع مضيفا لمعلومات المشاهد: “وجدناها تمتد في مساحات شاسعة، غابات وراء غابات. أصبحت محور حياتنا، وتيسر لنا أسباب العيش، ومن عوائدها نتزوج ونبني بيوتنا”.
أورد البرنامج أن السودان ينتج أكثر من 85% من الإنتاج العالمي للصمغ العربي، وأن إقليم كردفان وحده يُنتج ما يقارب 90% من صمغ السودان، وهو ما يجعله الركيزة الأساسية لهذه الثروة العالمية. أرقام تُقال عادة بنبرة فخر، لكنها في هذا السياق بدت كحقائق عارية، لا يحميها شيء.
وعندما تطرق الفيلم إلى ملف إدارة هذا المورد، وكيف أنشأت شركة بأسم الصمغ العربي على عهد النميري انهمرت كلمات المعلق بصوته الرخيم كقطرات الصمغ الأولى، لكنها كانت في قلبي كسكين:
(في الآونة الأخيرة أصبحت دول الجوار تصدّر أكثر مما يصدره السودان).
لم أستقبل الجملة كخبر عابر، فقد أصابتني غصّة حادة. والمعنى واضح لا يحتاج إلى تفسير: دول الجوار – التي لا تنبت فيها هذه الشجرة بصورة طبيعية – لا تنتج الصمغ، وإنما يُهرَّب إليها، فتُصدّره باسمها، وتحصد عوائده، بينما السودان—المالك الحقيقي—يخسر موردَه وقيمتَه معاً.
حينها تذكرتُ أيام المدرسة الابتدائية، حين كان أكثر ما يشدّ عقلي الغضّ آنذاك أن أسمع أن بلادي تزخر بهذا المورد أو ذاك. كان النيل في حصة الجغرافيا يشعرني بالغنى والامتلاء، وكانت الثروة الحيوانية التي يتصدر قائمتها السودان تدخل في نفسي سرور المالك الفعلي لتلك الانعام، وكانت المساحة الممتدة تملؤني بزهوٍ خفيّ على بقية دول القارة والعرب كأني امتلك شهادة ملكيتها. أما حين كان الأستاذ يردد عبارة “الأراضي المنبسطة”، فكنت أشعر—دون وعي—أن بسطة جسدي تزداد بسطةً على بسطة، وكأن الجغرافيا تمنحني طولاً إضافياً. قبل أن تقضمها السياسة الخرقاء التي ذهبت بثلث تلك المساحة دولة مستقلة.
غير أن تلك الجملة في الوثائقي عصفت بما تبقى من ذلك الزهو دفعة واحدة.
قلت لنفسي:إذا كان هذا هو الواقع قبل الحرب، فكيف سيكون الحال الآن والحرب تستعر في كل إقليم كردفان؟ حرب لا تتعايش مع بشر، ولا مع حجر، ولا مع شجر.
شعرت كأن أداة حادة انغرست في عروقي، وكأن الجرح الذي فُتح في لحاء شجرة المن لم يسِل صمغاً في كردفان، وإنما أساله وجعاً في شراييني. وحين أدركت أن دول الجوار—لا الشجرة ولا الأرض—هي التي تحصد القيمة، استجمعت ما تبقى لي من قوة، وأغلقت التلفزيون، لا احتجاجاً فحسب، وإنما خوفاً على نفسي من علّة لا تُحمد عقباها.
أغلقتُ التلفزيون، لكن تلك الجملة ظلّت عالقة في رأسي كدمعة صمغ تجمدت في مُقلتيَّ. في تلك اللحظة، أدركتُ أن الحرب لا تبدأ بالرصاص فحسب، وإنما تبدأ عندما تفقد الدولة معنى وجودها، حين تعجز عن حماية شجرةٍ وهبها الله لشعبها، وحين يتحول عطاء الأرض إلى جرحٍ مفتوح في جسد الوطن.
إنَّ الصمغ العربي ليس مجرد مادةٍ خامٍ تدخل في صناعات العالم، فهو اختبارٌ قاسٍ لعطاء الإله، فامتلاك المورد شيء، وامتلاك الإرادة والقدرة على إدارته شيءٌ آخر تماماً. إنه المرآة العاكسة للفارق الجوهري بين الغنى بالثروات، والفقر في القدرة على صونها.
ولعلَّ في هذا الوجع المكتوب بذرةَ وعيٍ، وفي الوعي – مهما تأخر – بقيةُ أملٍ. أن تعود الشجرة لأهلها، وأن تتحول جراحها مرةً أخرى إلى مصدر عيشٍ وسلام، لا إلى شاهدٍ صامتٍ على النهب والضياع. فشجرة المَنّ لا تحتاج إلى أرضٍ خصبة، إنها تحتاج إلى وطن يكون لها سياجاً، وإلى سلامٍ يجعل من “الطّق” طقساً يحتفي بالحياة، لا مقدمةً للفناء.
د. محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم