استنكر الباشمهندس عمر الدقير رئيس حزب المؤتمر السوداني حديث رئيس الوزراء الكندي مارك كارنى حينما كتب في معرض اعتراف الاخير بأن النظام الدولى يساعد علي تحقيق مصالح الاقوياء علي حساب الشعوب الأضعف، ودعى الى ضرورة الاعتراف بتلك الحقيقة المؤلمة ، علق الدقير قائلا ما معناه ان ذلك الاعتراف يعنى أن القيم عند رئيس الوزراء الكندى ليست معيارا ملزما في حد ذاته بل تبقى رهينة لميزان القوة لا حكما عليه. ثم اضاف ” ان القيم عند كارنى ليست مرجعية يحتكم اليها عندما تتعارض مع المصالح وبالتالي فإن خطاب الرجل الخاص باهمية تحالفات القوى الوسطى هي مجرد دعوة لتحسين شروط التفاوض وان الخطاب قد أهمل العالم الثالث”.
يواصل الدقير حديثه في نقد خطاب الرجل بقوله ان كارني لا ينكر قيمة الشرعية والنزاهة لكنه يربط فعاليتها بشرط القدرة على استخدامها، لا بكونها معيارا ملزما بذاته.
وتساءل الدقير حول حقيقة موقف رئيس وزراء كندا في خطابه وما اذا كان يعني قطيعة مع منطق الهيمنة ام اعادة ترتيب شروط التعايش معه؟
ويضيف الدقير “بدلا عن مواجهة اخلاقية مع منطق القوة ينتقل كارنى الي لغة ادارة المخاطر” .
إنتهت الاقتباسات…
مقال السيد عمر الدقير رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي في تحالف صمود جاء غامضا حينما اصدر حكمه على خطاب رئيس الوزراء الكندى فى دافوس حيث قضى بأن القيم عند مارك كارنى ليست مرجعية يحتكم اليها عندما تتعارض مع المصالح وهو قول لا يتعارض للاسف مع الثقافة السياسية السائدة في السودان والمنطقة والتى اعتادت علي تجريد الغرب من القيم الانسانية، ولايختلف موقفه هنا عن مواقف الحزب الشيوعى او الكيزان، ولكنه امر مؤسف حينما يأتي من قيادات في المؤتمر السودانى خطت خطوات في العمل المؤسسي الحزبى كان اهمها ممارسة التجديد القيادى والابتعاد عن المواقف الايديولوجية لصالح حزب البرنامج.
في تقديرى المتواضع ان المؤتمر السودانى يحتاج الى تغيير ثقافته السياسية change of culture ويحتاج الى وقفة لتقييم مواقفه الحالية خاصة ممارسة الحياد السلبى تجاه طرفى الحرب في السودان، لانه موقف غير عملي ، ولأن الحياد تجاه الكيزان وجرائمهم وفسادهم، هو مجرد حياد مأساوي تجاه الشرور. بل ربما يكون الخلط بين المواقف الاخلاقية وتوفر الارادة السياسية من ناحية، والفعالية والقدرة علي التغيير من ناحية ثانية ربما يكون هى الخيط الناظم لافكار الدقير في نقده لخطاب رئيس الوزراء الكندى.
الشعب البريطاني الذى خرج بالملايين لتشييع جثمان ونستون تشرشل هو نفسه الذى أسقط بطل الحرب هذا فى أول انتخابات برلمانية عقدت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حينما أسقط تشرشل وانتخب حزب العمال بقيادة كليمينت اتلى الذى حقق فوزا ساحقا لان الوعى الذى تخلق بسبب الحرب والتضحيات الجسيمة جعلت الشعب البريطاني يختار دولة الرفاهية ،wel-fare state
وقد حدثت إجراءات مهمة بالولايات المتحدة الأمريكية علي يد الرئيس فرانكلين روزفلت الذى خدم ثلاث فترات رئاسية وهو أمر نادر وذلك بسبب سياساته التى مكنت الطبقات الدنيا والزسطى من تحسين شروط حياتها.
التعددية الديمقراطية في الغرب تعتمد على مشروعية legitimacy ” القبول” وبعكس ما يعيبه الدقير علي كارنى بأنه يعتمد إدارة المخاطر ، فإن ترسيخ الديمقراطية والمؤسسات وهيبة القانون ظلت تستند على قدرة الحكومات المنتخبة علي ” ادلرة المخاطر”.
إن مفهوم الاخلاق ومفهوم الازمة في الماركسية قد راهن على حتمية انفجار الراسمالية من الداخل وفق منطق الجدل الميتافيزيقي الهيجيلى ، بينما استطاعت الدول الغربية التعايش مع الازمات وادارتها والمتمثل في نزعة راس المال نحو التراكم من جهة وتحسين حياة الناس من جهة ثانية وقد تضعف مناعة الحكومات وقدرتها بالانحياز الى راس المال علي حساب الشعب مثلما يحدث الان تحت ادارة ترمب او تتحسن تلك المناعة بفضل وعى الناس بسبب المعاناة وضيق العيش وبسبب السياسات التى تساهم في افقارهم وحرمان قطاعات واسعة من الرعاية الصحية. من الملاحظ ان تحسن مناعة المجتمعات الغربية تأتى معه سياسات تضع لقيم حقوق الانسان الف حساب في سياسياتها الخارجية لان تغليب المصالح علي القيم او العكس شئ ديناميكى متحرك رهين بالراى العام في الغرب ومدى قدرته علي امتلاك مصيره في اي لحظة من لحظات التاريخ .
إن إعتبار الغرب شر مطلق وبأنه دائما ما يغلب المصالح علي القيم في سياساته الداخلية والخارجية امر يحتاج الى المراجعة.
وبنفس القدر فإن موقف الحياد السلبى لتحالف صمود لن يرضى البرهان وكيزانه لأن الخضوع الكامل لهم هو شرطهم الاساسى في التعامل مع الآخر ، فهم لايعترفون أصلا بالسودان ولا بالاوطان . لايختلف عن ذلك الوطنى عن الشعبى .السودان الآن في هذا المنعطف الخطير من تاريخه الحديث يواجه تحديا وجوديا ، فالسودان يكون او لايكون.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم