نشاط ” صمود” وغضب البرهان (٣)

يبدو ان تصريحات الباشمهندس خالد عمر يوسف المتعلقة بتورط البرهان في استخدام الاسلحة الكيميائية في حربه ضد الدعم السريع هي ما اثارت غضب البرهان وافزعته.
رغم ان السيد خالد سلك لم ياتي بهذا الحديث من عنده بل ان كلما فعله الرجل هو نقل مسئول ومباشر لمحتوى ماجاء في هيومان رايتس ووتش في ٩ اكتوبر من العام الماضى.
حيث نشرت هيومان رايتس ووتش تقريرا تحدثت فيه عن فرض الولايات المتحدة الأمريكية لعقوبات علي قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بداية العام الماضى بسبب استخدامه اسلحة كيميائية محرمة دوليا ثم بعد ذلك حدد فريق “مراقبون” في فرانس 24، وهو وحدة التحقيقات الرقمية في القناة، الموقع الجغرافي لصور وفيديوهات نُشرت في سبتمبر/أيلول 2024 في قاعدة كرري العسكرية ومصفاة الجيلي للنفط القريبة منها شمال الخرطوم، وكلتاهما كانتا آنذاك تحت سيطرة “قوات الدعم السريع”، خصم القوات المسلحة السودانية في النزاع المسلح في البلاد.
تُظهر الصور والفيديوهات حاويات معدنية تُستخدم لتخزين الكلور بالقرب من حُفر صغيرة، بالإضافة إلى فيديو يُظهر سحابة صفراء مخضرة مميزة يمكن رؤيتها في الرابط ادناه.
https://www.hrw.org/modal/111985
قابل الصحفيون الشهود وحللوا منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي من حسابات موالية لكل من قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية تشهد على هذه الأحداث. ثم تحققت هيومن رايتس ووتش بشكل مستقل من الموقع الجغرافي للفيديوهات.
هذا ما جاء في تقرير مديرة الازمات والنزاعات المسلحة بالمنظمة وليس من خيال السيد خالد عمر يوسف !
لكن يظل التساؤل المهم عند البعض هو لماذا لجأ الجيش الذي يسيطر علي قراراته الكيزان لهذا السلاح المدمر ؟
ولماذا منعوا دخول لجان تحقيق محايدة ؟
الاجابة علي التساؤل الثاني تبدوا واضحة ولا تحتاج إلى شرح، لكن للاجابه على التساؤل الأول لابد ان ندرك حقيقة أن الكيزان لا يؤمنون بالاوطان فهى وانسانه مجرد وسائل لنشر الدين حسب تصوراتهم المريضة. الوطن مجرد تراب عفن كما صرح احد قادة الاخوان في المنطقة ، لايهم إن تم تلويثه بالمواد الكيميائية او بالدماء. ولكن حتى تكتمل الاجابة لتفسير لجوء هؤلاء الى الأسلحة ” المميتة” من خلال تتبع استرتيجيتهم التى ترتكز علي الارهاب والتخويف وابتزاز المجتمع المدنى بالعنف ” المقدس”. ومن المعروف ان الدول قديما ظلت تحافظ علي الامن والنظام الاجتماعي عن طريق التخويف وانزل العقوبات الرادعة credible punishment علي الناس.
وقد ظل الامر علي هذا المنوال حتى ظهور الدول الحديثة وبسط الحريات العامة حيث صار ” الفهم المشترك” shared understanding لا يقل أهمية عن تطبيق القانون بحزم law enforcement من اجل المحافظة علي النظام الاجتماعى.
تساؤل اخبر لايقل أهمية، وهو لماذا يظل عدد كبير من الناس يعتقدون ان الجيش مؤسسة قومية رغم كل الدلائل التى تشير الى غير ذلك ؟
لماذا ظل الكثير من السودانيين يعتقدون انها حرب كرامة يجب ان تستمر حتى يتم تحرير كافة الأراضي السودانية من التمرد المزعوم ؟
جزء كبير من الاجابة يكمن في حقيقة ان المعرفة الحدسية او الغريزية او ما نسميه بالعاطفة هى التى تتحكم في الناس وليس العقلانية. فالعقلانية تتطلب عقل نقدى قادر علي الشك والتقييم وهى طاقة ذهنية إيجابية لايقوى عليها الكثير من الناس لان الوعي consciousness لا يأتي بفهم الموضوع ثم يلى ذلك اتخاذ القرار بشأنه وما اذا كان صواب ام لا. هذا التسلسل الزمنى الخاطئ كان ديكارت هو من صاغه. لكن اتضح لاحقا ان الحكم علي الأشياء يأتي متزامن مع فهمها وبطريقة غير واعية subconscious. الخوف او الامل هو دافع الانسان، وهى المشاعر الغريزية التى تمتلك القول الفصل في الحكم على الأشياء، ولذلك للعقل الحدسى intuition القدرة المذهلة علي اتخاذ القرارات وهذا مايفسر حقيقة ان اكثر الناس ذكاءا يجتهد فى التصورات وتبني الأحكام الخاطئة ويتطرف في مغالطة الواقع، اي يصبح مجرد أداة للعقل الحدسي الغريزى في تبرير الخرافات والمغالطات وليس العكس.
إن غياب الشك والعقل النقدى عند الكثير من الناس هو ما يفسد الوعى للافراد ثم الجماعات مهما كانت درجة الذكاء ومستوى التعليم لديها ، فعقولهم قد أسلمت القيادة لربان آلى auto pilot هو الحدس او الغريزة ، كسلا أوتعودا او الاثنين معا.

كان الله في عون السودان .

طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com

عن طلعت محمد الطيب

شاهد أيضاً

نشاط “صمود” وغضب البرهان (١)

تابعت نشاط صمود وجولة بعض قادتها في اوروبا ، ولم أندهش لرد فعل البرهان الذي …