حسام عثمان محجوب
مراجعة الترجمة عثمان محجوب سيداحمد
نشرت باللغة الإنجليزية في صحيفة الغارديان البريطانية يوم الجمعة 20 فبراير
يمكن قراءة تقرير بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن سقوط الفاشر وكأنه تشريح جثة لمأساة كان يمكن تجنبها. فالتقرير يفصل ما يسميه “ملامح الإبادة الجماعية”: عمليات قتل جماعي، وعنف جنسي منهجي، وتطهير عرقي يستهدف المجتمعات غير العربية على يد قوات الدعم السريع.
ما جرى في الفاشر كان ينبغي ألا يفاجئ أحداً في المجتمع الدولي. فلقد حذرت من ذلك مراراً وتكراراً منظمات المجتمع المدني، والمنظمات الإنسانية، والصحفيون الاستقصائيون، وحتى وكالات الحكومات الغربية نفسها. ففي بريطانيا، اتهم مُبلغ عن المخالفات وزارة الخارجية بممارسة رقابة على تحذيرات داخلية بشأن إبادة جماعية وشيكة. وقد تلقت وزارة الخارجية الأمريكية وأعضاء مجلس الأمن الدولي تقارير مستمرة من مختبر جامعة ييل للأبحاث الإنسانية توثق الحشد العسكري لقوات الدعم السريع واستعداداتها لاجتياح المدينة. كما حذر مسؤولون أمريكيون كبار إدارة بايدن من أن الفاشر في خطر وشيك. ودعا قرار لمجلس الأمن في عام 2024 إلى إنهاء الحصار. ولكن لم يمنع أي من هذا خنق المدينة في نهاية الأمر.
وقد ظهر أوضح تعبير عن الفشل في التحرك بناءً على المعلومات في أكتوبر 2025، عندما استضافت واشنطن محادثات ضمت مسؤولين من الحكومة السودانية وقوات الدعم السريع. وبعد أيام قليلة من تلك المناقشات، سيطرت قوات الدعم السريع على الفاشر وبدأت المجازر التي وثقتها الأمم المتحدة. فلم تمنع هذه المحادثات الكارثة، بل وفرت غطاءً سياسياً أثناء حدوثها. ثم صدرت الدعوات اللاحقة لوقف إطلاق النار دون أي اعتراف بسبب فشلها في منع الهجوم.
هذا الصمت يعكس هرمية الأولويات. فقد وُضعت العلاقات الاستراتيجية مع الإمارات العربية المتحدة فوق حماية المدنيين في السودان.
وقد أثارت تحقيقات متعددة، بما في ذلك تقارير خبراء الأمم المتحدة المسربة، مخاوف جدية بشأن دور الإمارات في دعم قوات الدعم السريع عن طريق نقل الأسلحة وشبكات الإمداد والتمويل. وعندما أصبحت طرق الإمداد عبر ليبيا وتشاد مكشوفة على نطاق واسع، ظهرت ممرات بديلة عبر بونتلاند الصومالية وإثيوبيا حسب التقارير. وقد عضدت كميات الأسلحة المتطورة والطائرات المسيرة والمرتزقة الأجانب من قوة الدعم السريع. وحين خلقت فرصة حقيقية لخفض التصعيد عندما استعاد الجيش السوداني الخرطوم وولايتي الجزيرة وسنار، كثفت الإمارات دعمها لقوات الدعم السريع.
ومع ذلك تواصل الحكومات الغربية التعامل مع أبو ظبي كوسيط. فالرباعية التي تضم الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر والإمارات، كآلية دبلوماسية للسلام، تحمل في تكوينها عملياً سمات التناقض. فعندما تُفرض دولة متهمة على نطاق واسع بتسليح أحد أطراف النزاع كوسيط، تصبح الوساطة مسرحاً وتحل المشاركة محل المساءلة.
وقد حول الخلاف المتسع بين السعودية والإمارات السودان إلى ساحة لصراع بالوكالة للتنافس على البحر الأحمر. فالرياض تؤطر الصراع بسلطة الدولة والاستقرار الإقليمي؛ بينما تتبع أبو ظبي استراتيجية حازمة مرتكزة على الموانئ والذهب ورعاية الميليشيات. وبدلاً من مواجهة هذا الانقسام، اختارت واشنطن ولندن نهج التوازن، لحرصهما على عدم إثارة غضب أي من الحليفين الخليجيين.
وقد تُرجم هذا الحذر إلى صمت مدو في مؤتمر ميونيخ للأمن الأسبوع الماضي وأمام مجلس الأمن الدولي، حيث أعربت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، عن قلقها إزاء ما يحدث للمدنيين السودانيين والنساء اللاتي تعرضن للعنف الجنسي. لكنها لم تعترف بما وجه للإمارات من اتهامات بأنها كانت الداعم الرئيسي لقوات الدعم السريع، واكتفت بالقول: “إن عشرات الدول” متورطة في نقل الأسلحة. وكان أثر ذلك تشتيت المسؤولية في اللحظة التي كانت تتطلب الوضوح.
وكذلك اتبع مسعد بولس، مساعد الرئيس دونالد ترامب، نفس النهج في إحاطته لمجلس الأمن، وتجنب التحدث عن حجم الدعم الإماراتي الموثق، وركز بدلاً من ذلك على التهديد الذي يشكله الإسلاميون وبقايا النظام السابق داخل الجيش السوداني. وقد يكون الحديث عن هذه المخاوف مريحاً سياسياً، لكنها لا تفسر حملة قوات الدعم السريع في دارفور. فبمثل هذه الاستراتيجية المراوغة تُحمى التحالفات، ولكن المدنيين لا يُحمون. والنتيجة هي شلل متنكر في صورة دبلوماسية.
إن المسؤولين الغربيين يستدعون المساءلة بشكل روتيني بينما يظلون تائهين في محاولاتهم لتفعيلها. ولقد فشل نموذج بناء السلام الليبرالي الذي يفضل الفاعلين المسلحين والصفقات النخبوية في السودان بالفعل لأنه يعامل الجنرالات وقادة الميليشيات كأصحاب مصالح لا غنىً عنهم ويخفض دور المدنيين إلى مرتبة المتفرجين. وبالتعامل مع قوات الدعم السريع كمحاور سياسي شرعي بدلاً من كونها منظمة مسلحة متورطة في فظائع جماعية ومدعومة من الخارج، يشرعن المجتمع الدولي العنف كطريق للاعتراف. وإذا كان لسقوط الفاشر أن يعني شيئاً، فلا بد من تغيير هذا النهج عن طريق:
أولاً، تمويل من يساعدون على حفظ الحياة في السودان بتوجيه الموارد مباشرة إلى الشبكات المدنية السودانية مثل لجان المقاومة، وغرف الطوارئ، وخطوط الإمداد الطبية والغذائية التي تعمل مستقلةً عن المعسكرين المسلحين.
ثانياً، تسمية أطراف الحرب؛ فيجب على الولايات المتحدة وبريطانيا والأمم المتحدة أن تعترف صراحة بدور الإمارات في دعم قوات الدعم السريع وأن تتعامل معها كطرف محارب، وليس كوسيط. وهذا يعني فرض عقوبات ليس فقط على الأفراد، بل على الشركات والقنوات المالية وطرق النقل المتورطة في نقل الأسلحة والإمدادات اللوجستية لقوات الدعم السريع.
ثالثاً، تأسيس آلية لمساءلة حقيقية؛ فأي وقف لإطلاق نار أو مسار سياسي يفتقر إلى مراقبة مستقلة، وحماية للمدنيين قابلة للتنفيذ، وعواقب صارمة للانتهاكات، سيوفر مجرد غطاء لإعادة التسلح.
إن السلام لا يمكن بناؤه على الصفقات النخبوية ذاتها التي انهارت مراراً وتكراراً، فدون مواجهة الممكنين الخارجيين لهذه الحرب، تصبح الدبلوماسية مسرحاً والمساءلة شعاراً. وقد كشفت الفاشر بالفعل ثمن هذا الوهم.
husamom@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم