التنمية الاشتراكية في دول الجنوب العالمي: الاقتصاد السياسي المقارن، الديناميات المؤسسية، والدروس السياسية للسودان (الجزء الأول)
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
تتناول هذه الدراسة تحليلاً شاملاً ومعمقاً للاقتصاد السياسي للتنمية الاشتراكية في دول الجنوب العالمي من خلال إطار تحليلي مقارن يجمع بين التحليل التاريخي والمؤسسي والاقتصادي والسياسي والقطاعي والبيئي. وتنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن نماذج التنمية الاشتراكية التي قادتها الدولة والأحزاب السياسية في عدد من دول الجنوب العالمي منذ منتصف القرن العشرين أسهمت بدرجات متفاوتة في تحقيق تحولات هيكلية عميقة في الاقتصاد والمجتمع، خصوصاً في مجالات التصنيع، التحول الزراعي، خفض الفقر، توسيع الخدمات الاجتماعية، تعزيز القدرات المؤسسية للدولة، وتحقيق مستويات أعلى من الاستقرار الاجتماعي والسياسي مقارنة بعدد كبير من الدول التي تبنت نماذج تنموية ليبرالية بالكامل. وتعتمد الدراسة على تحليل مقارن طويل المدى يغطي الفترة الممتدة تقريباً من خمسينيات القرن العشرين حتى العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، أي ما يقارب سبعين عاماً من التجارب التنموية، مع التركيز على تجارب الصين وفيتنام والبرازيل وبوليفيا وتنزانيا وجنوب أفريقيا، إضافة إلى تحليل تطبيقات هذه الدروس على السودان بوصفه اقتصاداً زراعياً-رعوياً غنياً بالموارد الطبيعية ويواجه تحديات تنموية وهيكلية معقدة.
تبدأ الدراسة بتحليل الخلفية التاريخية لتحديات التنمية في دول الجنوب العالمي بعد الاستقلال السياسي في الفترة الممتدة تقريباً بين عامي 1945 و1975. ففي هذه الفترة حصلت أكثر من 70 دولة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية على استقلالها السياسي، لكنها ورثت اقتصادات مشوهة هيكلياً نتيجة السياسات الاستعمارية التي ركزت على إنتاج وتصدير المواد الخام الزراعية والمعدنية. وتشير البيانات التاريخية إلى أنه في عام 1960 كانت نحو 80٪ من صادرات أفريقيا جنوب الصحراء تتكون من مواد أولية غير مصنعة مثل القطن والكاكاو والبن والذهب والنحاس، بينما لم تتجاوز مساهمة الصناعة التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي في معظم الدول الأفريقية 8٪ إلى 12٪. وفي المقابل كانت الدول الصناعية المتقدمة مثل الولايات المتحدة وألمانيا واليابان تحقق نسب تصنيع تتجاوز 25٪ إلى 30٪ من الناتج المحلي الإجمالي.
ويشير التحليل إلى أن هذه البنية الاقتصادية غير المتوازنة أدت إلى ما يسميه علماء الاقتصاد السياسي “الاختلال الهيكلي للتنمية”، حيث يتركز النشاط الاقتصادي في قطاعات منخفضة الإنتاجية مثل الزراعة التقليدية والتعدين الخام، بينما تبقى القطاعات الصناعية والتكنولوجية ضعيفة التطور. وقد أدى هذا الاختلال إلى ضعف القدرة الإنتاجية، وانخفاض مستويات الدخل، وارتفاع معدلات البطالة المقنعة في الريف، واعتماد شديد على الواردات الصناعية. فعلى سبيل المثال، كانت أكثر من 70٪ من الآلات الصناعية المستخدمة في أفريقيا في ستينيات القرن العشرين مستوردة من أوروبا الغربية والولايات المتحدة.
كما تناقش الدراسة الخصائص البنيوية للاقتصادات الزراعية-الرعوية التي تشكل السمة الأساسية لعدد كبير من دول الجنوب العالمي، وخاصة في أفريقيا. ففي السودان، على سبيل المثال، تشير التقديرات إلى أن ما بين 60٪ و65٪ من السكان يعملون بشكل مباشر أو غير مباشر في الأنشطة الزراعية والرعوية. ويشمل ذلك الزراعة المطرية التقليدية، والزراعة الآلية، والزراعة المروية، إضافة إلى الأنشطة الرعوية التي تعتمد على تربية الإبل والأبقار والأغنام والماعز. ويملك السودان واحداً من أكبر قطعان الماشية في أفريقيا، حيث تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن إجمالي الثروة الحيوانية يتجاوز 100 مليون رأس، منها نحو 32 مليون رأس من الأبقار، و40 مليون رأس من الأغنام، و30 مليون رأس من الماعز، إضافة إلى ما يقارب 5 ملايين رأس من الإبل.
كما يمتلك السودان موارد زراعية ضخمة تتمثل في نحو 200 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة، منها حوالي 45 مليون فدان فقط يتم استغلالها فعلياً في معظم السنوات. وتشمل هذه الأراضي مناطق زراعية واسعة مثل مشروع الجزيرة الذي يمتد على مساحة تقارب 2.2 مليون فدان ويعد واحداً من أكبر مشاريع الري الانسيابي في العالم، إضافة إلى مشاريع زراعية كبيرة في ولايات القضارف وسنار والنيل الأبيض والنيل الأزرق وشمال كردفان. كما يمتلك السودان موارد مائية مهمة تشمل نهر النيل وفروعه المختلفة مثل النيل الأزرق والنيل الأبيض ونهر عطبرة، إضافة إلى المياه الجوفية في مناطق مثل دارفور وكردفان.
وتوضح الدراسة أن هذه الموارد الزراعية والرعوية الضخمة لم تتحول إلى تنمية اقتصادية مستدامة بسبب مجموعة من العوامل المؤسسية والسياسية والاقتصادية، من بينها ضعف المؤسسات الحكومية، عدم الاستقرار السياسي، النزاعات المسلحة، ضعف البنية التحتية، ومحدودية الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا. فعلى سبيل المثال، تشير البيانات إلى أن السودان شهد منذ استقلاله في عام 1956 أكثر من عشرة انقلابات عسكرية ومحاولات انقلابية، إضافة إلى حروب أهلية طويلة في جنوب السودان (1955-1972 و1983-2005) وفي دارفور منذ عام 2003، مما أدى إلى استنزاف الموارد الاقتصادية وتعطيل التنمية.
وتستعرض الدراسة الأدبيات النظرية المتعلقة بالتنمية الاشتراكية والدولة التنموية، حيث تشير هذه الأدبيات إلى أن عدداً من الدول التي تبنت نماذج اشتراكية أو شبه اشتراكية بعد الاستقلال استطاعت تحقيق تقدم اقتصادي واجتماعي كبير من خلال التخطيط الاقتصادي طويل الأجل والاستثمار المكثف في التعليم والبنية التحتية والصناعة. وتشمل هذه الأدبيات مساهمات نظرية متعددة مثل النظرية الاشتراكية الكلاسيكية التي تؤكد دور الدولة في تنظيم الإنتاج وتوزيع الموارد، ونظرية الدولة التنموية التي تؤكد أهمية وجود جهاز بيروقراطي قوي قادر على توجيه الاستثمار نحو القطاعات الاستراتيجية، إضافة إلى الاقتصاد المؤسساتي الذي يركز على دور المؤسسات السياسية والقانونية في تعزيز النمو الاقتصادي.
ويقدم الجزء المقارن من الدراسة تحليلاً مفصلاً لتجارب التنمية الاشتراكية في عدد من الدول. ففي الصين، بدأت الإصلاحات الاقتصادية الكبرى في عام 1978 تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني. وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1978 و2022 ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للصين من نحو 150 مليار دولار إلى أكثر من 17 تريليون دولار، أي بزيادة تزيد على مئة ضعف تقريباً. كما ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من أقل من 200 دولار سنوياً في أواخر سبعينيات القرن العشرين إلى أكثر من 12000 دولار بحلول عام 2022. وفي الوقت نفسه انخفض عدد السكان الذين يعيشون في فقر مدقع من أكثر من 800 مليون شخص في عام 1981 إلى أقل من 10 ملايين شخص بحلول العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.
كما شهدت الصين توسعاً هائلاً في البنية التحتية. فقد تجاوز طول شبكة الطرق السريعة في الصين 160 ألف كيلومتر بحلول عام 2021، بينما بلغ طول شبكة السكك الحديدية عالية السرعة أكثر من 40 ألف كيلومتر، وهي الأكبر في العالم. كما ارتفعت نسبة الالتحاق بالتعليم العالي من أقل من 2٪ من الفئة العمرية المناسبة في عام 1978 إلى أكثر من 50٪ في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.
وتعرض الدراسة أيضاً تجربة فيتنام التي بدأت إصلاحاتها الاقتصادية المعروفة باسم “دوي موي” في عام 1986. وخلال الفترة الممتدة بين 1990 و2020 بلغ متوسط معدل النمو الاقتصادي في فيتنام نحو 6.5٪ سنوياً، وهو من أعلى المعدلات في العالم. كما ارتفعت قيمة الصادرات الفيتنامية من أقل من 3 مليارات دولار في منتصف الثمانينيات إلى أكثر من 370 مليار دولار في عام 2022. وتشمل هذه الصادرات منتجات صناعية متقدمة مثل الإلكترونيات والهواتف الذكية والملابس والمنسوجات.
وفي أمريكا اللاتينية، تستعرض الدراسة تجربة البرازيل خلال حكم حزب العمال بين عامي 2003 و2016. وخلال هذه الفترة تم تنفيذ برامج اجتماعية واسعة مثل برنامج “بولسا فاميليا” الذي استفاد منه أكثر من 13 مليون أسرة فقيرة. وقد أدى هذا البرنامج إلى خفض معدل الفقر في البرازيل من نحو 38٪ في عام 2003 إلى أقل من 20٪ في عام 2014. كما ارتفع الحد الأدنى للأجور الحقيقية بنسبة تقارب 70٪ خلال نفس الفترة.
كما تناقش الدراسة تجربة بوليفيا بعد وصول حركة الاشتراكية إلى الحكم في عام 2006 بقيادة إيفو موراليس. وقد قامت الحكومة بتأميم قطاع الغاز الطبيعي الذي يمثل أحد أهم موارد البلاد، مما أدى إلى زيادة الإيرادات الحكومية بشكل كبير. وارتفعت الإيرادات من صادرات الغاز من نحو 2 مليار دولار سنوياً في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى أكثر من 6 مليارات دولار في بعض السنوات خلال العقد التالي.
وفي أفريقيا، تتناول الدراسة تجربة تنزانيا في عهد جوليوس نيريري منذ إعلان أروشا في عام 1967. وقد ركزت هذه السياسة على بناء مجتمع اشتراكي قائم على التعاونيات الزراعية والتنمية الريفية. وعلى الرغم من التحديات الاقتصادية التي واجهتها البلاد في الثمانينيات، فقد حققت تنزانيا تقدماً كبيراً في التعليم الأساسي. إذ ارتفعت معدلات الالتحاق بالمدارس الابتدائية من أقل من 50٪ في أوائل الستينيات إلى أكثر من 90٪ بحلول الثمانينيات.
كما تحلل الدراسة التحولات القطاعية في الزراعة والصناعة والبنية التحتية. وتشير البيانات إلى أن التحول الزراعي كان عنصراً أساسياً في نجاح العديد من التجارب التنموية. ففي الصين، أدى إصلاح نظام الأراضي الزراعية في أواخر السبعينيات إلى زيادة الإنتاج الزراعي بنسبة تزيد على 40٪ خلال عقد واحد فقط. كما أدى الاستثمار في أنظمة الري والأسمدة والتكنولوجيا الزراعية إلى زيادة إنتاج الحبوب من نحو 300 مليون طن في عام 1978 إلى أكثر من 650 مليون طن بحلول عام 2020.
وفيما يتعلق بالاقتصادات الرعوية، توضح الدراسة أهمية تطوير سلاسل القيمة للثروة الحيوانية وتحسين الخدمات البيطرية والبنية التحتية للمياه. ففي منطقة القرن الأفريقي، على سبيل المثال، يساهم قطاع الثروة الحيوانية بما بين 10٪ و20٪ من الناتج المحلي الإجمالي في بعض الدول مثل إثيوبيا وكينيا. كما يمثل هذا القطاع المصدر الرئيسي للدخل لملايين الرعاة الذين يعيشون في المناطق الجافة وشبه الجافة.
كما تناقش الدراسة تأثير التغير المناخي على الأنظمة الزراعية والرعوية في أفريقيا. وتشير التقديرات العلمية إلى أن درجات الحرارة في بعض مناطق أفريقيا قد ترتفع بنحو 2 إلى 3 درجات مئوية بحلول منتصف القرن الحادي والعشرين، مما قد يؤدي إلى انخفاض الإنتاج الزراعي بنسبة تتراوح بين 10٪ و20٪ في بعض المناطق. كما قد يؤدي تزايد الجفاف والتصحر إلى زيادة النزاعات بين الرعاة والمزارعين حول الأراضي والمياه.
وفي الجزء الأخير من الدراسة يتم تطبيق الدروس المستخلصة من التجارب العالمية على السودان. وتشير الدراسة إلى أن السودان يمتلك إمكانات تنموية هائلة بفضل موارده الزراعية والرعوية والمعدنية. إذ يمتلك السودان أكثر من 200 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة، إضافة إلى احتياطيات كبيرة من الذهب والمعادن الأخرى. وقد بلغ إنتاج الذهب في بعض السنوات خلال العقد الماضي أكثر من 90 طناً، مما جعله أحد أكبر منتجي الذهب في أفريقيا.
ومع ذلك، فإن الاقتصاد السوداني يعاني من اختلالات هيكلية عميقة تشمل ضعف التصنيع، وارتفاع معدلات الفقر، والتفاوتات الإقليمية الكبيرة بين المناطق المختلفة مثل الخرطوم ودارفور وكردفان وشرق السودان. كما أن أكثر من 60٪ من السكان يعيشون في المناطق الريفية حيث تعاني العديد من هذه المناطق من ضعف الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والطرق.
وتقترح الدراسة إطاراً سياسياً للتنمية الاشتراكية في السودان يقوم على نموذج تنموي مختلط يجمع بين التخطيط الاستراتيجي للدولة ودور الأسواق المحلية والقطاع الخاص. ويركز هذا النموذج على التحول الزراعي من خلال إصلاح نظم الأراضي وتوسيع التعاونيات الزراعية والاستثمار في الري والتكنولوجيا الزراعية. كما يقترح تطوير الاقتصاد الرعوي من خلال تحسين إدارة المراعي وتطوير سلاسل القيمة للثروة الحيوانية وتعزيز الخدمات البيطرية.
كما تؤكد الدراسة على أهمية الاستثمار في البنية التحتية مثل الطرق والكهرباء والري والتعليم والصحة. وتشير التجارب الدولية إلى أن الاستثمار في هذه القطاعات يمكن أن يؤدي إلى زيادة الإنتاجية الاقتصادية وتحسين مستويات المعيشة. وتخلص الدراسة إلى أن تحقيق التنمية المستدامة في السودان يتطلب بناء مؤسسات قوية، وإصلاح النظام السياسي والإداري، وتبني استراتيجية تنموية طويلة الأجل تستند إلى الاستخدام الأمثل للموارد الزراعية والرعوية والمعدنية، بما يمكن أن يسهم في تحقيق نمو اقتصادي شامل وعدالة اجتماعية واستقرار سياسي على المدى الطويل.
النص الكامل للمقال
الفصل الأول – المقدمة
1.1 الخلفية والدوافع
لقد ظهر مفهوم التنمية الاشتراكية كاستجابة استراتيجية للتحديات الاجتماعية‑الاقتصادية في دول الجنوب منذ منتصف القرن العشرين، بعد انتهاء الاستعمار السياسي والبدء في بناء دول مستقلة بموارد متنوعة وسكان يتطلعون لتحسين ظروفهم المعيشية (Socialism and Development, 1981). في تنزانيا، اعتمدت سياسة أوجاما التي صدرت عبر إعلان أروشا في 5 فبراير 1967 على بناء تعاونيات زراعية ومجتمعات قروية تشاركية لتعزيز العدالة الاجتماعية والتنمية الريفية (Ujamaa, 1967). وقد اعتُبرت هذه الرؤية محاولة لإعادة تنظيم المجتمع حول التعاون الاقتصادي الاجتماعي في سياق ما بعد الاستعمار. في الصين، أدّت سياسات الاشتراكية المعدلة التي بدأتها الحكومة في أواخر السبعينات إلى إدخال عناصر السوق ضمن إطار اشتراكي محكوم، مما عزز النمو الاقتصادي بشكل سريع (Socialism and Development, 1981). وقد كان الدافع وراء تبنّي هذه السياسات هو موازنة العدالة الاجتماعية مع الحاجة إلى تحقيق نمو اقتصادي مستدام للخروج من الفقر والاعتماد على موارد محلية.
1.2 تحديات التنمية في دول الجنوب العالمي
تواجه دول الجنوب العالمي سلسلة من التحديات البنيوية التي تؤثر على قدرتها على تنفيذ سياسات تنموية ناجحة. من أبرز هذه التحديات ضعف البنى التحتية، انتشار الفقر، وعدم تكافؤ فرص التعليم والخدمات الصحية في المناطق الريفية مقابل الحضر (Socialism and Development, 1981). على سبيل المثال، في تجارب العديد من الدول الإفريقية والآسيوية، أدّت السياسات غير المتكاملة إلى استمرار التفاوت في توزيع الدخل بين القرى والمراكز الحضرية، كما ظل الاعتماد على الزراعة التقليدية يحدّ من النمو الاقتصادي المستدام. هذه التحديات ليست محلية فقط، بل متداخلة مع الضغوط الخارجية في الأسواق العالمية، ما يتطلب تصميم سياسات تنموية متوازنة تراعي المستوى المحلي والضغوط العالمية.
1.3 تعريف الاشتراكية في الاقتصادات النامية
الاشتراكية في الاقتصادات النامية تُعتبر نموذجًا سياسيًا‑اقتصاديًا يسعى إلى توسيع دور الدولة في تنظيم النشاط الاقتصادي والاجتماعي لضمان العدالة في توزيع الموارد وتحقيق رفاهية أكبر للسكان، مع تقليل الفوارق الطبقية. يرتبط مفهوم الاشتراكية بإشراك المجتمع في اتخاذ القرار حول إدارة الموارد الوطنية، وتعزيز التعاونيات، وتأمين الخدمات الاجتماعية الأساسية كالصحة والتعليم. وقد تناولت مقدمات الدراسات الاشتراكية متعددة التجارب السياسية كيف يمكن توظيف الآليات الاشتراكية ضمن سياقات محلية لتحقيق أهداف التنمية في بلدان ذات خلفيات وتحديات مختلفة (Socialism and Development, 1981).
1.4 الاقتصاد السياسي للدول الزراعية–الرعوية وغنية الموارد
في الاقتصادات التي تعتمد على الزراعة والرعي كمصدر رئيس للدخل، يصبح توزيع الموارد مثل الأراضي والمياه محورًا للحكم والتنمية على حدّ سواء. تشير الدراسات المقارنة إلى أن سياسات توزيع الأراضي وإدارة الموارد الطبيعية تلعب دوراً حاسماً في تعزيز الاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية إذا ما صُمّمت بشكل عادل ومتوافق مع احتياجات المجتمعات المحلية (Socialism and Development, 1981). الديناميات بين الإنتاج الزراعي والرعي تتطلب فهمًا دقيقًا للأنماط الاقتصادية والاجتماعية، حيث أن إدارة المراعي والموارد الرعوية تؤثر بشكل مباشر على العلاقات الاجتماعية داخل المجتمعات الريفية وخاصة في بلدان الشرق الإفريقي والساحل.
1.5 التحديات الهيكلية في السودان
يمثّل السودان حالة فريدة من التحديات البنيوية في دول الجنوب؛ فهو يمتلك مساحات زراعية واسعة وسكانًا يعتمدون بشكل كبير على الزراعة وجوانب الرعي، لكن في الوقت نفسه يعاني من تراجع الإنتاجية، ضعف البنية التحتية الريفية، وتوزيع غير متوازن للموارد (Socialism and Development, 1981). وتشمل التحديات الهيكلية النزاعات القبلية حول الأرض والرعي، التهميش الاقتصادي لبعض المناطق، وتباين فرص التنمية بين الريف والحضر، ما يتطلب اعتماد سياسات تنموية تتجاوز تبسيط التوجهات الفكرية لتشمل أطرًا مؤسسية وقانونية واضحة.
1.6 مشكلة البحث والفرضيات
تركز هذه الدراسة على سؤال مركزي: كيف يمكن الاستفادة من التجارب الاشتراكية في تطوير إطار تنموي فعال في السودان يعالج التحديات الهيكلية التي تواجهه في المجال الزراعي والرعوي؟ وتقوم الدراسة على فرضية أساسية: إن تبني سياسات اشتراكية مؤسسية تراعي الخصوصية الاجتماعية والاقتصادية للسودان يمكن أن يسهم في تعزيز التنمية الشاملة المستدامة.
1.7 أهداف الدراسة
أ. تحليل التجارب الاشتراكية العالمية في سياقات مختلفة ومدى قدرتها على تحقيق التنمية الاجتماعية‑الاقتصادية.
ب. تقييم مدى إمكانية تكييف تلك التجارب لتناسب خصوصية السودان الاقتصادية والاجتماعية.
ج. تقديم إطار عمل لسياسات تنموية اشتراكية عملية يمكن تطبيقها في السودان بهدف تحسين الإنتاجية الزراعية وخفض التفاوتات الاجتماعية.
1.8 مساهمة الدراسة في علم التنمية
تُسهم هذه الدراسة في فهم أعمق لآليات التنمية الاشتراكية وكيف يمكن مواءمتها مع بيئات دول الجنوب المتنوعة، مع تقديم تحليل تطبيقي يعتمد على تجارب متعددة تساعد في صياغة سياسات عملية تلائم السياق السوداني دون الاقتصار على فرضيات مجردة.
1.9 هيكل الدراسة
تتكون الدراسة من خمسة أقسام رئيسية تضم 25 فصلًا، تغطي الأسس النظرية للتنمية الاشتراكية، التحليل المقارن للتجارب الدولية، الأبعاد القطاعية الاقتصادية، القيود البيئية والسياسية، وأخيرًا الدروس المستخلصة والإطار السياسي التطبيقي لتنمية شاملة في السودان.
الفصل الثاني – الاقتصاد السياسي التاريخي للتنمية الاشتراكية
2.1 الفكر الاقتصادي الاشتراكي المبكر
ظهر الفكر الاشتراكي في القرن التاسع عشر كرد فعل على التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية الحادة الناتجة عن الثورة الصناعية، حيث دعا إلى ملكية جماعية لوسائل الإنتاج وتوزيع عادل للثروة (ما يميّز الاشتراكية وفق تعريفها الكلاسيكي). يرى بعض الباحثين أن هذا الفكر تطور لاحقًا لخدمة احتياجات الدول التي خرجت من الاستعمار وتسعى لإعادة تنظيم اقتصاداتها نحو العدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة، وهو ما شكل أساسًا للتحليل الكلاسيكي للعلاقات بين الإنتاج والمجتمع في سياقات ما بعد الاستعمار (Socialism and Development, 1981).
2.2 التجارب الاشتراكية في القرن العشرين
شهد القرن العشرون تطبيق نماذج اشتراكية متعددة الأشكال في دول مختلفة. ففي الصين، بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، تبنى الحزب الشيوعي الصيني نموذجًا مركزيًا في التخطيط الاقتصادي شمل تأميم الصناعات الرئيسية والأراضي الزراعية، قبل أن تطلق الصين سلسلة من الإصلاحات في نهاية السبعينات أدخلت آليات السوق ضمن إطار اشتراكي منظم (الإصلاحات الزراعية، تحرير الأسعار جزئيًا، تشجيع الإنتاج الخاص) مما ساهم في تحقيق نمو اقتصادي ملحوظ بعد 1978 ورفع مستويات الدخل في الريف والحضر تدريجياً (Socialism and Development, 1981).
2.3 الدول الاشتراكية بعد الاستعمار
أدت التجارب الاشتراكية في إفريقيا وأجزاء من آسيا إلى تطوير استراتيجيات مخصصة للسياقات المحلية. في تنزانيا، أصدر الرئيس جوليوس نيريري إعلان أروشا في 5 فبراير 1967، الذي رسم منهجًا اقتصاديًا «أفريقيًا» يعتمد على التعاونيات الزراعية والمجتمعية باسم الأوجاما بمعنى «روح الأسرة» أو التضامن الاجتماعي (Ujamaa, 1967). وبموجب هذا النهج، حاولت الحكومة الاشتراكية تشجيع التنظيمات الجماعية للفلاحين والقرى بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي الاقتصادي وتحسين الخدمات الأساسية في المناطق الريفية (Ujamaa – Tanzanian agricultural policy).
2.4 الأوجاما والتنظيم الريفي في تنزانيا
عندما أطلقت تنزانيا برنامج التجمعات الأوجامية في سبعينيات القرن العشرين (Operation Vijiji)، بدأ نقل الفلاحين إلى قرى مخططة تعمل في الإنتاج الجماعي بهدف تسهيل تقديم الخدمات الأساسية مثل المياه والتعليم والرعاية الصحية (Operation Vijiji). وقد ساعد تنفيذ هذا البرنامج في توفير خدمات المياه في المناطق الريفية من خلال برنامج ريفي طموح لتوفير المياه الصالحة، والذي استهدف بنية تحتية توفر مياهاً في نطاق 400 متر من كل أسرة بحلول عام 1991، وكان الماء مجانيًا في القرى ضمن منهج الأوجاما (Water supply and sanitation in Tanzania). كما قدمت بعض التجارب مثل قرية ليتووا كحالة تجريبية لنهج الأوجاما في الزراعة الجماعية قبل تعميمه على المستوى الوطني (Litowa, Tanzania).
2.5 نتائج التجارب الاشتراكية في مرحلة ما بعد الاستقلال
تباينت نتائج التجارب الاشتراكية حسب السياق والموارد المؤسسية. مثّلت التجربة التنزانية مثالًا على المحاولة الطموحة لتعزيز الاكتفاء الذاتي والخدمات الاجتماعية، لكنها واجهت تحديات في زيادة الإنتاج النقدي وتحقيق النمو الاقتصادي بسبب نقص البنية الصناعية والبنية التحتية التقنية (What happened to “African socialism”?). إذ أظهرت بيانات تلك الفترة أن متوسط معدل النمو في تنزانيا بين 1967 و1975 بلغ نحو 1.4% سنويًا، بينما نما عدد السكان بمعدل 2.8% سنويًا في ظل اعتماد كبير على الإنتاج الزراعي الجماعي (What happened to “African socialism”?). يعكس هذا المثال كيف أن السياسات الاشتراكية بدون دعم صناعي وتكوين مؤسسي قوي قد لا تحقق الأهداف الاقتصادية المتوقعة في المدى الطويل، رغم مساهمتها في بعض الخدمات الاجتماعية.
2.6 الدروس المستفادة للسياق السوداني
من التاريخ الطويل للتنمية الاشتراكية في دول الجنوب يمكن استخلاص عدة دروس للسودان: أ) ضرورة تكامل الإصلاحات الزراعية مع تحديث البنية التحتية الصناعية؛ ب) أهمية بناء مؤسسات قادرة على تنظيم الموارد ومتابعة تنفيذ السياسات؛ ج) إدماج المجتمعات الريفية في اتخاذ القرار بدلاً من فرض الهيكلة فقط من القمة. ويمكن اعتبار تجربة الأوجاما في تنزانيا مثالًا على الجهد الرامي لتحقيق العدالة الاجتماعية، لكنه يشير أيضًا إلى أن السياسات الجماعية تحتاج إلى دعم شامل يشمل القطاعات الفنية والمالية لتكون فعّالة (Ujamaa, Tanzanian agricultural policy).
الفصل الثالث – مراجعة الأدبيات
3.1 الأدبيات حول الاقتصاد السياسي الاشتراكي
تناقش الأدبيات في الاقتصاد السياسي الاشتراكي كيفية تفاعل الدولة والمجتمع في توجيه التنمية في البلدان النامية، وتبيّن أن الدولة وحدها غير كافية دون آليات تشاركية ومؤسسات قوية لضمان تنفيذ وتنظيم السياسات الاقتصادية والاجتماعية (Gabriele & Jabbour, 2022). هذا النوع من الأدبيات يشمل دراسات متعددة تقارن بين تجارب اشتراكية مختلفة وكيفية تأثير تدخل الدولة في توزيع الموارد، وتدارك التفاوتات الاجتماعية (Gabriele & Jabbour, 2022).
3.2 أدبيات الديمقراطية الاشتراكية والديمقراطية الاجتماعية
يركز الجانب النظري على التوازن بين قيم العدالة الاجتماعية والإجراءات الديمقراطية، حيث يرى بعض الباحثين أن الديمقراطية الاشتراكية تتطلب دمجاً بين المشاركة الشعبية في صنع القرار والسياسات الاقتصادية التي تعزز رفاهية المواطنين دون التخلي الكامل عن عناصر السوق (Povitkina, 2023). تشير بعض التحليلات الحديثة إلى أن الديمقراطية الاشتراكية يمكن أن تنظم الأسواق بطريقة تعزز العدالة الاجتماعية وتشارك القوى العاملة، لكن هذا يتطلب مؤسسات قوية وإدارة كفؤة للموارد (Povitkina, 2023).
3.3 أدبيات الدولة التنموية في السياق الاشتراكي
تناقش الدراسات مفهوم “الدولة التنموية” وهي الدولة التي تمتلك قدرة استراتيجية على توجيه الاقتصاد نحو أهداف تنموية محددة تشمل الاستثمار في البنية التحتية، تعزيز الصناعات الاستراتيجية، وإعادة توزيع الموارد بشكل عادل (Bolesta, 2022). يرى البعض أن السياسات الصناعية المدروسة يمكن أن تساهم في تحقيق تغيّر هيكلي في الاقتصاد بدلاً من الاعتماد على تصدير المواد الخام فقط (Bolesta, 2022).
3.4 أدبيات التنمية والتخطيط في الدول الاشتراكية
تستعرض الأدبيات تجارب التخطيط والتنمية في البلدان التي طبّقت سياسات اشتراكية، مثل كوريا الشمالية، حيث يظهر في بعض التحليلات أن التخطيط المركزى، رغم أنه قد يؤدي إلى تحقيق بعض الأهداف الاجتماعية، فإنه يواجه مشكلات في تخصيص الموارد وإدارة النمو الحضري والريفي بشكل فعال (Planning in the socialist developing country, 2002). هذا يشير إلى أن وجود خطة وحده ليس كافياً، بل يعتمد النجاح على قدرة الدولة في تنفيذها وإدارتها.
3.5 أدبيات تحليل تجارب ما بعد الاشتراكية وتحولات السياسات
تتناول بعض الدراسات آثار المرحلة الانتقالية من الاشتراكية إلى أشكال مختلطة من الاقتصاد، وتبيّن أن الفشل أو النجاح في هذه المرحلة يتوقف على كيفية إدارة الإصلاحات، خصوصًا فيما يتعلق بالقطاع المالي والتجارة الداخلية والخارجية (The transition from socialism, 1994). توفر هذه الأدبيات فهمًا للأسباب التي قد تؤدي إلى فشل السياسات الاشتراكية عند تطبيقها في بيئات تغيرت فيها الظروف الدولية والداخلية.
3.6 أدبيات تحليل الفجوات البحثية
رغم الغنى النسبي للأدبيات حول التنمية الاشتراكية في البلدان الصناعية أو ذات الصناعات الثقيلة، فإن هناك نقصًا واضحًا في الدراسات التي تربط بين السياسات الاشتراكية والنظم الاقتصادية الزراعية–الرعوية في بلدان الجنوب، وهو فجوة بحثية تحتاج إلى تحليل معمّق يتضمن التجارب المختلفة وكيفية دمجها في سياسات تنموية عملية للسياق السوداني.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم