علاء خيراوي
اخي أحمد القرشي، من الضروري لي أن
أبدأ من الفكرة المركزية التي يقوم عليها مقالك؛ وهي اتهامك لبعض المدنيين بأنهم يجيدون إدانة التاريخ أكثر من بناء الدولة. فالعبارة تبدو للوهلة الأولى ذكية ومغرية، لكنها في الحقيقة تعكس قلباً كاملاً للمعادلة. فالسودان لم يصل إلى هذا الخراب لأن المدنيين انشغلوا بإدانة التاريخ، بل لأنه عاش منذ الاستقلال داخل تاريخ من الانقلابات العسكرية التي قطعت تطور الدولة الطبيعية. أول انقلاب وقع عام ١٩٥٨، ثم انقلاب ١٩٦٩، ثم انقلاب ١٩٨٩ الذي دشّن أطول حقبة استبداد في تاريخ البلاد. في كل مرة كانت الحياة السياسية تبدأ في التعافي، كان الجيش يتدخل ليعيد البلاد إلى نقطة الصفر. ولذلك فإن التذكير بالتاريخ ليس ترفاً أخلاقياً امارسه ولا “راحة ذهنية تهرب اليها النخب”، بل هو محاولة كما ينبغي له ان يكون لفهم كيف وصل السودان إلى هنا، وكيف يمكن تجنب تكرار المأساة نفسها.
تقول؛ إن بعض المدنيين يريدون من الجيش أن يهزم الميليشيا ثم يعتذر عن وجوده. هذه صياغة خطابية جذابة لكنها لا تعكس حقيقة ما يقوله معظم المدنيين. فالقوى المدنية السودانية لم تطالب يوماً بدولة بلا جيش، بل طالبت بجيش مهني يحمي الدولة ولا يحكمها. الفرق بين الأمرين واضح لكل من يقرأ التاريخ السياسي الحديث. الدول الحديثة كلها تملك جيوشاً قوية، لكن هذه الجيوش تعمل داخل إطار الدولة ولا تتحول إلى مركز القرار السياسي. المشكلة في السودان لم تكن وجود الجيش في حد ذاته، بل في التسييس الذي الّم به وحوله إلى لاعب سياسي دائم الوجود. ثم تسأل سؤالك الذي تكرره أكثر من مرة؛ من يحمي السودان الآن؟ هذا في الواقع سؤال مشروع من حيث التجريد، لكنه يصبح مضللاً جداً حين يُستخدم لإغلاق النقاش حول طبيعة السلطة. فالتاريخ مليء بأمثلة لدول سلمت مصيرها للمؤسسة العسكرية بحجة الحماية من الفوضى، ثم اكتشفت بعد سنوات أنها دخلت في فوضى من نوع آخر. في أمريكا اللاتينية مثلاً، رفعت معظم الانقلابات العسكرية شعار “إنقاذ الدولة”، لكن النتيجة كانت عقوداً من الحكم العسكري والاقتصاد المنهار والحروب الداخلية. السؤال الحقيقي إذن ليس من يحمل السلاح الآن، بل من يحدد شكل الدولة بعد أن تنتهي الحرب.
تقول أيضاً إن السياسة ليست محكمة ذاكرة، بل إدارة أخطار وميزان قوى. هذا صحيح جزئياً، لكنه يغفل حقيقة أساسية؛ أن الدول التي تتجاهل ذاكرة أخطائها الكبرى تعيد إنتاجها. ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية لم تبنِ دولتها الجديدة بنسيان النازية، بل بمواجهة تاريخها ومحاسبة رموزه وإعادة بناء مؤسساتها على أسس مختلفة. جنوب أفريقيا لم تنتقل من نظام الفصل العنصري إلى الديمقراطية بإنكار الماضي، بل عبر لجنة الحقيقة والمصالحة التي وضعت الذاكرة في قلب بناء الدولة. لذلك فإن الذاكرة ليست عائقاً أمام السياسة، بل شرطاً لتصحيحها. وتؤكد كذلك في مقالك أن الجيش ليس بريئاً من تاريخ السودان لكنه أيضاً ليس الدعم السريع. هذه نقطة لا يختلف حولها كثيرون، لكن إطلاقها هكذا يرمي بك داخل شرك المغالطات التفاضلية التي تخلّ بنقاش الحلول الوطنية على عكس ما تظن. فالمشكلة ليست في المقارنة بين الجيش والميليشيا، بل في السؤال الأوسع؛ كيف تحمي الدولة نفسها من أن تتحول مؤسساتها إلى أدوات في الصراع السياسي؟ الجيش مؤسسة وطنية ضرورية، لكن هذه الضرورة لا تعني أن تكون فوق النقد أو خارج التاريخ. الدفاع عن ضرورة إصلاح العلاقة بين الجيش والسياسة لا يعني تقويض الجيش، بل يعني إنقاذه من الدور الذي أنهكه لعقود.
فانت كذلك اخي احمد القرشي، تتهم بعض المثقفين بأنهم يضعفون المؤسسة الوطنية الوحيدة الباقية في لحظة حرب. لكن المشكلة العميقة أن هذه العبارة تفترض أن الدولة السودانية تقف اليوم على عمود واحد. والحقيقة أن الدولة لا تقوم على مؤسسة واحدة مهما كانت أهميتها. الدولة تقوم على توازن بين مؤسسات متعددة؛ جيش مهني، جهاز قضائي مستقل، إدارة مدنية فاعلة، ومجال سياسي يسمح بالتنافس السلمي. حين تختزل الدولة في مؤسسة واحدة فإنك في الواقع لا تحمي الدولة بل تجعلها أكثر هشاشة. أما مسألة “الإسلاميين” التي تقول إن بعض المدنيين يبالغون فيها، فهي أيضاً تحتاج منك إلى قدر أكبر من الواقعية التاريخية والسياسية. فالحركة الإسلامية في السودان ليست حزباً سياسياً عادياً يمكن أن يختفي بسقوط نظام الانقاذ، بل هي في الأصل شبكة واسعة من النفوذ داخل الدولة والمجتمع تشكلت خلال ثلاثة عقود. هذه الشبكات لم ولن تتبخر في ليلة واحدة، ولا يمكن إنكار وجودها بمجرد خطاب سياسي. لكنها أيضاً ليست بالقوة الشعبية الجارفة التي يتخيلها البعض. الحقيقة الأكثر تعقيداً هي أن قوتها اليوم تأتي أساساً من الفراغ السياسي الذي خلقته الحرب. ثم تسأل لماذا فشلت القوى المدنية في بناء كتلة وطنية صلبة. وهذا في رائي سؤال مهم ومستحق، لكن الإجابة عنه لا يمكن فصلها عن السياق التاريخي. فالحياة السياسية السودانية لم تتح لها فرصة الاستقرار الكافي لبناء مؤسسات ديمقراطية قوية. كل تجربة مدنية قطعتها الانقلابات قبل أن تنضج. الديمقراطية السودانية الأولى سقطت بعد عامين فقط بانقلاب عبود، والثانية انتهت بانقلاب نميري، والثالثة انتهت بانقلاب البشير. في مثل هذا السياق يصبح من السهل تحميل المدنيين مسؤولية الفشل، لكن من الصعب تجاهل البيئة التي جعلت هذا الفشل شبه حتمي.
وتقول أيضاً إن السودان يحتاج إلى عقلٍ بارد يمنع الانهيار. ولا أحد يختلف معك في هذه النقطة، لكن العقل البارد لا يعني الهروب من جوهر الأزمة أو الالتفاف حول حقيقتها. فالأزمة السودانية لم تنشأ لأن المدنيين أكثروا من النقد، بل لأن المؤسسة العسكرية نفسها تعرضت خلال عقود طويلة لعملية تسييس وأدلجة عميقة أضعفت مهنيتها وأفسدت دورها الطبيعي. ولذلك فإن الحديث عن حماية الجيش لا يمكن أن يقتصر على الدفاع عنه كما هو، بل يجب أن يبدأ بالاعتراف بأن هذا الجيش، بصيغته التي تشكلت عبر سنوات التمكين والصراع السياسي يحتاج إلى إعادة بناء وهيكلة شاملة تعيده إلى موقعه الصحيح داخل الدولة. فالمطلوب ليس إضعاف الجيش، بل إنقاذه من الإرث الذي أُثقل به. فالمؤسسة العسكرية التي تتغلغل فيها الأيديولوجيا والشبكات السياسية لا تستطيع أن تبقى جيشاً وطنياً جامعاً، بل تتحول تدريجياً إلى جزء من الصراع الذي يفترض أن تحمي الدولة منه. ولذلك فإن الطريق الحقيقي لإنقاذ السودان لا يمر عبر خيارين زائفين؛ إما الدفاع غير المشروط عن الجيش بصورته الحالية، أو شيطنته بالكامل. الطريق الثالث، وهو الأصعب لكنه الوحيد الممكن، هو إعادة تأسيس الجيش نفسه على قواعد جديدة. جيش جديد يقوم على التمثيل العادل لكل أقاليم السودان ومكوناته، ويعيد صياغة عقيدته العسكرية بعيداً عن مشاريع السلطة والأيديولوجيا، ليكون جيش دفاع وطني مهمته الأساسية حماية الحدود، وصون الدستور، وحماية المواطن السوداني لا التدخل في السياسة أو تحديد شكل الحكم. فالجيوش الوطنية في الدول المستقرة لا تُبنى لتكون طرفاً في الصراع السياسي، بل لتكون الضامن الأخير لوحدة البلاد وسلامة مؤسساتها.
لهذا فإن إنقاذ الجيش لا يكون بإبقائه أسيراً لتاريخه، بل بتحريره منه. لأن الجيش الذي يظل حبيس السياسة لا يستطيع أن يحمي الدولة، بينما الجيش الذي يُعاد بناؤه على أساس مهني ووطني يصبح أحد أعمدة استقرارها. وهذه هي المهمة الحقيقية التي ينبغي أن ينشغل بها كل من يريد للسودان أن يخرج من هذه الحلقة الطويلة من الانقلابات والحروب.
القضية اذا اخي احمد، ليست أن بعض المدنيين يجيدون إدانة التاريخ. القضية أن السودان لم يتعلم بعد كيف يمنع التاريخ من إدانته مرة أخرى. الدول لا تنهار لأن المثقفين ينتقدون مؤسساتها، بل لأنها تفشل في إصلاح أخطائها الكبرى. وإذا كان السودان يريد فعلاً أن يخرج من هذه الحلقة الجهنمية، فعليه أن يتجاوز المعادلات البسيطة التي تختزل الأزمة في صراع بين “مدنيين مثاليين” و”عسكر واقعيين”. فالحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. السودان يحتاج إلى جيش قوي يحمي الدولة، لكنه يحتاج أيضاً إلى دولة قوية تحمي الجيش من السياسة. يحتاج إلى ذاكرة لا تنسى أخطاء الماضي، لكن أيضاً إلى خيال سياسي قادر على بناء مستقبل مختلف. لأن البلاد التي لا تواجه تاريخها بصدق، تظل محكومة بتكراره.
وهذا، يا صديقي القديم، هو الدرس الذي تعلمته أمم كثيرة بعد حروب وانقلابات طويلة. والسودان، للأسف، لم يعد يملك رفاهية أن يتعلمه بالطريقة الصعبة مرة أخرى. فالحقيقة أكثر تعقيداً بكثير من هذه المعادلات السهلة التي تختزل الأزمة السودانية في صراع بين “مدنيين يكثرون من النقد” و”عسكر يحمون الدولة”. فالدولة الحديثة لا تقوم على هذا الاختزال المخلّ. السودان يحتاج بلا شك إلى جيش قوي يحمي حدوده ويحفظ سيادته ويمنع الميليشيات من تفكيك كيانه، لكن التجربة التاريخية تعلمنا أن الجيش نفسه لا يصبح قوياً ومهنياً إلا داخل دولة قوية تحميه من الانجرار إلى السياسة. فالمؤسسة العسكرية حين تتحول إلى لاعب سياسي دائم تفقد تدريجياً احترافيتها، وتتحول إلى طرف في الصراع بدلاً من أن تكون حارساً للدولة.
هذه ليست فكرة نظرية ولا شعاراً مدنياً رومانسياً، بل خلاصة تجارب دول كثيرة مرت بما يمر به السودان اليوم. ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية لم تبنِ جيشها الجديد، البوندسفير، على أساس القوة العسكرية وحدها، بل على قاعدة دستورية صارمة تجعل الجيش تحت سلطة الدولة المدنية والبرلمان. السبب بسيط؛ لأن ألمانيا تعلمت من تجربة الرايخ الثالث أن الجيش حين يصبح أداة سياسية بيد مشروع أيديولوجي يمكن أن يقود دولة كاملة إلى الكارثة. ولذلك أعيد بناء الجيش الألماني داخل إطار دستوري يجعل ولاءه للدستور لا للحاكم. والأمر نفسه حدث في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية. فقد خرجت اليابان من واحدة من أكثر الحروب تدميراً في التاريخ، وكان بإمكانها أن تعيد بناء قوتها العسكرية فوراً. لكنها اختارت طريقاً مختلفاً؛ إعادة بناء الدولة أولاً، وترسيخ المؤسسات المدنية، ووضع الجيش داخل منظومة دستورية صارمة تمنع تكرار تجربة العسكرة التي قادت البلاد إلى الحرب. لم يكن ذلك ضعفاً، بل كان فهماً عميقاً لدرس التاريخ. وفي أمريكا اللاتينية أيضاً، حيث شهدت دول كثيرة سلسلة طويلة من الانقلابات العسكرية خلال القرن العشرين، لم يبدأ التحول الديمقراطي الحقيقي إلا حين أعيد تعريف العلاقة بين الجيش والسياسة. في الأرجنتين مثلاً، بعد سقوط الديكتاتورية العسكرية في الثمانينات، لم يكن التحدي فقط إعادة الحكم المدني، بل أيضاً إعادة الجيش إلى موقعه الطبيعي كمؤسسة مهنية. وقد احتاجت البلاد سنوات طويلة من الإصلاحات والمحاسبة حتى يتحقق ذلك التوازن. الأمر نفسه حدث في تشيلي بعد نهاية حكم بينوشيه، حيث لم تكن الديمقراطية مجرد انتخابات، بل عملية طويلة لإعادة بناء المؤسسات وضمان أن يبقى الجيش داخل حدود الدولة لا فوقها.
وإذا نظرنا إلى التجربة الأقرب جغرافياً إلى السودان، تجربة جنوب أفريقيا بعد نهاية نظام الفصل العنصري، سنجد درساً آخر بالغ الأهمية. فجنوب أفريقيا خرجت من نظام عنصري مدعوم بمؤسسة أمنية وعسكرية قوية. وكان بإمكان القوى المنتصرة سياسياً أن تسعى إلى تحطيم تلك المؤسسة بالكامل. لكنها اختارت طريقاً مختلفاً؛ إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية داخل دولة ديمقراطية جديدة، ودمج القوات المختلفة في جيش وطني واحد يخضع للدستور. الفكرة لم تكن إضعاف الجيش، بل تحويله من أداة سياسية إلى مؤسسة وطنية مهنية.
هذه الأمثلة ليست بعيدة عن السودان كما قد يبدو. فالمعضلة التي تواجهنا اليوم تشبه في جوهرها ما واجهته تلك الدول؛ كيف نحمي الدولة من الانهيار دون أن نحول المؤسسة العسكرية إلى بديل دائم للسياسة. فالجيش حين يتحمل أعباء الحكم لفترات طويلة يتغير هو نفسه. تتبدل أولوياته، وتدخل إليه شبكات المصالح الاقتصادية والسياسية، وتصبح قراراته مرتبطة بتوازنات السلطة لا باحتياجات الأمن القومي وحدها. وهذا ما شهدناه في السودان مراراً منذ الاستقلال.
ولذلك فإن الحديث عن ضرورة جيش قوي لا يتعارض مع الحديث عن ضرورة دولة مدنية قوية. بل إن الاثنين شرط لوجود الآخر. الجيش يحتاج إلى دولة مستقرة تحميه من التسييس والانقسام، كما تحتاج الدولة إلى جيش مهني يحميها من الميليشيات والفوضى. وحين يختل هذا التوازن تدخل البلاد في الحلقة التي عرفها السودان جيداً؛ انقلاب يقطع الحياة السياسية، ثم محاولة انتقال ديمقراطي قصيرة، ثم انقلاب جديد يعيد الدورة من البداية.
ولهذا أيضاً يحتاج السودان إلى ذاكرة لا تنسى أخطاء الماضي. فالتاريخ ليس مجرد سرد للأحداث، بل خريطة للأخطاء التي ينبغي تجنبها. ألمانيا لم تتجاوز ماضيها النازي بنسيانه، بل بمواجهته. جنوب أفريقيا لم تنتقل إلى الديمقراطية بطمس تاريخ الفصل العنصري، بل بوضعه أمام المجتمع في عملية كشف ومحاسبة. الدول التي تبني مستقبلها على النسيان غالباً ما تجد نفسها تعيد إنتاج الماضي نفسه، لأن الأسباب العميقة للأزمة تبقى دون معالجة. لكن الذاكرة وحدها لا تكفي. فالسودان يحتاج أيضاً إلى خيال سياسي قادر على تصور مستقبل مختلف. يحتاج إلى قدرة على التفكير في شكل الدولة التي يمكن أن تنهي هذه الدائرة الطويلة من الانقلابات والحروب. خيال سياسي يعترف بأن الدولة لا تُبنى بالقوة وحدها، ولا بالشعارات وحدها، بل بتوازن دقيق بين المؤسسات، وبعقد اجتماعي جديد يعيد تعريف العلاقة بين الجيش والسياسة والمجتمع. وهذا، يا صديقي القديم، هو الدرس الذي تعلمته أمم كثيرة بعد حروب وانقلابات طويلة. تعلمته بعد أن دفعت أثماناً باهظة من الدم والخراب والانقسام. والسودان، للأسف، لم يعد يملك رفاهية أن يتعلم هذا الدرس بالطريقة الصعبة مرة أخرى. لأن كل دورة جديدة من الفوضى لا تعيد البلاد إلى نقطة الصفر فحسب، بل تدفعها خطوة أخرى نحو التفكك الذي قد يصبح عند لحظة ما غير قابل للإصلاح.
وفي خاتمة هذا السجال اخي أحمد القرشي، لا بد من إعادة الأمور إلى جوهرها بعيداً عن البلاغة التي قد تريح الضمير لكنها لا تغيّر الواقع. فالقضية ليست أن بعض المدنيين يجيدون إدانة التاريخ، بل أن السودان دفع أثماناً باهظة لأنه لم يحسن قراءة تاريخه أصلاً. ثلاث انقلابات كبرى منذ الاستقلال لم تكن حوادث معزولة، بل نمطاً سياسياً متكرراً قطع تطور الدولة المدنية وأدخل البلاد في حلقة مفرغة من الحكم العسكري، والانفجارات الشعبية، ثم العودة إلى نقطة البداية. ولذلك فإن استحضار هذا التاريخ ليس ترفاً فكرياً ولا “راحة ذهنية للنخب”، بل شرط أساسي لفهم الأزمة حتى لا نعيد إنتاجها مرة أخرى تحت مسميات جديدة.
النقطة الثانية أن الدفاع عن ضرورة جيش قوي لا يعني أبداً الدفاع عن استمرار تسييس الجيش. السودان يحتاج بالفعل إلى مؤسسة عسكرية قوية تحمي حدوده وتمنع تفكك الدولة أمام الميليشيات، لكن التجارب التاريخية كلها تقول إن الجيش لا يصبح قوياً إلا داخل دولة مدنية قوية تحدد دوره بوضوح. الجيش الذي يُستدعى كل مرة لحل الأزمة السياسية يتحول تدريجياً إلى جزء من الأزمة نفسها، لا إلى حارسٍ للدولة.
أما النقطة الثالثة فهي أن الحديث عن عودة الإسلاميين ليس هروباً من الأسئلة الصعبة كما قيل، بل قراءة لواقع يعرفه كل من تابع تاريخ الدولة السودانية خلال العقود الثلاثة الماضية. هذه الحركة لم تكن حزباً عادياً يمكن أن يختفي بقرار سياسي، بل شبكة طويلة من النفوذ داخل مؤسسات الدولة والمجتمع. لكنها في الوقت نفسه ليست قوة لا تُقهر. قوتها الحقيقية لم تكن يوماً في شعبيتها، بل في الفراغ السياسي الذي يسمح لها بالعودة كلما ضعفت الدولة وانقسم المجال المدني.
وأخيراً، فإن تحميل القوى المدنية وحدها مسؤولية هشاشة المجال السياسي يتجاهل حقيقة بسيطة؛ الديمقراطية السودانية لم تتح لها الفرصة أصلاً لكي تنضج. كل تجربة مدنية قطعتها الانقلابات قبل أن تتراكم مؤسساتها. ولذلك فإن المخرج الحقيقي لا يكون بتقليل النقد المدني ولا بتبرئة المؤسسة العسكرية، بل بإعادة بناء العلاقة بين الجيش والدولة على أساس جديد يجعل الجيش مؤسسة مهنية داخل الدولة، لا سلطة فوقها.
لهذا فإن السودان لا يقف اليوم بين خيارين كما يُصوَّر أحياناً؛ إما الدفاع غير المشروط عن العسكر، أو السقوط في الفوضى. السودان يقف بين طريقين مختلفين تماماً؛ طريق يعيد إنتاج الحلقة القديمة التي تبدأ بالانقلاب وتنتهي بالحرب، وطريق يحاول بصعوبة أن يؤسس لدولة حديثة يكون فيها الجيش حامياً للدستور لا بديلاً عنه. والدروس واضحة لمن يريد أن يتعلمها. الدول التي تجاهلت تاريخها أعادت أخطاءه، والدول التي واجهته بصدق استطاعت أن تبني مستقبلاً مختلفاً. والسودان اليوم، بعد كل الدماء التي سالت وكل الفرص التي ضاعت، لم يعد يملك رفاهية أن يختار الطريق الأصعب مرة أخرى.
khirawi@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم