على أعتاب الدولة المدنية (3 ـ 4) .. ماذا ينبغي أن تفعل “صمود” الآن؟

نزار عثمان السمندل

تتعالى أصوات التاريخ حين تتقاطع الأزمات مع الفرص، فتختبر قدرة القوى السياسية على التكيف وصياغة مسارات جديدة. الامتحان لا يقيس فقط قدرة تلك القوى على معارضة الماضي، وإنما على ابتكار المستقبل. والسودان يقف اليوم عند مفترق مشابه.
تضييق الخناق المحلي والدولي على الحركة الإسلامية؛ يفتح فراغاً سياسياً واسعاً، والفراغ في السياسة لا يجب أن يبقى طويلاً. مشروع جديد يجب أن يتقدم لملء هذا الحيز، ومجموعة صمود التي يقودها عبدالله حمدوك تجد نفسها في قلب هذه المسؤولية التاريخية.
البداية الحقيقية لأي مشروع مدني تمر عبر بناء جبهة سياسية واجتماعية واسعة. السودان بلد متعدد الأعراق والثقافات والتجارب السياسية، وكل مشروع يتقدم لقيادة المرحلة يحتاج إلى قاعدة اجتماعية كبيرة تسنده. القوى المدنية تمتلك رصيداً مهماً من الثقة التي صنعتها ثورة ديسمبر، وهذا الرصيد ينتظر عملاً سياسياً منظماً يعيد جمع النقابات المهنية، والحركات الشبابية، والفاعلين الاجتماعيين حول برنامج واضح للانتقال الديمقراطي. وحدة القوى المدنية تمنح المشروع الديمقراطي وزنه الحقيقي في مواجهة الفوضى والاستقطاب.
الخطوة التالية تتعلق بصياغة رؤية واضحة للدولة المدنية. السودان عاش طويلاً داخل جدل الهوية والصراع حول علاقة الدين بالسياسة، وهو جدل استهلك طاقات البلد وأبعده عن أسئلة التنمية والعدالة. اللحظة الراهنة تتيح فرصة لإعادة تعريف الدولة على أساس المواطنة المتساوية وسيادة القانون واستقلال المؤسسات. مشروع الدولة المدنية يحتاج إلى خطاب سياسي يشرح هذه الفكرة للسودانيين باعتبارها طريقاً للاستقرار والكرامة والازدهار.
الاقتصاد يمثل بدوره أحد أعمدة الاستقرار السياسي. أي انتقال ديمقراطي يظل هشاً في بلد يعاني الفقر والبطالة وانهيار الخدمات. برنامج اقتصادي واقعي يستطيع أن يمنح المجتمع أملاً عملياً في المستقبل. استعادة ثقة المجتمع الدولي، وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، ومحاربة الفساد الذي نخر مؤسسات الدولة خلال عقود الحكم السابق، كلها مهام تضع الاقتصاد في قلب المشروع المدني الجديد.
العدالة الانتقالية تشكل ركناً أساسياً في بناء الثقة الوطنية. السودانيون يحملون ذاكرة ثقيلة من الحروب والانتهاكات والصراعات السياسية. معالجة هذه الذاكرة تتطلب مساراً قانونياً عادلاً يحقق المحاسبة ويعيد الاعتبار للضحايا ويفتح في الوقت نفسه الباب لمصالحة وطنية واسعة. المجتمعات الخارجة من النزاعات تبني استقرارها حين تتحول العدالة إلى أساس للمستقبل.
تبقى المسألة الأكثر حساسية في التجربة السودانية: علاقة السلطة المدنية بالمؤسسة العسكرية. الدولة الديمقراطية لا تبنى إلا بجيش وطني محترف، يقف على مسافة واحدة من كل القوى السياسية، ويحمي الدستور والنظام العام، بعيداً عن أي ولاءات ضيقة أو تأثيرات أيديولوجية.
إعادة بناء هذه العلاقة تتطلب إرادة حازمة، وقواعد دستورية واضحة، ومن بين المطلوبات الجوهرية: تنقية المؤسسة العسكرية من الشوائب العالقة بها من الحركة الإسلامية، دمج الميليشيات والحركات المسلحة ضمن الجيش، وتسريح العناصر غير اللائقة.
كل خطوة في هذا المسار تحمل ثقل التاريخ، وكل قرار يتخذ اليوم يشكل مستقبل السودان لعقود مقبلة.
المسار الذي ينتظر القوى المدنية ليس سهلاً، لكنه يحمل فرصة تاريخية نادرة، لحظة يلتقي فيها الحلم بالمسؤولية. مشروع الدولة الذي طالما انتظره السودانيون منذ عقود يفرض عليهم تحويل الأفكار إلى مؤسسات، والشعارات إلى سياسات، والأمل الشعبي إلى واقع ملموس.
الطريق أمام صمود يبدأ من هنا: تنظيم القوة المدنية، صياغة المشروع الوطني، والمضي بثقة نحو بناء دولة تحمي تضحيات شعبها، وتكتب فصلها الجديد في تاريخ السودان بعزم لا يلين.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

اعتراف متأخر

نزار عثمان السمندل سنوات طويلة مرت قبل أن تعترف واشنطن بما يعرفه السودانيون منذ عقود. …