الروابط الموضوعية بين الشعبين السوداني والمصري

الروابط الموضوعية بين الشعبين السوداني والمصري: من محاولات الإلغاء والتعطيل إلى التفاعل المتكافئ و التفعيل

د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفة القيم الإسلامية فى جامعة الخرطوم

تمهيد “ملخص الدراسة” : تهدف الدراسة إلى التأكيد على أن هناك روابط موضوعية، تربط بين الشعبين السوداني والمصري، والمقصود بكونها موضوعية، أنها غير متوقفة على ما هو ذاتي “كالوعي أو العاطفة أو المصلحة…. الذاتية”، لأنها مؤسسة على حقائق موضوعية
” تاريخية وجغرافية وحضارية ودينية…”. وهى تربط بين الشعبين السوداني والمصري، وليس بالضرورة بين النظم السياسية في البلدين. وهى جزء من الروابط التى تشد كل أجزاء “شعوب” الأمة ، التي حولها الإسلام من شعوب وقبائل متفرقة، إلى أمة واحده، رغم التجزئة السياسية التي فرضها الإستعمار عليها فى مراحل تاريخية متأخرة.
وهناك خيارين تجاه هذه الروابط الموضوعية.الخيار الأول هو محاولة إلغائها ، وهو خيار قد ينجح فى تعطيلها ، ولكنه سيفشل – حتما – فى إلغائها، و يلزم من هذا الخيار” الإنفصالى” مزيد من التفتيت” الطائفى او القبلى” فى كلا البلدين، وهو لا يخدم – موضوعيا وبصرف النظر عن النوايا الذاتية – الا المخططات التى تستهدف الأمة ” كمشروع الشرق الأوسط الجديد: الإمبريالى -الصهيونى، الذى يجرى تطبيقة فى المنطقة، منذ العقد السابع من القرن الماضى، والذى يهدف إلى مزيد من التفتيت ” الطائفى- القبلى” للأمة ، لضمان نهب ثرواتها، فدعاة هذا الخيار هم مجرد ادوات لهذا المخطط ، سواء وعوا بذلك أم لم يعوا. الخيار الثانى هو تفعيل هذه الروابط الموضوعية، فهو خيار وحدوى، ونجاحه مشروط بالإلتزام بأسلوب: عملي، واقعى، مؤسسى، مستند إلى الإرادة الشعبية، وقائم على التفاعل الإيجابى المتكافئ،والتكامل القومى العام ، الذى يغنى الخاص الوطنى ولا يلغية…
…….

المتن التفصيلى للمقال:

مفهوم الموضوعية: الموضوعي هو المستقل عن الوعي الإنساني، و غير المتوقف عليه . أما الذاتي فهو ما يرتبط بالوعي الإنساني، من أفكار ومشاعر ومصالح… وبناءً على ذلك، فإن موضوعية الروابط التى تربط بين الشعبين السودانى والمصرى، تعني أنها غير متوقفة على الوعي أو الرضا أو المصلحة… الذاتية، بل تستند إلى حقائق موضوعية” تاريخية وجغرافية وحضارية ودينية….”، ومثال ذلك ان الروابط الأسرية “كالأخوة مثلا ” تبقى قائمة رغم اختلاف الأفكار والميول السلوك ومصالح…. الذاتية.

روابط بين الشعوب وليس بالضروره بين النظم: هذه الروابط تربط بين الشعبين السوداني والمصري، وليس بالضرورة بين النظم السياسية، لأن الأنظمة متغيرة بينما الشعوب ثابتة.وبالتالى فإن الخلافات السياسية بين الحكومات لا تلغي هذه الروابط، وان كان من الممكن ان تعطلها.

تفسير طبيعة هذه الروابط : هى جزء من روابط تشد كل أجزاء الأمة ” شعوبها المختلفه”، التي حولها الإسلام من شعوب وقبائل متفرقة الى امة واحدة، رغم ما فرضته التجزئة الاستعمارية ، فى مراحل تاريخية متأخره (اتفاقية سايكس–بيكو 1916- سياسة فرق تسد…).

أنماط الروابط الموضوعية بين الشعبين السودانى والمصرى:

أولاً: الروابط التاريخية: تربط البلدين علاقات تاريخية قديمة، وتاريخاً مشتركاً ممتداً عبر القرون – سلبى فى بعض مراحلة وايجابى فى مراحل اخرى -،وتدل الآثار في البلدين على عناصر اشتراك تاريخي ، بجانب مظاهر للخصوصية التاريخية .

ثانياً: الرد على بعض الدعاوى المناقضه للحقائق التاريخية:

1.دعوى إحتلال مصر للسودان طوال التاريخ : تقوم هذه الدعوى على تعميم غير دقيق ، إذ إن مصر نفسها تعرضت عبر تاريخها لغزوات متعددة، وخضعت لقوى خارجية لفترات طويلة.وعلى سبيل المثال فان الحكم في فترة محمد علي لم يكن مصرياً خالصاً، فمحمد على باشا نفسه لم يكن مصريا ، وحكمه كان مرتبطا بالدولة العثمانية. وفى الحكم الثنائي كانت مصر خاضعه “فعليا” للإستعمار البريطاني، شانها فى ذلك شان السودان. وفى كل الأحوال يجب التمييز بين هذه الروابط الموضوعية بين الشعوب، وبين سياسات الحكام ، في فترات تاريخية معينة.

2 . دعوى الغزو الأحادي: الغزو في التاريخ القديم كان متبادلاً بين الشعوب، وليس ظاهرة أحادية الاتجاه، وهو مرتبط بطبيعة العلاقات الدولية القديمة، وشكل الدولة فى العصور القديمة ” الدولة الامبراطورية غير ثابتة الحدود”. فكما غزت بعض الممالك المصرية القديمة السودان، غزت العديد من الممالك السودانية القديمة مصر وغيرها.

  1. دعوى الصراع التاريخي المستمر: تاريخ العلاقات بين الشعبين لم يكن صراعاً فقط، بل شمل ايضا :تعاوناً، سواء تجارة او معاهدات. و الصراع بين الشعوب هو نمط شائع في تاريخ اى امة قبل إكتمال تكوينها، أى فى الأطوار الشعوبية والقبلية السابقه على طور الأمة أو الطور القومى.

الروابط الجغرافية: تتمثل في:
اولا : الجوار الجغرافي.
ثانيا : الحدود المشتركة.
ثالثا: نهر النيل الذي يربط البلدين.
رابعا: غياب الحواجز الطبيعية الفاصلة.

الروابط الاجتماعية:تشمل:
اولا : الهجرات المتبادلة.
ثانيا : المصاهرة.
ثالثا : التداخل القبلي.
رابعا : التفاعل الثقافي والاجتماعي.

الروابط الاقتصادية والسياسية:
اولا : التبادل التجاري عبر التاريخ.
ثانيا : فترات الوحدة السياسية.
ثالثا : التفاعل السياسى بين البلدين

الروابط القومية والدينية:
اولا : اللغة العربية تمثل رابطاً قومياً مشتركاً.
ثانيا : الإسلام يمثل إطاراً دينيا – حضارياً جامعاً.
ثالثا : هناك تقارب في بنية التدين الشعبى والطرق الصوفية والمذاهب الفقهية.

السودان ومصر في الإطار الحضاري: اذا كانت مصر جزء مركزي في الفضاء الحضاري العربي- الإسلامي، فإن السودان يمثل شريانه الحيوي ، الذى يتوقف وجوده عليه.

الخيارات المستقبلية :

اولا: خيار محاولة الإلغاء :
ا/وهو خيار قد ينجح فى تعطيل هذه الروابط الموضوعية، ولكنه سيفشل – حتما – فى إلغائها.
ب/و يلزم منه مزيد من التفتيت” الطائفى او القبلى” فى كلا البلدين.
ج/ وهو لا يخدم – موضوعيا وبصرف النظر عن النوايا الذاتية – الا المخططات التى تستهدف الأمة ” كمشروع الشرق الأوسط الجديد: الإمبريالى – الصهيونى”.

ثانيا:خيار التفعيل: ونجاحه مشروط بالإلتزام بأسلوب، يتسم بالخصائص التالية :

  • عملي – واقعى، يميز بين الممكن، وما ينبغى ان يكون.
  • يستند الى قاعدة التدرج، بالإنتقال مما هو كائن ، إلى ما هو ممكن، ثم إلى ما ينبغى أن يكون.
  • مؤسسى قائم على انشاء وتفعيل مؤسسات مشتركة.
  • لا يفرض بقرارات سياسية فوقية، بل يكون معبرا عن إرادة الشعبين.
  • يميز بين وحدة الشعوب ، والخلافات السياسية ، ومعالجة الملفات محل الخلاف ، عبر آليات مشتركة، وبحيث لا تؤثر سلبا على الملفات الأخرى محل الاتفاق والتوافق.
  • التخلى عن النزعه التى تساوى بين حميع الأنظمه، وتتجاهل اختلاف مواقفها من القضايا الوطنية والقومية…
  • قائم على التفاعل الإيجابى المتكافئ، وليس التبعية لأى طرف للآخر، او الإستعلاء عليه .
  • يفعل النزوع الوحدوى” الوطنى والقومى والدينى…”، ويحارب النزعات الإنفصالية” الطائفية والقبلية والشعوبية… “.
  • قائم على التكامل العام القومى ، الذى يغنى الخاص الوطنى ولا يلغية…

عن د. صبري محمد خليل

شاهد أيضاً

المشاريع الفكرية العربية المعاصرة: قراءة منهجية

د. صبري محمد خليل/أستاذ فلسفة القيم الإسلامية – جامعة الخرطوم Sabri.m.khalil@gmail.com أولاً: الجابري ومشروع “نقد …