في هجاءِ هولاكو القرن الحادي والعشرين

جمال محمد ابراهيم

(1)
قال رئيس الولايات المتحــدة “الشعبوي” دونالد ترامــب، وَهـو فــي ذروة انــتشــائـه، بعد أن شنّ حرباً شعواء بمشـاركة إســرائيل على دولــة إيــران، أنه سيعمد على تدمير حضـارة ويدفنها تحت التراب. إنّـه لممَّـا يثير العجــب أنه وعلى كثرة ما شهد العالم حروباً تورَّطت فيها الولايــات المتحـدة الأمريكيـة ضد بعض شــعوب الأرض، فما ســمعنا تصريحاً عـن أيٍّ مـن رؤسائها، عن عزمه محـو حضارة مــن حضارات تلك الشـعوب. ويزيد عجب المتابعين من ذلك الرئيسٍ، إذا علمنا أنَّهُ جاء عبر انتخابات شــرعـية ليحكم دولـة لـهـا دســتور تليـد ومؤسسات راسـخة، فإذا هو في رعـونة “هـولاكـو”الذي دمّر بغداد قبل قـرون، وفي استهتار نـيــرون الذي أحرق رومــا، وفي قسوة أدولف هتلر الذي أشعل الحــرب العالميـــة الثانية.

(2)
لو ظهر للعيان طــاغـيةً متغطرسٌ بلا حــدود، وفي زماننا الماثل، فهــو دونالـد ترامــب رئيس الولايات الأمريكية المتحدة، الذي عوض عـن تطلعه لنيل جائزة نوبل للســلام ، لجاز له الـتطــلع ليحــوز لـقــبَ مُـدمّــر الحضارات عن جدارةٍ واستحقاق، إن كـان عازما على فعل ذلك في إقليم الشرق الأوسط..!
حتى هـولاكـو الذي دمّـر الدولة العباسـية المتهالكة ، وجاء مكتســحاً بغـداد، قبل نحو ســبعة قــرون كالإعصار الهائج ، لم يروَ عــنه أنَّـهُ جـاء إلى تلـك الدولــة ليدفن حضارتها ويقبرهـا تحت التراب. إنَّ الحـضــارات تتوالــى وتتـابـع ، نمــوُّاً وتطوراً ثم تتضعضع وتنهار وتسقط، ولكــن لا يكون ذلـك النهــوض، ولا ذلك الســقوط، بيـدِ زعـيم راشــد، أو طاغـيــة متغطـرس. إنَّ للـتاريخ منطـقـه ولحــراك البشرية ومنجزاتها وتحولاتها، ما قد تتحدّد بعده ومعه، عناصر الثبات والرّســوخ، أو الانهيــاروالسّـقوط. غــيـر أنَّ ســــقوط الحضارات، لا يتحـقــق بقرار فـرد متغطرس مهمــا كانت درجــة غطرسته، ولا بقرار جيش وإنْ كان جرَّاراً بقواته الباطشة، برّاً وبحـــراً وجـوّاً.

(3)
ليـس ثمَّة من يتشكَّك في قوة الدستور الأمريكي، ولا في ما تتمتـع به مؤسَّسات الولايات المتحدة الأمريكية من مصداقـية في تفعـيل الكـوابح التي تردع مثل ذلك المتغطرس الذي جاءتْ به صُدف التاريخ من حيث لــم يكن يحتسبه أحد. غير أنَّ ذلك الذي لم تشبعه اســتثماراته الملـيــاريـة فــي أسـواق العـقارات، فإذا هو بمؤهلاته تلك- وبعضها ممّا ناله خلال مرافقـته لصـديـقــه “إبسـتين”- توهَّــم الرَّجل أنهُ بقادر، ليسَ لحكم الولايات المتحدة وحــدها، بل للســيطرة على العـالم أجمع. يظنّ الرئيس “الشَّـعـبـوي”، أنّ القــدراختاره للتحـكَّــم في العالم والسيطرة على مقـدراته، فيتحقق المجدُ لأمريكا- وأمريكــا وحــدها- على يديـه.
ما كان ممكناً له أن يكســب ذلـك “الشّـعبوي” الانتخــابات الرئاســيــة الأمريكية ، لولا ضعف سلفه الرئيس الديمقراطي “جـو بايدن” الذي لم تكن له قـدرات- وهـو في تلـك الــسِّـنّ المتأخــرة لإدارة “الــبـيـت الأبيـض” بمستوىً يناسب قوة وموقع تلك الدولة القطبــية. تأخّر الحزب الدبمقراطي في ملاحظة ضعف فرص التجــديد لمرشــحهـم “جــو بايـــدن”، فـدفــع بنائبـته في الوقــت الضائع لتنافـس رجل الصفـقـات والمرابحات الأبرز في الحزب الجمهوري، والمتطلـع لردِّ اعـتبارٍ لشخصه، إثر هـزيمتـه أمــام الرئـيس الديمقراطي المُسن. فلا “بايدن” ولا “كامالا هاريس”، قُـدِّر لهـما مواجهة “البلدوزر” دونالد ترامب. .

(4)

هكذا اعتلى الجمهوري”الشعبوي” كرسي الرئاسة في “البيت الأبيـض”، متسـلحاً بروحٍ انتقامية قاسية ضدّ سـلفه الديمقراطي الضعيف “بايـدن”. هكذا لم يعمل على محـو سياسات سَــلـفه فحـســب ، بل على نقض كل ّ ما وضح زل سَـلـفِ سَـــلـفِه (أوباما) أي نوايا واضحة ضاً ، إن جاز التعبير.
لعلّ خلال المائة عام الأولى كانت لـِ”ترامب” نوايا واضحـة تضمـــر الإسـتفـراد بالقـرار الرئاسي مُحتكـراً لشــخصه. وذلـك التـوجّـه بان أوّل مـا بـدا فـي اختياره لمسـاعديه ومسـتشاريه، إذ انَّ معظـمهم هُــم من صفـوف حــزبـه الجمهوري، ومن رفـاقـه في أوسـاط عـالم المال والصفـقات الـعـقــاريــة والتجــارية. ولأنه رغب في السـطرة على قـرارات السـياســة الخارجية حصراً في “البيت الأبيض”، فقد اكتفى بتعييـن مســتشار الأمـن الـقــومي مساعدا له، وهو السيد “مارك روبيو”، وأبقــاهُ مكلـفــاً بإدارة وزارة الخارجية الأمريكية إســمياً. لم يكن الـرئــيس “الشــعبوي” يولــي الدبلوماسية المهنية في وزارة الخارجية إهتماماُ يذكر، بل تعمّد تجـاهلــها أحياناً. لقد وضح ذلك في إحــراء تقليص مهول في عدد العناصر العامـلـة في البعثات الأمريكية في الخارج . لعلَّ سحب أكثر من أربعين ســـفيــرٍمـن الســفارات الأمريكـية في افـريقـيا وآسـيا والإبقـاء على قائميـن بالأعـمال لادارتها، يعكس توجّـهاً قـويا لاحتكار إدارة الـبيـت الأبيــض لقـــرارات السياسة الخارجية، وتقليـل الاهتمام بدور البعثات الأمريكية الخارجية . .

(5)
ثم لك أن ترصــد غـياب أدوار لمراكــز الدراســات الاســـتراتيجيــة والــســياسـية الأمريكيــة، والتي كان لها أثر واضح على ضبـط بوصــلة السياســات الأمريكية ومواقـفـها الخارجيـة على مـدى عقود طويــلة.هــيَ الآن بعـيدة ولا يُسمع لها صـوت . لك أن ترى كيفَ انّ المجلات الرّصينة، مثل”فوريــن بوليسي” ومثيلاتها ، لا يُلتفت لما تنشــره . لـيس فــي عهــد ترامب أذن تنصـت لرأي مُستقـل، ولا عين تلتفـتَ لتحليلٍ موضـوعي.
أما الإعلام الأمريكي ، فيكفي ما يتابعه العــالم من أســاليب التنـمّــر والتحرَّش، الذي لا يخفـيه الرئيس الشعبوي مع الصحفيين وممثلي القــنوات الأمريكـية كبيرها وصغيرها. لا يكفّ ذلك الرئيس- فيما نتابع – من تقريظٍ لمن يلاقي هـواه من الإعلاميين، أو السُّــخرية ممّن لا تعجـبه أســئلتهم.

(6)
ثم يأتي الرَّجل إلى الأمم المتحدة ، فهي شبح لا يراه البتة ، وإن ســـمع لها همهمة ، فإنه لا يأبه لها ولا يرد حتى اسمها على لسانه. ليس ذلك وحده في المجال السياسي، بل لا يلتقط رادار الرجل أيّ ذبذبات وإشارات مــن مؤسّسات “بريتون وودز” الاقتصادية والمالية العتيـقة. أما منظــمة الـتجــارة الدولية فهو كأنه لا يراها ولا يسـمع صــوتها ، وقـد وضـح ذلـك في حـرب الجمارك العالمية التي شنَّها لفرض ما يراه العــالم أجـمــع محـضَ أتاواتٍ تفرض قسـراً على الجميع.
حتى القرارات الفنية وشبه الفـنية في إدارته، فإنَّ الرئـيس “الشّـعبوي” هــو مــن يتولاها وينطق باسـمها ، فــلا ترى مـن وزرائه ومســتشاريـــه المعـنيين ، من يشاركه إعلان تلك القــرارت، إذ اقتصر دورهم كمــا هــو واضح في شــاشـات القنوات، وهم يقــدمون له أقـــلام التوقيع، أو التفـضّل بالتصفيق لتصريحاته..

(7)
من أعجب الأعاجيب، ولربما قصد منها مُزحـة سمجة لا غـير، تطـلّـعُ الرَّجــل للحصول على جائزة نوبل للســلام، فـيما هو أول رئيس أمريكي جالــس في البـيـت الأبيـض، يُعـدّل اسـم وزارة الدفـاع إلى وزارة للحـرب . وبعد ذلك لا يتردَّد في إنشــاء تحالفٍ نشـطٍ مع رئيس وزراء إسرائيل ، الغـارق فـي أحلامه التوراتية ، لتنفـيـ إبـادة جماعية لمـن بقـي من الشعـب الفلســطيني، ومحو أرضه من خرائط الجغـرافيا. غـير أنّ الجغـرافـيــا لن تنكسر أمــام أكاذيب التاريخ، وأكبر أكاذيب الرجل مجلس عالمي للسلام ..
ثم هاهو في حرب إيران، يوافـق الرئيس الإســـرائيلي وعصبــتــه- ودون مبرّر مُقـنع يخصَّ الشـعــب الأمـريكـي، لكي يلــعـب دور الــذيــل وإسرائيل رأس الكلـب، ليقـاتل معـها الجمهورية الإيرانيـة، في عدوان لن تجـني ثمـاره، إلا دويـلة إسرائيل وحدها، وقد أجلسها الرئيس “الشّعبوي” فـي مقــام “دولة كبــرى”.
إنَّـه لممَّـا يثير العجب، أن يدَّعِي رئـيس تلك الدولة الكبرى، أنّـهُ مـن أوقـف قدراته ومقــدرات دولته لحماية بلـدان الخـليـج العربي ، فـإذا كذبته البلغاء لم تخفِ رغبته في أن يقـيّدهم وكلاء عنه يقاتلون معه في حـرب لا تعنيهم في شيء. لم يقـف الأمـر عند ذلك، بل بلـغ السَّــفـه ذروته عـند ذلـك الرئيـس الشعبوي في محــاولة لانتقاص مقام أميــر عربي سامي المقـام، ببذاءة يسـتنكف حتى “الشوارعية” عن النطــق بها في الشّـوارع، إلا مــن أسافل الناس، ومن مثل رفاقه الأقربين من نوع الهالـك “إبســتين”. لربما يتململ “هولاكو” في قبره، إن بلغه أنّا شبهناه بـِ”شعبوي” القرن الحـــادي والعشرين..

9 /4/2026

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

حـرب 2026 ونبـوءة شـارل مـالـك

جمال محمد ابراهيمفيما نتابع مجريات الحرب الإسرائيلية الأمريكية الإيرانية، منذ صبـيحـة اليــوم الأخيرمن شهر فبراير/شباط …