بقلم الريح علي الريح
لم تضع الحرب أوزارها مؤقتًا، بإعلان وقف إطلاق النار او هدنة بمراقبة دولية ومحلية، بين الجانبين، لمدة حتى يتم ايصال الاحتياجات الانسانية الضرورية للمحتاجين، كما يتخلل الهدنة بدء مفاوضات جادة وملزمة ومضمونة بين الطرفين، للوصول لاتفاق نهائى وسلام طويل الأمد ، ولكن الطرفين في خزيهم وطغيانهم يعمهون.
أتساءل متى تضع الحرب أوزارها؟ والإجابة: عندما يحسم أحد أطرافها المعارك بالنصر واعلان الطرف الاخر الخضوع والاستسلام، أو عندما يعجز الطرفان عن حسم خلافاتهما وتحقيق أهدافهما بالقوة العسكرية، وعندها تكون مائدة المفاوضات هى الطريق لتحقيق الأهداف والسلام الدائم. او بتدخل دولي عالي المستوى، وهذه كلها حلول مؤقتة سرعان ما نعود بعدها لنقطة الصفر.
الحل يكمن في نهوض الحركة الجماهيرية وتماسكها من اجل تحقيق السلام، والسلام لا يستديم الا بالنظام المدني الديمقراطي.
وفى هذه الحرب ذهب الطرفان الى اقصى درجات التطرف والبطش بالشعب السوداني إلى مدى غير مسبوق فى العصر الحديث، وكل طرف يفترض انه على حق وان بالضغط على الشعب السوداني يتم استسلام الطرف الاخر، وبذلك تحقيق أهدافهم وقوتهم مسلطة على الشعب ولا وجود للقوة العسكرية في ساحة المعارك، فقد حبس الشعب السوداني أنفاسه بما فيه الكفاية منتظرا نهاية الحرب والعبث. الملاحظ يجد ان كل المعارك كانت تستهدف قصف وتدمير البنية التحتية للشعب السوداني بدءا من المستشفيات ومنازل المواطنين!! اعيدت البلاد للعصر الحجرى، وتم القضاء على الحضارة السودانية، وقوبل ذلك بمقاومة ايجابية من الشعب السوداني واصبح اكثر تماسكا وكلما زادت تهديدات الحرب زاد الشعب السوداني براعة في المقاومة, وهذا يعتبر رداً غير مسبوق على دعاة الحرب ، يكتب بمداد من نور في تاريخ البلاد.
خرج طرفا الحرب من مستقبل البلاد ودخلوا تاريخ السودان عبر اوسع الابواب بأوسخ الافعال وأقذرها، لا مكانة لهم في مستقبل البلاد ولو أعلنوا وقف إطلاق النار من الجانبين، وقبلوا التحقيق والمحاكمات كأساس للسلام القادم، لانه لا تفاوض للوصول لاتفاق نهائى يحقق سلامًا طويل الأمد دون الاستجابة الحقيقية لمطالب الشعب السوداني.
من جانب اخر نجد الحرب علمت السودانيين مستقبلا الترحيب الحذر بجهود دول الاقليم في كل النواحي، حتى لو سعت دول الاقليم لوقف إطلاق النار وتوصيل الحوجات الانسانية، لان أمل الشعب فى تثبيت الهدنة وليس في المكر والحلول المؤقتة البائسة.
ينادي البعض المجتمع الدولي كوسطاء لاجتياز المفاوضات المباشرة بين الطرفين، للوصول إلى اتفاق عادل نهائى يحقق السلام ويضمن الحقوق المشروعة لدول المنطقة، هكذا هؤلاء الخرساء في كل مرحلة لايسمعون آلام الشعب السوداني! ولكن على كل من يراعي مطالب الشعب السوداني عليه النظر بعمق لدروس الحرب، والمواقف ولمجريات الأحداث واحتمالاتها، للعمل على اتخاذ التدابير اللازمة لضمان الأمن والسلم الإقليمى وقبل ذلك المحلي.
أولى دلالاتها، أنه رغم الجهود المضنية للوسطاء، خاصة الرباعية والخماسية والولايات المتحدة والسعودية، ورد الفعل الرافض عالميًا للحرب لم يثنيهم عن المضي في الحلول العسكرية.
ثاني دلالاتها: مطالب فلول النظام البائد والمتمثلة في تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية طويلة المدى، وافلات من العقاب، يهدفون بذلك لعدم تفكيك نظام الإنقاذ في كافة هياكله، السياسية والاقتصادية والقانونية ، وترك كافة الهياكل والتدابير الإدارية والقانونية التي اتخذتها سلطتي الأمر الواقع في بورتسودان ونيالا أثناء الحرب وهدم ما تبقى من الخدمة العامة بشقيها المدني والعسكري بما يضمن ولاءها لهم للقيام بمهامهم وواجباتهم على الوجه الطفيلي الذين يريدون. وهذا سبب لتمسك كل منهم للحل العسكري.
والمدقق يخلص إلى أن بعض القوى السياسية منذ بداية الفترة الانتقالية وقبل اندلاع الصراع المسلح، حذرت وسعت للتنبيه لخطر وجود عناصر النظام البائد في المناصب الحساسة، لاتخاذ الخيار القانوني وفق شعارات ثورة ديسمبر كسبيل لتجنيب البلاد والمنطقة والعالم ويلات الانقلابات العسكرية والحرب، وهو ما أكدته الايام ولم تجد تحذيراتهم آذانا صاغية لان الجميع كان مشغولا باقتسام الكيكة .
ولم يتوقف الفلول عند اندلاع الصراع المسلح على النهب والشفشفة والنظر لمجريات الاحداث، ولكن نجدهم بذلوا جهودا مضنية لزيادة تصعيد وتيرة الحرب، ومازالوا يسعون الى توريط السودان والدول المجاورة فى المواجهة المسلحة بين طرفيهم، مع الرفض القاطع للسلام وتقديم كل مافي يدهم من اجل استدامة الحرب والعنف.
زادت الطين بلا دولة الامارات حيث اجتهدت مع الفلول في اجهاض الثورة وفي اشعال نار الحرب سعيرا ولعبت دورًا محوريًا فى الكواليس والعلن لاطالة امد الحرب، بدعم المليشيا دبلوماسيا واعلاميا وبالسلاح والعتاد لذلك على الدوام يجب المطالبة بضرورة وقف التدخلات الخارجية في الشأن السوداني وعدم تزويد طرفي الحرب بالسلاح والعتاد الحربي، وضرورة استخدام الآليات الدولية والاقليمية اللازمة لمنع ذلك.
بالمقابل لم ترحب مصر بالتطور الإيجابى في السودان بعد الثورة عبر سفارتها في الخرطوم او عبر وزارة خارجيتها، اومن خلال تصريحات الرئيس عبدالفتاح السيسى حتى ولو على صفحته الرسمية في تويتر او فيسبوك، ولا حتى دعوة الله عز وجل أن يكلل ذلك التطور الإيجابى بالسلام والوئام فى السودان واستعادة الأمن والاستقرار فيه، وتحقيق ما يتطلع إليه شعب السودان من تنمية وازدهار ولكن كان موقفهم في صف العسكر وهذه رسالة بالغة الأهمية وهم اليوم ضد المليشيا في صف الجيش ولهذا موقفهم مشابه لموقف الامارات ولا يختلف عنه.
الامارات تفوقت على مصر حيث احتضنت بعض قيادة قوى الحرية والتغيير ومن ثم احتضنتهم جميعا. وهكذا يتضح ان كل دول المنطقة تحدد موقفها في أي تغيير في السودان بناء على المصالح التي اعتادوها من الانظمة العسكرية التي حكمت البلاد ولا يهمهم شعب السودان.
حتى دولة جنوب السودان قيادة وشعبًا تواصل بذل كل جهد متذبذب وغير صادق لدعم السودان بهدف إنهاء الصراعات وإرساء السلام العادل والشامل فى منطقتنا والعالم بأسره. لانها تعاني الصراعات والانقسام فكيف تكون عريانة وتكسي غيرها؟!
الحقيقة أن شعب السودان فى اللحظات الفاصلة من عمره، يقف ولا يزال ممشوق القوام لاتهزه الرياح كما جبال مرة وتوتيل والبركل وكرري، انطلاقًا من جذور حضارته الضاربة فى عمق التاريخ اكثر من عشرة آلاف عام، تنبع مواقفه من إدراك حجمه ودوره وعصارة حكمة الحضارة منذ ترهاقا وكوش، التى استخلصها من التجارب والأحداث المتعاقبة على عقود من الأجيال منذ السلف وحتى الخلف وحتى يوم يبعثون.
شعب السودان متمسك بتلابيب السلام والديمقراطية والتنمية والعدالة كرباعية لا غنى منها، ويستثمر ويزرع بصبر فى أمنه واستقراره وقدرته الشاملة، مستدرك أبعاد ومحددات هويته القومية والمتداخلة مع دوائر الهوية القومية العربية والإسلامية والإفريقية وخصائصه المحلية التي تجعله نسيجا وحده، مستدرك أن منتهى الصراعات إلى مائدة المفاوضات، مع وضع قدرة كافية لردع الفلول ومن شايعهم وذلك أهم بكثير من الانخراط فى الصراع ذاته وعينه ساهرة تحرس مكتسباته.
لذلك دائمًا ما تأتي الدعوة لبناء اوسع جبهة للديمقراطية والسلام وهي قوة ردع سودانية للحفاظ على النظام المدني الديمقراطي ذاتيا دون الحوجة للخارج، وها هى الحرب الأخيرة أثبتت للشعب السوداني تورط المجتمع الاقليمي والدولي في الحرب بين الجيش والمليشيا.
السلام أمل منشود ويسعى إليه شعب السودان دائمًا، لكن مع وجود قوى ذات أطماع إقليمية وفى مقدمتها الكيان الصهيونى والامارات وغيرهم فإن تعزيز القدرة الشاملة السودانية باصلاح الاجهزة الامنية والعسكرية والاقتصادية والسياسية كفيل بردع من تسول له نفسه الإضرار بالأمن القومى السودانى، وبالتالي فان الترتيبات الأمنية يجب أن تشمل حل الدعم السريع وجيوش الحركات المسلحة وكل المليشيات الأخرى، وقيام الجيش المهني الموحد الذي يعمل تحت إشراف الحكومة المدنية.
وهنا لابد الاشارة ولفت الانتباه إلى ضرورة أن يتضمن أى اتفاق يخلص إليه اي مؤتمر او ورشة او مفاوضات الى إلزام طرفي الحرب بتسهيل وصول المساعدات الإنسانية دون إعاقة الي جميع أنحاء السودان وعبر جميع الطرق والسبل وعدم وضع العراقيل.
كما يجب التأكيد على حماية المدنيين وفقا للقانون الدولي الإنساني والامتناع عن الهجمات الجوية والبرية والعشوائية على البنى التحتية المدنية وهذا هو الامن القومي في اجل معانيه.
واضح ان تنظيمات صمود قيادة وقواعد لا تصغي إلى صوت العقل، ولا تعلي من قيم الإنسانية والحرية والسلام والعدالة. لانها واقعة في حضن الامارات المتورط في حرب السودان.
ولابد من استثمار السودان فى القدرة البشرية والعلم وذلك امر بالغ الأهمية خصوصا وان النظام البائد وحصاره للشعب السوداني بالقوانيين المقيدة للحريات وصراعاته على مدار ثلاثين عامًا، لذلك لم يستطيع الفلول بناء كوادر بشرية وعلماء وامتلاك تكنولوجيا وصناعة للصواريخ والمسيرات والسلاح ما لم يمكنها من امتلاك قوة ردع رغم ان الميزانية كلها مخصصة للامن والدفاع وهذا ما كشفته الحرب من اختراقات وضعف وهشاشة في كافة النواحي.
استثمار السودان ومستقبله في بناء السلام والديمقراطية والتنمية المتوازنة.
لا شك أن الجميع رأى كيف ماجت المنطقة بالصراعات الدامية، بعد الثورات والخسائر الفادحة، فى حين كانت ثورة ديسمبر ورغم الضغوط الاقتصادية والهجمات الشرسة قد مثلت باعتصامها امام القيادة العامة واحة للأمن والسلام، وجعلت مجالها مقصد لجميع سفراء العالم، واصبحت كلمتهم مسموعة فى مختلف المحافل الدولية والمحلية، واصبحت لهم علاقاتهم الدبلوماسية منطلقة من قاعدة التوازن الاستراتيجى واخذ الخبرة والتجارب، ولكن قيادة الفترة الانتقالية ما كانت بنفس القدرة على التحدي ولم تسعى لاستثمار الفرصة وبناء الكادر البشري والبنية التحتية من موانئ ومناطق لوجيستية ومخازن الحبوب والغلال، ليصبح السودان مركزًا لوجيستيًا عالميًا لتجارة الغذاء وغيره. ولكن ظلت احلامها ضيقة وطموحاتها بسيطة.
هذه الحرب فى عكست أهمية السودان الجيوسياسية والاقتصادية، بما يتمتع به من إمكانيات عظمة برغم ضعف البنية التحتية وعدم القدرة على تحقيق الأمن والاستقرار ووجود القوانين المقيدة للحريات، وربما بقليل من الجهد يصبح السودان قبلة للاستثمار الآمن ومركزًا لوجيستيًا من بينها المجالات التجارية الاستثماريّة فى الأمن الغذائى مع استكشاف فرص جديدة للتعاون المشترك مع دول العالم لذلك فان إنهاء الحرب ومسبباتها وقيام النظام المدني الديمقراطي واستقراره لا يتم الا بالعودة الي مسار ثورة ديسمبر المجيدة وتحقيق الأهداف والشعارات التي قامت من أجلها.
والأهم حكمة شعب السودان، وصدقها فى دعمها للأشقاء ومساعدتهم على احتواء أزماتهم واستعادة قدرة مؤسساتهم الوطنية بشرف وأمانة، وهو ما لم يظهر أثره فى كل الاتفاقات الدولية السابقة التي لم تستفد منها الشعوب وكانت تصب في نهج استدامة الدكتاتورية والانظمة القمعية، ولم تكن ردود فعل الشعوب ايجابية او سعيدة بهذا النوع من الاتفاقات والتعاون.
وهنا يتضح معنى قيمة السودان الذى يدعم الأشقاء والأمن القومى العربى والافريقي واستعادة قوة القومية الوطنية بكل إخلاص وصدق، رافضا أى تدخلات خارجية فى الدول الافريقية والعربية التى تشهد خلافات أو صراعات. ورافضين وجود الكيان الصهيوني.
مستقبل السودان واستثماره فى العدالة والديمقراطية والمدنية والسلام والاستقرار، وهذا أعظم استثمار، اليوم ربما يدرك الجميع أهمية ما أنفقه المستعمر لتنمية بنيتنا التحتية وتعظيم قدرتنا خدمة لمصالحه، وفي المستقبل نحن لا ندعم الأشقاء الذين شهدت بلدانهم هزات لاستعادة قوة الدولة الوطنية بتصدير نظامنا وانما بالتعاون معهم ضد اعداءنا، لعل الأشقاء يشاركون السودان فى تعزيز القدرة على الحماية التى تتعاظم بقوة الدول منفردة وفقا لواقعها ومستقبلها وبتضامنها مجتمعة.
اكتب مستضيئا بنار الحرب بين الجيش ومليشيا الدعم السريع التي لم تنطفي بعد، وهي حتى الان فى لحظة ذروة ومستمرة حتى كادت أن تعصف بالأمن الإقليمى بل اصبحت مهدد للسلم العالمي، وتضاعف من ارتداداتها الأمنية والاقتصادية، على المشرق الافريقى ومحيطه الجيوسياسى، والذى يعانى آثارًا سلبية للحرب العبثية.
elryahali@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم