الخدمة العامة في السودان: تطوراتها وتأثيرها على سلوك المجتمع

د. نازك حامد الهاشمي
تشكل الخدمة العامة في السودان) كغيره من الدول الأخرى) محورًا أساسيًا لفهم العلاقة بين الدولة والمجتمع، إذ تعكس جودة وكفاءة المؤسسات الحكومية مستوى التفاعل بين الإدارة العامة وسلوك المواطنين. وعلى مدى العقود الماضية، واجه السودان تحديات كبيرة في تطوير خدمته العامة، فقد ساهمت البيروقراطية المتجذّرة وضعف التخطيط الاستراتيجي وتعقيد الإجراءات في تدني جودة الخدمات الأساسية، وسائر مناحي الخدمة العامة وانخفاض فاعليتها في تلبية احتياجات المواطنين. وقد دفع هذا الواقع الكثير من الناس إلى البحث عن بدائل غير رسمية، سواءً عبر شبكات التواصل القبلية والاجتماعية، أو الاعتماد على القطاع الخاص، أو اللجوء إلى الوساطات (أو غيرها من الوسائل “المبتكرة”) لتجاوز التعقيدات الإدارية.
مع تعدد الأنظمة الحاكمة وأيديولوجياتها المتباينة، شهدت الخدمة العامة بالسودان تقلبات كبيرة؛ فقد حاولت بعض هذه الأنظمة فرض المركزية الإدارية دون وجود تنظيم إداري فعّال، ما أدى إلى ضعف مؤسسات الدولة المحلية وإضعاف آليات المساءلة. وغالبًا ما كان التوظيف في الخدمة العامة (خاصة في الوظائف العليا) قائمًا على الولاءات السياسية والمحسوبية، وهو ما أثر سلبًا على كفاءة الأداء العام للقطاع الحكومي. وانعكس هذا الوضع على سلوك المجتمع، حيث أصبح المواطنون يعتمدون بشكل أكبر على الوساطات للحصول على الخدمات، وبرزت ممارسات غير رسمية تعكس فقدان الثقة في المؤسسات الحكومية. وقد أظهرت هذه الفترة أن البيروقراطية المشددة مع غياب الشفافية يمكن أن تقود إلى تدهور العلاقة بين الدولة والمجتمع، مما يضعف الالتزام بالقوانين ويزيد الميل إلى الحلول الفردية أو غير الرسمية.
ولا يقتصر أثر الخدمة العامة على تقديم الخدمات الأساسية فقط، بل يمتد ليشمل تشكيل ثقافة الالتزام بالقوانين وتعزيز المشاركة المدنية. فعندما تكون المؤسسات الحكومية كفؤة وشفافة، يزداد مستوى الثقة في الدولة ويرتفع التعاون والالتزام بالسياسات العامة. إن العلاقة بين الخدمة العامة وسلوك المجتمع في أي دولة علاقة متبادلة التأثير، حيث يشكل كل منهما عاملًا حاسمًا في تطور الآخر؛ فالخدمة العامة الفعّالة تدعم السلوك الإيجابي وتبني الثقة، بينما تعزز السلوكيات الاجتماعية المنضبطة والواعية قدرة المؤسسات الحكومية على الأداء بشكل أفضل. ومِنْ ثَمّ، فإن أي استراتيجية إصلاحية تهدف إلى تحسين الخدمة العامة يجب أن تراعي البعد الاجتماعي، بحيث يضمن تطوير المؤسسات الحكومية نشر ثقافة الالتزام والمشاركة المدنية، والوصول في النهاية إلى مجتمع أكثر استقرارًا وتفاعلًا مع الدولة.
لقد تأثرت الخدمة العامة في السودان بشكلٍ كبير بالتحديات الاقتصادية والسياسية المركبة، بما في ذلك الانقسامات الإدارية بين المركزية والمحليات، ونقص الموارد المالية، وضعف الكفاءات المدربة. وقد أدت تلك الظروف إلى استمرار تدهور بعض الخدمات الأساسية، خاصة في المناطق بصورة متباينة، مما انعكس على سلوك المجتمع وجعله أكثر اعتمادًا على الوساطات لتلبية حاجاته الخدمية. وفي المقابل، ظهرت بعض مؤشرات التحسن نتيجة الجهود المبذولة لإدخال نظم تكنولوجية حديثة وتحسين إدارة الموارد البشرية، ما ساعد على تبسيط بعض المعاملات وتسهيل الوصول إلى الخدمات، وإن لم يكن ذلك كافيًا بعد لتحقيق الكفاءة الشاملة.
يمكن القول بإن تطور الخدمة العامة في السودان ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالأنظمة السياسية والظروف الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد. وقد تركت كل مرحلة أثرًا واضحًا في جودة الخدمات وسلوك المجتمع؛ إذ تعزز الخدمة العامة الفعالة الثقة بالمؤسسات الحكومية، وتشجع المواطنين على المشاركة المدنية والالتزام بالقوانين، في حين يؤدي ضعفها إلى تفشي السلوكيات غير الرسمية (الفاسدة في معظمها) وتراجع الثقة بين الدولة والمجتمع. لذلك لا يمكن دراسة أداء الخدمة العامة وفشل أو نجاح الأنظمة السياسية بمعزل عن البنية القبلية للمجتمع، التي تشكل جزءًا أساسيًا من النسيج الاجتماعي في السودان. فالمجتمع السوداني يعتمد على روابط قبائلية قوية، تفوق في الغالب الأعم الولاءات الأسرية والانتماء المؤسسي أو الوطني، وهو ما يخلق نمطًا خاصًا من السلوك الاجتماعي تجاه المؤسسات الحكومية. وحتى في الفترات الديمقراطية القصيرة التي مر بها السودان، كان قصر مدة تلك الحكومات وعدم الاستقرار السياسي قد جعل المؤسسات الحكومية عاجزة عن فرض نظام إداري فعال، وهو ما دفع المواطنين إلى اللجوء إلى شبكاتهم القبلية والحزبية للحصول على الخدمات الأساسية، بحيث تعوّض الولاءات القبلية عن ضعف الدولة، وتصبح الوساطات القبلية أداةً رئيسيةً للحصول على الحقوق والخدمات. وعلى الرغم من التأثير التاريخي العميق للبنية القبلية في السودان على تشكيل أنماط توزيع السلطة وإتاحة الوصول إلى الخدمات العامة، فإن الاعتماد المستمر على هذه الولاءات بوصفها آلية بديلة لمؤسسات الدولة يعكس خللًا بنيويًا في أداء الأجهزة الحكومية وضعفًا في قدرتها على تحقيق العدالة والكفاءة في تقديم الخدمات. ولا يقتصر أثر هذا الاعتماد على إضعاف مؤسسات الدولة فحسب، بل يمتد ليقوض مبدأ سيادة القانون، ويكرّس أنماطًا من التمييز وعدم المساواة بين المواطنين، حيث تصبح فرص الحصول على الموارد والخدمات مرتبطة بالانتماء القبلي و/ أو الاجتماعي عوضاً عن الاستحقاق القانوني.
ومن المراجع البحثية المهمة في شأن الخدمة العامة في أفريقيا، يبرز كتاب “الخدمات العامة في أفريقيا : التحديات ورؤية للمستقبل” الصادر عن الرابطة الأفريقية للإدارة العامة والتنظيم (AAPAM) والذي نشرته دار فيكاس في نيودلهي عام 1984م. يسلّط هذا الكتاب الضوء على التحديات البنيوية التي تعيق تقديم خدمات فعّالة، مثل محدودية الموارد، وضعف البنية التحتية، وغياب الشفافية، وتفاوت القدرات المؤسسية بين الدول. كما يناقش الكتاب دور الحوكمة الرشيدة، والتحول الرقمي، والإصلاح الإداري في تحسين جودة الخدمات وتعزيز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
ويكتسب هذا الكتاب أهمية خاصة عند دراسة تجربة السودان، إذ يقدم إطارًا تحليليًا شاملًا للتحديات البنيوية التي تواجه الدول الإفريقية، مما يتيح فهم السياق الأوسع الذي تندرج فيه هذه التجربة. فالاستفادة من التجارب الإفريقية الأخرى تسهم في إجراء مقارنات منهجية حول المشكلات المشتركة، مثل محدودية الموارد، وتعقيدات البيروقراطية، وضعف الكفاءات المؤسسية، وفي الوقت نفسه تبرز الخصوصيات المحلية التي تميز كل دولة، بما في ذلك الحالة السودانية، حيث يظهر تأثير البنية القبلية بوضوح في سلوك المواطنين وأنماط إدارة الخدمة العامة.
وقد بدا لي أن هذا المرجع من المراجع المهمة بالفعل، إذ أن تناول تجربة السودان في هذا الكتاب يُعد مدخلًا تحليليًا لفهم أبعاد الإصلاح الإداري ضمن السياق الإفريقي، والاستفادة من الدروس المستخلصة من التجارب المقارنة في تصميم استراتيجيات إصلاحية أكثر فعالية. كما يبرز إسهام الكاتب بنتل M. A. Bentil في تقديم قراءة تحليلية لتجربة السودان ضمن إطار المقارنات الإفريقية، بما يعزز من القيمة العلمية لهذا العمل.
ويقدّم الكتاب أيضًا نماذج ناجحة من التجارب الإفريقية التي استطاعت تجاوز بعض العقبات من خلال سياسات مبتكرة تعتمد على المشاركة المجتمعية، وتطوير الكفاءات، وتحسين إدارة الموارد. وفي القسم الأخير، يطرح رؤية مستقبلية لقطاع الخدمات العامة قائمة على تبني التكنولوجيا، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتنمية رأس المال البشري لضمان خدمات أكثر مرونة وعدالة واستدامة. ويهدف الكتاب إلى تزويد صانعي السياسات والباحثين والمهتمين بالشأن العام بإطار معرفي يساعدهم على فهم التحديات الجوهرية وفتح آفاق جديدة لإعادة تشكيل الخدمات العامة بما يتناسب مع تطلعات الشعوب الإفريقية والتنمية المستدامة.
وفيما يخص تجربة السودان، فقد أظهر الكتاب أن الخدمة العامة كانت تعاني من تفشّي ظاهرة البيروقراطية، ومن ضعف الكفاءات وانخفاض الإنتاجية، إلى جانب غياب التخطيط الاستراتيجي وانتشار الروتين المعقد، مما أعاق تقديم خدمات فعالة للمواطنين. كما كان التوظيف غالبًا قائمًا على المحسوبية والانتماءات السياسية عوضاً عن الكفاءة، ما أسهم كثيراً في ضعف الأداء العام للقطاع الحكومي. وقد هدفت الإصلاحات إلى تحسين الكفاءة والشفافية في المؤسسات الحكومية، وتطوير قدرات الموارد البشرية من خلال التدريب وإعادة الهيكلة، وتعزيز حوكمة الخدمة العامة وربط الأداء بالمساءلة، كما أبرزت تجربة الكاتب أهمية بناء القدرات البشرية ودور التدريب في تحسين الأداء.
وشملت استراتيجيات الإصلاح إعادة هيكلة الوزارات والإدارات لتقليل الطبقات البيروقراطية، وتبني نظم تقييم الأداء للموظفين وربط المكافآت بالإنجاز، بالإضافة إلى تطوير برامج تدريبية مستمرة لبناء قدرات العاملين في الإدارة العامة، وتشجيع استخدام التكنولوجيا لتحسين معالجة المعاملات وتسهيل الوصول إلى الخدمات. غير أن هذه الإصلاحات واجهت تحديات، أبرزها مقاومة التغيير من بعض الموظفين الذين “اعتادوا” على الوضع القائم، إضافة لضعف التمويل، والاعتماد على المساعدات الخارجية في بعض برامج التدريب، بالإضافة إلى التفاوت في تطبيق السياسات بين العاصمة والمناطق الريفية. وقد أظهرت تجربة السودان أن الإصلاح الإداري يحتاج إلى رؤية طويلة المدى واستراتيجية شاملة، وأن المشاركة المجتمعية ودعم القيادة السياسية يمثلان عنصرين ضروريين لنجاح أي تغيير.
ومع ذلك، يمكن الإشارة إلى أن بعض الحلول المطروحة في الكتاب عند تناول تجربة السودان، وعلى الرغم من أهميتها النظرية، قد لا تراعي بالشكل الكافي الخصوصيات الجغرافية والاجتماعية المتباينة داخل الدول الإفريقية. فالسودان على سبيل المثال يتميز عن غيره من الدول باتساع مساحته الجغرافية وتباعد أطرافه، إضافة إلى وجود أنماط سكانية متنوعة تشمل مجتمعات مستقرة وأخرى رعوية متنقلة، وهو ما يجعل تطبيق نموذج موحد للحكم المحلي أو تقديم الخدمات العامة أمرًا بالغ التعقيد. وبالتالي فإن نجاح سياسات الإصلاح الإداري يتطلب مقاربةً أكثر مرونة تأخذ بعين الاعتبار طبيعة كل منطقة وخصائص سكانها، عوضاً عن الاعتماد على تصورات عامة قد لا تنسجم وتتوافق تماماً مع الواقع المحلي. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري أن يقوم الحكم المحلي على دراسة دقيقة للتركيبة السكانية وأنماط المعيشة في كل إقليم، بحيث تُصمم الخدمات العامة وفق احتياجات فعلية تختلف من منطقة إلى أخرى، سواء كانت مناطق حضرية أو ريفية أو رعوية. فإهمال هذه الخصوصيات قد يؤدي إلى فجوة بين السياسات المطبقة والواقع الميداني، مما يحد من فعالية الإصلاحات ويقلل من قدرة الدولة على تحقيق العدالة في توزيع الخدمات.
يمكن القول إن مسار الإدارة العامة في السودان منذ الاستقلال اتسم بتقلبات واضحة بين المركزية واللامركزية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على كفاءة وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين. ففي بعض المراحل، تم نقل صلاحيات محددة إلى المستويات المحلية عبر المجالس، بينما تركزت السلطة في مراحل أخرى بصورة حدّت من قدرة هذه المجالس على إدارة الموارد والخدمات باستقلالية وفعالية. وقد أدى هذا التذبذب إلى إضعاف مؤسسات الحكم المحلي في كثير من الأحيان، في حين أظهرت تجارب اللامركزية إمكانيات ملموسة لتحسين الاستجابة لاحتياجات المجتمع وتعزيز المشاركة، خاصة عندما اقترنت بدعم مؤسسي وتمويل كافٍ.
ومن هنا، فإن تحقيق إصلاح مستدام للخدمة العامة يتطلب تبني نهج متوازن يجمع بين دور المركز في توحيد السياسات وإدارة الموارد الكبرى، ودور المحليات في الاستجابة المرنة لاحتياجات المجتمع، وذلك من خلال تمكينها بالصلاحيات والموارد اللازمة، إلى جانب تطوير قدرات الكوادر البشرية، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة لتحسين كفاءة الأداء الحكومي.
وفي هذا الإطار، يبرز بناء المحليات كركيزة أساسية لأي إصلاح حقيقي، إذ يتجاوز مجرد نقل الصلاحيات إلى إعادة هيكلة شاملة تشمل الجوانب التنظيمية والمالية والبشرية. ويستلزم ذلك دعم الاستقلالية الإدارية والمالية، وتمكين المحليات من إعداد وتنفيذ خطط تنموية تستجيب لاحتياجات السكان، مع الاستثمار في تأهيل الكوادر ورفع كفاءتها في التخطيط وإدارة الموارد ومتابعة تنفيذ المشاريع. كما يتطلب هذا التوجه تطوير نظم فعّالة للمساءلة والرقابة تضمن حسن استخدام الموارد، وتوجيه اللامركزية نحو تحسين الأداء الحكومي. ويسهم إدماج التكنولوجيا، بما في ذلك أنظمة الإدارة الرقمية والخدمات الإلكترونية، في تقليل البيروقراطية وتسريع تقديم الخدمات. ومن خلال هذا التمكين المتكامل، يمكن تحقيق تنمية أكثر توازنًا بين المناطق، وتقليص الفجوة بين المركز والأطراف، وتعزيز شعور المواطنين بالعدالة والمشاركة.
وإجمالًا، يمكن القول بأن نجاح الإصلاح الإداري يرتبط بقدرة الدولة على تحقيق توازن فعّال بين المركزية واللامركزية، بما يضمن كفاءة الأداء، وعدالة التوزيع، واستدامة التنمية.

nazikelhashmi@hotmail.com

عن د. نازك حامد الهاشمي

د. نازك حامد الهاشمي

شاهد أيضاً

الاقتصاد السوداني والعقود المفقودة

د. نازك حامد الهاشميلم تكن إفريقيا قبل دخول القوى الاستعمارية الأوروبية أرضاً خالية من الأنظمة …