استراتيجية التلاعب بالعقول.. ثلاثة أعوام على حرب السودان الكبرى!

لم أعثر على وصفٍ ساخرٍ من الحرب أقسى من عبارة ((كل شيء هادئ في الميدان الغربي)) التي انهى بها للروائي الألماني أريك ماريا مارك، روايته (كل شيء هادئ في الجبهة الغربية)، والتي نُشرت في عام ١٩٣٠ كأقوى إدانة للحرب العالمية الأولى، كان الكاتب قد التحق مقاتلاً ضمن المقاتلين الذين شاركوا طوعاً مع جيش بلاده خلال تلك الحرب، فيما بقيت هذه الرواية مطبوعةً في ذهني منذ أن قرأتها عندما كنتُ تلميذاً في المدرسة المتوسطة.

سبحت الرواية ضد التيار الشعبوي الجارف حينها في ألمانيا، ونزعت غطاء النفاق عن “السرديات الكذوبة” للحروب، وفضحت زيف الشعارات البراقة، وبيَّنت خطل الدعاية المبنية على تغييب العقول؛ إذ أرسل كاتب التقرير رسالته المشفَّرة للقيادة كاذباً بأن ” كل شيء هادئ في الميدان الغربي، في وقتٍ كان فيه بطل القصة وساردها يلفظ أنفاسه الأخيرة في ذات جبهة القتال الهادئة!

كمقاربةٍ بين النص الروائي وحربنا التي طوَّت عامها الثالث، نجد أن الحروب لا تُقتصر على المواجهات المسلحة، بل تمتد إلى حروبٍ فكرية وإعلامية تُستخدم فيها الكلمات والأفكار للتأثير على الرأي العام وتشكيل السرديات.
ويقول الكاتب الفرنسي ديفيد كولون، في كتابه “حرب المعلومات.. كيف تسيطر الدول على عقولنا” إلى عالمٍ مخيف تُدار فيه المعارك بوسائل غير مرئية، من صور مصمَّمة لتزرع الشكّ، إلى خبر كاذب أكثر إقناعا من الحقيقة، ثم خوارزميات تصوغ المشاعر السياسية على مقياس المصالح القومية”.
وقال الكاتب وفقاً لموقع قناة ” الجزيرة “صرنا نخوض حربا لم نحسب لها حسابا، بلا إعلان ولا جبهات ولا أعداء واضحين”. وهي حرب بلا نهاية، لأن سلاحها هو المعلومة ذاتها، ولأن ميدانها الأوسع هو الإنسان -أنت وأنا- حين نصبح الهدف والوسيلة في آن واحد”.
في رواية ” كل شيئ هادئ في الجبهة الغربة، انضم البطل مع سبعة شبابٍ لم تتجاوز أعمارهم العشرين عاماً إلى حرب المحاور والحلفاء، استجابةً للدعاية الألمانية وشعاراتها الطنانة وخطب ساستها الرنانة، وما احتوته من سرديات تدليس وقصص تضليل وتدبيج الكلام.
أو كما قال الشاعر :
أرى تحتَ الرمادِ وميضَ جمرٍ ..
ويوشكُ أن يكونَ له ضِرام
فإن النار بالعودين تُذكى ..
وإن الحرب مَبدؤها كلامُ.
وكلام الحرب في السودان بدأ منذ سقوط رأس نظام الانقاذ المخلوع عمر البشير، عبر استهداف الفترة الانتقالية؛ حيث نظم الفلول حملاتٍ منظمة عبر وسائط التواصل الاجتماعي هدفت إلى تخريب عملية الانتقال السلمي، التحول الديموقراطي، الحكم المدني، ونشطت حملات تحطيم الروح المعنوية للثوار، فقدان الثقة، اشعال نيران الخلافات، اثارة الفتنة، وخلق بلبلة وسط معسكر التيار الديموقراطي.
وما فتئت ماكينة اعلام الفلول تضخ حملاتها الكذوبة، والتي وصلت قمتها بتجمعات افطارات شهر رمضان الكريم، والتي لم تخف أجندتها في الانقضاض على الفترة الانتقالية ولو كان ثمن ذلك احراق كل البلادّ.
كانت تلك أولى مؤشرات الحرب اللعينة، بل مثَّلت شرر نارٍ ظلَّت مخبوءًة تحت رماد داخل نفوسٍ مشحونة، وبرزت تلك المؤشرات من ذات الجماعة التي مارست الاسقاط النفسي، كآليات دفاعية بغرض الهروب من تحمل نتيجة التورط في اضرام نار الحرب، فسعت إلى ” تجريم جهات أخرى وتحميل المسؤولية للقوى المدنية عبر خلق أكاذيب والنفخ في روحها فتسري سريان النار في الهشيم، وتصبح سرديتهم الكذوبة حقائق.
استخدم الإسلاميون استراتيجية ” التلاعب بالعقول”، وهي عملية معقدة تتضمن استخدام تقنيات نفسية واجتماعية وتكنلوجية بهدف للتأثير على وعي جمهور المستهدفين، والسيطرة على مشاعرهم وسلوكهم؛ وبالتالي تشكيل مواقفهم السياسية والاجتماعية.
وتتبع الاستراتيجية وسائل تقنية حديثة مثل وسائط الاتصال الاجتماعي لنشر وتكرار نشر أخبار وفيديوهات وصور معينة، وإطلاق شائعات تكون النفوس مهيئة لتصديقها استناداً على التفكير الرغائبي أزمنة الكوارث الطبيعية والبشرية والحروب، كما تستخدم الاستراتيجية مؤثرات نفسية لاثارة مشاعر الخوف، والغضب في نفوس الجماهير المستهدفة.
وتستغل هذه الاستراتيجية ” قيم اجتماعية معيارية معينة تشكل مبادئ عامة للمجتمع مثل قيم ” الشرف والعرض والكرامة” وتمارس ضغوط مجتمعية على المستهدفين تصل ذروتها بالابتزاز العاطفي ، والدمغ ببصمات ” الخيانة، و العمالة والارتزاق”.
تؤدي استراتيجية ” التلاعب بالعقول” إلى ارهاق العقل وفقدانه للتركيز فيذوب عقل الفرد في عقل المجموع، فيمارس ” آليات دفاعية” تماهياً مع السائد؛ وبالتالي تسهل عملية السيطرة فيصاب حينئذٍ بما يمكن نسميه متلازمة “قصور التفكير الجدلي” فيتعامل مع المسائل بثنائية ( أسود وأبيض) والعزل والفصل بين المقدمات والنتائج، أو بين الأحداث والأسباب.

استدل هنا بكيفية التعامل مع تحذيرات صدرت من القيادي بالتجمع الاتحادي بابكر فيصل، من الفشل في التوصل إلى تسوية عبر الاتفاق الاطاري، وبدلاً من فهم التصريح مثلما أراد فيصل، نشطت آلية الدعاية الإسلامية في اخراج التصريح من سياقه الصحيح، ونشطت مواقعهم الاسفيرية في نشر حديث الرجل على صيغة تهديد ” الاطاري أو الحرب” بدلاً عن التحذير!

المؤكد أن كل من سمع حديث فيصل، كاملاً أدرك أنَّ القصد كان ” التحذير من وقوع الواقعة، وليس التهديد بها”، هذا مثل أن تحذر أنت أهل منطقة تشهد تردياً بيئياً يتوالد ويتكاثر فيه الناموس؛ فتقول لهم ” إما أن تجففوا المستنقعات أو ستهلككم الملاريا”، أو مثل أن تحث الدولة على دعم المزارعين؛ فتقول ” الزراعة أو المجاعة”.
لا يخفي على بصيرة أحدٍ أن اخراج الحديث عن سياقه لم يكن فعلاً بريئاً، بل كان عملاً مدروساً قُصد به التلاعب بعقول المواطنين، بالعزف على أوتار المشاعر الجياشة، مستغلين عواطف الجماهير وانفعالاتها، وخصائصها حسب تعريف الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون ، في كتابه ” سيكولوجية الجماهير” وذكر أن خصائص الجماهير هي سرعة الانفعال، النزق، والعجز عن المحاكمة العقلية وذوبان الرأي الشخصي في رأي المجموع، و غياب الروح النقدية والمبالغة في اظهار العواطف والمشاعر.
وتظل الجماهير على الدوام عرضةً للتحريض، ولدغدغة المشاعر والتخطيط لعملية التلاعب على عدادات ” العقل الجمعي، بغرض التعبئة والحشد، ويستغل المخططون عدة عناصر في عملية الحشود، وتشكيل ما يعرف بالكتلة الحرجة، ويأتي عنصرا الدين والعرق في السودان على رأس عناصر التحشيد، ورأينا محاولات استعادة التاريخ والثورة ” المهدية” والحديث عن ” عربان الشتات” حتى ينجح مخطط ” الانقسام المجتمعي”.
تزداد قوة فاعلية هذه العناصر حال ربطها بمؤامرة أجنبية، وخطر وجودي يهدد الأمة، وسبق أن استخدم زعيم النازية أدولف هيتلر في دعايته الحربية قاعدة تقول ” إذا أردت السيطرة على الناس أخبرهم أنهم في خطر، وحذرهم من أن أمنهم تحت التهديد، وأن المعارضين خونة وعملاء.
وفي حرب السودان نجح الإسلاميون في بناء سردية محكمة مستغلين سلوك قوات الدعم السريع، وهي القوة التي خرجت من رحم جيشهم، وكي تكون ” السردية” جاذبة ومؤثرة أعدوا مسرح الجريمة لها، ثم استدرجوا القوات الشريرة جنوباً من الجزيرة حتى سنار، وتركوها تفعل ما تريد، وتعبثُ بكل شيئ؛ ليظهروا هم بمظهر ” الحمل الوديع” وأنهم القوى الوطنية المنقذة، الخائفة على الوطن، والمدافعة عن كرامة انسانه. لم يهمهم ثمن ذلك؛ فليس مهماً لديهم التضحية بإنسان الجزيرة لفك حصار الحاميات العسكرية في الخرطوم، ولتسجيل نقاط سياسية عبر الحديث عن حقوق الانسان، وانتهاكات الجنجويد، ودعم القوى المدنية لذلك.
قبيل خروج الطلقة الأولى من مأسورة بندقية جندي، ظَّلت آلة الدعاية الضخمة تبعث برسائلها عبر وسائط التواصل الاجتماعي لنشر العنصرية خطاب الكراهية، وخلق الفوضى، وعسكرة الفضاء العام، والعمل على تطبيع المواطنين مع ثقافة العنف المعنوي والجسدي.

وسط هذا الهياج كان من الطبيعي أن تبهت حبال الأصوات العاقلة، وفي المقابل طفو ” سرديات التدليس والتضليل” على السطح، وتتراجع الأسئلة الباحثة عن الحقيقة، مثل لماذا كانت الحرب؟ ومن أشعل حريقها؟ وهل بدأت الحرب في صبيحة الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣وهل بدأت الحرب بانتشار قوات الدعم السريع وانفتاحها شمالاً ومحاصرتها لقاعدة مروي؟ أم بذهاب قائد الدعم السريع إلى دارفور؟، وما هي أسباب تعبئة الإسلاميين بقيادة أنس عمر، ناجي عبد الله، محمد علي الجزولي، الحاج آدم، أبراهيم محمود؟ وما هو تأثير تلك الحملات على رفع وتيرة التوتر؟ ثم ماذا عن خطابات دعاة الفتنة و” حمالات الحطب قبل الخامس عشر من أبريل؟

من أطلق الرصاصة الأولى في المدينة الرياضية؟، وما الذي أوصل قوات الجيش إلى معسكر الدعم السريع هناك في فجر ذاك اليوم المشؤوم؟ ؟ هل ثمة طرفٍ ثالث كان يدرك أن بأطلاقه الطلقة الأولى سوف تتدحرج كرة اللهب بتلك السرعة؟ وكيف برزت قوات الظَّل وكتائب ” البراء” منذ أول يومً من انفجار القتال؟ وما هو حجم التأثير الإقليمي والدولي على الحرب سلباً وايجاباً؟.
ثُمَّ ما هي علاقة ” الاتفاق الإطاري” بانفجار الحرب؟ ماذا كان يحوي الاتفاق؟؛ وهنا لا يخالجني أدنى مقدارٍ من الشك أن نسبةً كبيرة من الذين يعادونه لم يعرفوا تفاصيله، أو اطلعوا مجرد الاطلاع عليه، ولا يزالون يجهلون بنوده بعد أن صرعتهم الدعاية وجعلتهم ضحايا لعملية سطو منظم، وجريمة ممنهجة.
هناك المئات من الأسئلة التي لا يجرؤ مروجو دعاية الحرب ونافخو كيرها على اثارتها مثل ماذا تحقق من الحرب خلال ثلاث سنوات؟ كم يبلغ عدد الضحايا المدنيين؟ وكم يبلغ عدد القتلى من الجانبين؟ متى يعود اللاجئون والنازحون إلى مناطقهم؟ كيف عانى الملايين من السودانيين وامتهنت كرامتهم بسبب الحرب؟
وبما أنَّ للحرب تأثيراتها على حياة الناس ومعاشهم، فلا يمكن تجاهل الأسئلة المرتبطة بحجم الكلفة الاقتصادية، ويشمل ذلك تحطيم البنى التحتية، تدمير المصانع، فرص الاستثمار الضائعة، نهب الموارد بما في ذلك ” الذهب الدامي”، التسليح والامداد؛ لكن بدلاً من طرح مثل هذه التساؤلات يستغل دعاة الحرب ومثيرو الكراهية “استراتيجية التلاعب بالعقول” والسيطرة عليها لصالح الأجندة الحربية؛ ومن ثَمَّ تمرير سرديتهم وكتابة تقارير على مستوى” كل شيء هادئ في هذا البلد المفجوع.

عن فايز الشيخ السليك

شاهد أيضاً

حمار جحا!

لما جحا ردف ولده فوق ظهر حمارهاستهجن الناس عليه ذلك وقالوا انو انسان بلا رحمة، …