محمد صالح محمد
في محراب العشق لا تسري قوانين المنطق ولا تُجدي نفعاً نصائح العقلاء. هناك حيث يسكن القلب في منفاه الاختياري و يغدو القيد وطناً ويصبح الحزن ترياقاً يوقظ فينا ما خمد من مشاعر.
ثورة الروح في حضرة المتمردة …
هي ليست مجرد امرأة بل هي حالة من العصيان الجميل. قد يقولون عنها إنها “مجنونة” و “معقدة” أو أن هدوءها ما هو إلا مكرٌ مستتر وضحكتها فخٌّ نُصب بعناية لقلبٍ غافل. لكنهم لا يدركون أن هذا التمرد هو سرّ الحياة فيها وهو الخيط الحريري الذي يربط روحي بروحهما حتى صرنا كائناً واحداً بقلبين.
إن محاولة تغييرها لتصبح “هادئة” أو “مطيعة” هي جريمة في حق الجمال؛ فما النفع من نارٍ بلا لهب أو شمسٍ تفقد حرارتها لتصير باردة باهتة؟ إنها باختلافها و بصخبها وحتى بـ “مصائدها” البريئة تمثل الحقيقة الوحيدة في عالمٍ من الزيف.
عن اللوم الذي لا يصل …
إلى أولئك الذين يسرفون في عذلي وفروا كلماتكم فالروح قد غادرت ضفاف العقل واستقرت في ملكوتها الخاص. إن حكمكم عليها بالظلم ما هو إلا صدى لجهلكم بماهية هذا الرابط. فلو كان العمر يُهدى مراراً لما وجدتُ مستقراً له إلا في كفيها ولو كان الانكسار أمام كبريائها هزيمة فما أجملها من خسارة تُتوجني ملكاً على عرش الانكسار.
“إن كان هذا السجن ما أغلاه من وطنٍ على قلبي المهاجر أو كان هذا الحزن ما أحلاه من حزنٍ به تصحو المشاعر”
مباركة الحصار الجميل …
دعونا نصفق لهذا الانهيار العظيم. نعم أنا السجين الذي لا يرجو حريةً خارج أسوار قلبها وأنا التمثال الذي استوطن دارها فصار حياً بفضل أسرها. يسألونني: “هل أنت حر؟” فأجيبهم بأن الحرية الحقيقية هي أن تختار سجّانك بكامل إرادتك وأن تجد في قيد مَن تحب اتساعاً لا تمنحه لك الفضاءات الرحبة.
عاشقان خارج حدود التروي …
نحن متمردان و غريبان ومميزان. نقتات على العنفوان ونبعث من رماد روتين الحياة حياةً متجددة لا تشبه أحداً. أنا الذي استمددتُ تمردي من عينيها وهي التي استلهمت كبرياءها من نبضي.
فيا قلبي لا تصغِ لضجيجهم واستمتع بهذا “الوطن” الضيق الذي يسكن في ملامحها وبارك لنا هذا الحزن الأنيق فما نحن إلا قصيدة كُتبت بمداد الثورة وعُزفت على أوتار الخلود.
عينٌ على هذا الحب باردة و هادئة وممتنة.
وداعاً يا وطني المستحيل (إلى “زولة”) …..
ألتفتُ إليكِ يا “زولة” بقلبٍ أتعبته المسافات وأضناه هذا التمرد النبيل. كنتِ أنتِ الثورة التي تمنيتُ ألا تهدأ والسجن الذي لم أرغب يوماً في الانعتاق منه لكنني اليوم أقف على أطلال هذا الانكسار أدركُ يقيناً أن المتمردين حين يعشقون يدفعون ضريبة الحب من حطام أرواحهم.
يا “زولة” لقد كان حزنكِ أشهى من أفراح الآخرين وكان أسركِ أرحب من حرية الكون بأسره. لكنها الأقدار التي جعلت منا “متمردين مميزين” في زمنٍ لا يقبل إلا الرضوخ وها أنا أرحل عن وطنكِ حاملاً معي عطر تلك المصيدة البريئة وصدى ضحكتكِ التي كانت يوماً دليلي وحتفي.
سأتركُ قلبي تمثالاً بداركِ كما أردتِ وسأعودُ أنا غريباً كما بدأت أقتاتُ على وجع الذكرى وأباركُ لكل من سيأتي بعدي هذا الحصار الجميل. وداعاً يا أجمل أحزاني ويا أغلى وطنٍ هجره قلبه المهاجر رغماً عنه.
binsalihandpartners@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم