لا مفرّ… من طاولة التفاوض

نزار عثمان السمندل

تضيق المسافة بين المعركة ونهايتها المتعذّرة، بينما يواصل قائد الجيش إدارة الوقت كأنه رصيد قابل للتمديد.
الفريق البرهان يتحرك داخل حقل مثقل بالانفجارات المؤجلة، حيث تآكلت فكرة الحسم العسكري، وتحولت الحرب إلى عبء يهدد ما تبقّى من هيكل الدولة.
كل يوم إضافي يراكم خسارة صامتة، ويعيد رسم حدود القوة داخل المؤسسة العسكرية نفسها.

في هذا المناخ المشحون، حملت رسالته إلى واشنطن عرضا تضمّن استعداد قائد الجيش للعودة إلى طاولة التفاوض مع «الدعم السريع» برعاية الرباعية، مقابل الحفاظ على توازنات دقيقة داخل المؤسسة العسكرية.
العرض بدا أقرب إلى محاولة شراء وقت بشروط أقل كلفة، في لحظة تتزايد فيها الضغوط الدولية لوقف القتال، وفتح ممرات إنسانية لملايين أنهكتهم الحرب.

ولأن البرهان يصعب تصديقه، فقد سعى إلى تعزيز صورة الانعطافة بتسري، أخبار عن تحركات تستهدف مجموعات من بقايا النظام السابق، مع إشارات إلى تقليص نفوذ تيارات إسلامية داخل المشهد العسكري. الرسالة حملت في باطنها تحذيرا يوحي بأن الضغط الخارجي إذا تجاوز حدا معينا قد يفلت معه زمام السيطرة، فتدخل المؤسسة العسكرية طورا من الاهتزاز، تتشظى فيه البنية، ويتسارع الانحدار نحو تفكك أوسع.

بهذه المعادلة المتشظية؛ وصل البرهان إلى جدة. اللقاء مع ولي العهد السعودي جاء في توقيت يختبر الانتقال من منطق القتال إلى منطق التسوية.
العناوين المعلنة توقفت عند مفردات الاستقرار والسيادة، غير أن جوهر النقاش دار حول حدود ما يمكن أن يقدمه الجيش من تنازلات من دون أن يفقد تماسكه، مع التذكير الدائم بالرؤية الأميركية الحاسمة: لا مجال للإسلاميين مرة أخرى، وتهيئة التربة لحكومة مدنية كاملة دون زيف.
المزاج السعودي بدا ميالا إلى تثبيت خيار سياسي يحدّ من النزف، مع الابتعاد عن مسارات تسليح تطيل أمد المواجهة.

ضمن هذا السياق، حمل التراجع السعودي عن تمويل صفقة أسلحة مع باكستان كانت موجّه إلى السودان؛ دلالة تتجاوز البعد المالي. القرار ضغطَ على إيقاع العمليات، ودفعَ القيادة العسكرية إلى إعادة حساب كلفة الاستمرار.

بالتوازي، انكشفت شبكات تغذية الحرب من الخارج مع توقيف وسيطة صفقات مرتبطة بإيران في الولايات المتحدة، فيما تباطأت إمدادات السلاح إلى «الدعم السريع» تحت وطأة ضغوط دولية وتدخلات مباشرة. مشهد يعكس اختناقا متبادلا، يضيّق هامش المناورة أمام الطرفين.

من جدة اتجه البرهان إلى مسقط، حيث تُدار التسويات على نار هادئة. استقبال السلطان هيثم بن طارق حمل إشارات تتجاوز البروتوكول، وفتح بابا لحراك دبلوماسي يعمل بعيدا عن الضجيج.
السلطنة تحتفظ برصيد من الثقة لدى أطراف متباعدة، وتراهن على بناء أرضية تتيح للخصوم الاقتراب من نقطة وسط. لا إعلان عن وساطة مباشرة، لكن المؤشرات توحي بجهد تمهيدي لاستكشاف فرص التهدئة، وربما الدفع نحو لقاءات غير معلنة تسبق أي إعلان رسمي.

وفي القاهرة، التقط الرئيس عبدالفتاح السيسي اللحظة نفسها خلال لقائه بالمبعوث الأميركي مسعد بولس. تلاقت المسارات على هدف واحد؛ إعادة تحريك ملف أصابه الجمود.
مصر تتحرك بحكم القرب والتأثر المباشر، والولايات المتحدة تبحث عن نافذة ضغط فعالة، والسعودية تهيئ مظلة إقليمية لأي تسوية محتملة، بينما تعمل مسقط على تهيئة الشروط الصامتة لفتح الأبواب المغلقة.

الرهان الدولي يدور حول فكرة تقليص منابع التمويل والتسليح لدفع الأطراف إلى التفاوض. غير أن التجربة تشير إلى أن توفر الوساطات لم يكن يوما المشكلة الأساسية، وإنما غياب الإرادة لدى القوى القادرة على اتخاذ القرار. تلك هي العقدة الأعمق.
مع ذلك، فإن الحراك الجاري يمنح انطباعا بعودة الزخم، وقرب لحظة الاختبار.
الضغوط تتصاعد باتجاه وقف إطلاق النار، وإقرار هدنة إنسانية تفتح الطرق أمام المساعدات، مع مطالب متزايدة بإبعاد التيارات الإسلامية عن مفاصل القرار العسكري، والتوجه إلى إقامة حوار مفتوح ترعاه الرباعية؟ وأطراف أخرى، يهيئ لتشكيل حكومة مدنية انتقالية.
المسارات التي تلاقت بين جدة ومسقط والقاهرة وواشنطن تحاول رسم مخرج من نفق طال بقاؤه، لبلد يقف عند مفترق ضيق، حيث لم يعد التفاوض خيارا من بين خيارات، وإنما هو المسار الوحيد القادر على كبح الانحدار، قبل أن يصبح التفكك واقعاً مكتمل الوقوع.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

مؤتمر برلين… الابتزاز بالكارثة

نزار عثمان السمندل بخطى واثقة.. تتقدّم سلطة بورتسودان نحو العزلة؛ أكثر فأكثر. ترفع صوتها في …