دكتور الوليد آدم مادبو
كتب لي صديقي الخبير في الشأن الدولي، مستهجنًا دعمي لفكرة التدخل الأممي: “السودان تحت الفصل السابع منذ عام 2004، فما الجديد؟” هذا القول صحيح من حيث الشكل، لكنه غير دقيق من حيث المضمون. ما صدر آنذاك عن مجلس الأمن كان قرارات محدودة النطاق، مرتبطة بإقليم دارفور تحديدًا، مثل القرار 1593 الذي أحال الملف إلى المحكمة الجنائية، والقرار 1769 الذي أنشأ بعثة مختلطة لحفظ السلام. هذه كانت أدوات احتواء جزئي لأزمة بعينها، لا إعادة تشكيل للدولة السودانية ككل.
بمعنى آخر: السودان لم يُوضع يومًا تحت وصاية دولية شاملة تُعيد بناء مؤسساته أو تفرض مسارًا انتقاليًا ملزمًا، بل ظل يتلقى “مسكنات دولية” تُدار بها الأزمات دون الاقتراب من جذورها. ولذلك لم تضف تلك القرارات ميزات حقيقية، لأنها لم تكن مصممة لإحداث تحول بنيوي، بل لمنع الانفجار الكامل في إقليم محدد.
هذه الحقيقة تفتح الباب لمقارنة ضرورية مع تجارب أخرى، حيث لم يكن الفصل السابع مجرد عنوان قانوني، بل بوابة لتدخل متكامل—سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا—أعاد تشكيل الدول من الداخل. في سيراليون، لم يكن وقف الحرب الأهلية مجرد نتيجة لوجود قوات أممية، بل ثمرة تدخل متعدد المستويات: دعم أمني حاسم أنهى سطوة المليشيات، مسار عدالة انتقالية عبر محكمة خاصة، وبرامج نزع السلاح وإعادة الدمج. الأهم من ذلك، أن المجتمع الدولي لم يكتفِ بالمراقبة، بل شارك فعليًا في إعادة بناء مؤسسات الدولة. لم يكن الهدف “تهدئة القتال” بل “إنهاء شروطه”.
وفي ليبيريا، جاء التدخل بعد انهيار كامل للدولة. لكن الفارق أن العملية لم تُترك لقوات حفظ السلام وحدها؛ بل ترافقت مع إعادة هيكلة عميقة للأجهزة الأمنية، وإشراف دولي مباشر على مفاصل الدولة، ودعم اقتصادي أعاد تشغيل الحد الأدنى من الحياة. هنا، كان الفصل السابع غطاءً قانونيًا لمشروع إعادة بناء متكامل، لا مجرد أداة ضغط.
أما لبنان، فيمثل نموذجًا مختلفًا: تدخل دولي طويل الأمد، لكن بلا حسم. تعددت القرارات الأممية، وتكررت بعثات المراقبة، غير أن غياب الإرادة التنفيذية، وتضارب الأجندات الإقليمية، جعلا من التدخل عامل تثبيت للأزمة بدل حلّها. بقيت الدولة معلّقة بين سيادة شكلية ونفوذ فعلي لقوى خارجية وداخلية، وهو ما ينبغي أن يُقرأ كتحذير: ليس كل تدخل دولي يقود إلى التعافي.
من هذه المقارنات، يتضح أن العامل الحاسم ليس “وجود الفصل السابع” بل “طبيعة ما يُبنى فوقه”. وهنا تبرز ضرورة صياغة نموذج مختلف للسودان، يقوم على توزيع أدوار واضح ومتكامل، لا على تدخل أحادي أو جزئي.
في هذا النموذج، يمكن أن تضطلع الولايات المتحدة بدور الحاضنة السياسية والدبلوماسية: توفير الغطاء الدولي، قيادة التوافق داخل مجلس الأمن، وفرض خطوط حمراء على الأطراف المتنازعة. هذا الدور ليس عسكريًا بالضرورة، بل تنظيمي، يحدد الإطار الذي تتحرك داخله بقية القوى.
في المقابل، يبرز الدور المحوري لكل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة كرافعتين ماليتين قادرتين على تمويل إعادة الإعمار، ودعم استقرار الاقتصاد، وتوفير الموارد اللازمة لإعادة تشغيل الدولة. إن أي مشروع لإعادة بناء السودان دون سند مالي قوي سيظل حبرًا على ورق، وهنا تكمن أهمية هذا الدعم.
أما البعد التكنولوجي والتنموي، فيمكن أن تقوده دول آسيوية مثل اليابان وكوريا الجنوبية، عبر نقل الخبرات في البنية التحتية والإدارة الحديثة. ويكتمل هذا المسار بالدور الإداري المتقدم الذي يمكن أن تضطلع به سنغافورة، بما تمتلكه من معاهد رفيعة المستوى في الإدارة العامة وبناء القدرات المؤسسية، وهو ما يحتاجه السودان بشدة في مرحلة إعادة التأسيس.
بهذا التوزيع، لا يكون التدخل الدولي وصايةً عمياء، بل شراكة مركّبة، تُدار وفق شروط موضوعية، وتخضع لرقابة دولية ومحلية، وتستهدف هدفًا واضحًا: تحويل السودان من ساحة صراع إلى دولة قابلة للحياة.
الخلاصة أن السودان لم يفشل لأنه “خضع للفصل السابع”، بل لأنه لم يخضع له بالمعنى الذي يُنتج دولة. ما جُرّب كان تدخلًا جزئيًا، وما هو مطلوب—إن أُريد إنقاذ البلد—هو تدخل شامل، متوازن، ومسنود بتحالف دولي واضح الأدوار. بين نموذج سيراليون وليبيريا من جهة، ونموذج لبنان من جهة أخرى، يقف السودان اليوم أمام خيار حاسم: إما تدخل يعيد بناء الدولة… أو تدخل يبقيها معلّقة في فراغ الانهيار.
April 23, 2026
auwaab@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم