دكتور محمد عبد الله
لم تبدأ الحكاية ببيان رسمي، ولا بخبر عاجل يتناقله الناس في هواتفهم المرتجفة. بدأت بسؤالين بسيطين، كأنهما خرجا من فم دهشة جماعية:
“ده شنو ده؟”
“ونحن قاعدين وين؟”
ثم جاءت الحكاية.
حكاية أسماء علي العوض، التي دخلت غرفة العمليات ولم تخرج منها. ليس لأن المرض كان أقوى بالضرورة، بل لأن الظلام كان أقرب من الضوء، ولأن الكهرباء — تلك التي نظنّها تفصيلاً تقنياً — تحوّلت إلى شرط للحياة نفسها.
بيان الأسرة لم يكن مجرد سرد لفاجعة؛ بل كان مرآة. مرآة رأى فيها الناس وجهاً يعرفونه جيداً، لكنهم اعتادوا تجنّب النظر إليه طويلاً. عملية جراحية تُجرى في ظل انقطاع التيار، ومولّد يتوقف أكثر مما يعمل، وأطباء يحاولون الاستمرار، وهواتف تُرفع لتؤدي وظيفة لم تُخلق لها: أن تكون بديلاً لنظام كامل انهار.
في تلك اللحظة، لم تكن المأساة فردية، بل نموذجاً.
ما إن انتشر البيان حتى بدأ شيء آخر. لم يكن بكاءً فقط، بل حواراً. حواراً واسعاً في مجموعات الأطباء على الإنترنت، خرج فيه الكلام من طور المجاملة إلى طور المكاشفة. فجأة، لم يعد ما حدث في كسلا استثناءً، بل أقرب إلى القاعدة.
أطباء يتحدثون بلا تردد:
نعم، نجري عمليات في ظروف مشابهة.
نعم، نعتمد على مولدات قد تتوقف في أي لحظة.
نعم، وأحياناً نُكمل العمل تحت إضاءة الهواتف.
والأدهى أن بعضهم قالها بنبرة أقرب إلى الفخر:
“نحن ننقذ حياة الناس رغم كل شيء.”
لكن، هل هذا صحيح؟
هذه ليست بطولة، على الأقل ليس بالمعنى الذي يُبنى عليه نظام صحي. إنها محاولة بائسة لتأجيل الكارثة، لا لمنعها. لأن المنطق هنا معوّج: إذا أنقذتَ عشرة تحت هذه الظروف، فكم خسرت في المقابل؟ وكم فتحت الباب لتكرار الخسارة؟
الكهرباء ليست رفاهية في المستشفى، ولا مجرد ضوء يُبدد العتمة، بل هي قلب النظام كلّه. بدونها:
لا تعمل أجهزة التخدير كما ينبغي،
ولا تصمد غرف العناية المركزة،
ولا تدور ماكينات غسيل الكلى،
ولا تُستخدم أجهزة الصدمات القلبية،
ولا تُجرى الفحوصات التي يُبنى عليها القرار الطبي نفسه.
السؤال إذن ليس: لماذا ماتت أسماء؟
السؤال: كيف كنا نتوقع أن تعيش؟
في بلدٍ يطحنه الفقر، حيث يعيش نحو 70% من السكان تحت خط الفقر، تصبح الرعاية الصحية امتيازاً لا حقاً. المستشفيات الحكومية، التي كانت يوماً ملاذاً، صارت في كثير من الأحيان أماكن تشبه انتظاراً طويلاً لشيء لا يأتي. الداخل إليها مفقود، والخارج منها — إن خرج — كأنه وُلد من جديد، لا لأنه شُفي، بل لأنه نجا.
أما المستشفيات الخاصة، فهي قصة أخرى: كلفة باهظة، وخدمات لا ترقى إلى ما يُفترض أن تقدّمه، وباب مفتوح فقط لمن يملك القدرة على الدفع. بين هذا وذاك، يقف أغلب الناس في منطقة رمادية، حيث المرض قرار اقتصادي بقدر ما هو حالة بيولوجية.
وفي مفارقة قاسية، تجد بعض المستشفيات التابعة للمؤسسات العسكرية — حتى الحكومية منها — بمستوى يضاهي المستشفيات العالمية. لكنها ليست للجميع. وكأن الصحة، مثل أشياء كثيرة، تُوزّع على أساس غير معلن.
موجودة، لكنها مبدّدة. جزء يسير مما يُنفق على الحرب، أو مما يتسرّب إلى جيوب أمرائها، كفيل بإعادة الحد الأدنى من الكرامة إلى النظام الصحي. ليس المطلوب معجزة، بل إعادة ترتيب الأولويات.
لقد عرف هذا البلد زمناً لم تكن فيه هذه الأسئلة مطروحة بهذه الحدّة. كان الناس، في المدن والقرى، يجدون الرعاية الأولية، ويصلون إلى المستشفيات المرجعية دون أن تكون الرحلة نفسها مغامرة.
ما الذي تغيّر؟
كل شيء تقريباً، إلا صبر الناس.
لكن هناك جانباً آخر من الحكاية لا يقل أهمية: قبول الأطباء أنفسهم بالعمل تحت أي ظرف. هذا القبول، مهما كانت دوافعه إنسانية، يساهم — من حيث لا يدري — في تكريس الانهيار. لأن النظام الذي يجد من يُشغّله بأي شكل، لا يجد سبباً حقيقياً لإصلاح نفسه.
ليس المطلوب أن يتخلى الطبيب عن مريضه، فهذا مستحيل أخلاقياً. لكن المطلوب أن يُطرح السؤال بوضوح:
أين الحد الأدنى الذي لا يجوز النزول تحته؟
ومتى يتحول “إنقاذ الحياة” إلى مشاركة غير مباشرة في تعريضها للخطر؟
قصة أسماء ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة إذا ظل الحال كما هو. لكنها، ربما، جاءت في لحظة لم يعد فيها ممكناً تجاهل الأسئلة.
“ده شنو ده؟”
سؤال بسيط، لكنه هذه المرة لا يحتمل إجابات جاهزة.
“ونحن قاعدين وين؟”
سؤال أخطر، لأنه لا يتعلق بالمكان فقط، بل بالمسار.
وبين السؤالين، تقف بلادٌ كاملة، تُجري جراحاتها — حرفياً ومجازياً — على ضوء هاتف.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم