نجلاء عثمان التوم.. تاكيت الباب واستنيتك

بقلم: هشام الحلو

من جيل ما بعد التسعينيات، أطلت علينا نجلاء عثمان التوم كصوت شعري ونسوي فارق في المشهد الثقافي السوداني، حيث خرجت من عباءة ذلك الجيل بصوت متفرد ومختلف، لم يكتفِ بمواصلة السائد، بل أحدث خلخلة في بنية القصيدة السودانية، متمردة على القوالب الجاهزة لتقدم تجربة إنسانية شديدة الخصوصية. وإذا كان جيل ما بعد التسعينيات (جيل القلق) قد اتسم بالبحث عن الهوية وسط الركام، والانفتاح نحو الآخر، والجنوح نحو العالمية، فإن نجلاء التوم قد قفزت نحو الفردانية بجرأة مدهشة؛ فلم تعد القصيدة عندها مجرد غناء للوطن أو بكاء على الأطلال، بل تحولت إلى مشرط جراحي يغوص في تفاصيل الروح والجسد والمكان، معلنة عن لغة “المُتأكِت” (المواربة) التي تقع في المنطقة الوسطى بين الغياب والحضور، وبين الرغبة والترقب.

انضمت نجلاء إلى المشهد الأدبي في وقت مبكر من الألفية الجديدة، وسرعان ما لفتت الأنظار بحضورها في المحافل الدولية، بدءاً من معرض الكتاب الدولي في أبو ظبي عام 2000، ثم في القاهرة والمجلس الثقافي البريطاني عام 2007، العام ذاته الذي شهد ولادة مجموعتها الشعرية الأولى “منزلة الرمق”. لم يكن حضورها مجرد رقم في قائمة المبدعين، بل كان تدشيناً لثورة لغوية، تجلت لاحقاً في مجموعتها “الجريمة الخالدة ذات الأغراض” عام 2019، ووصولاً إلى “ألحان السرعة” عام 2021. هذه التجربة الثرية جعلت من قصائدها مادة عابرة للحدود، فاحتفت بها مجلة “بانيبال” بترجمات إنجليزية، وضمنها المترجم عادل بابكر في أنطولوجيا “الشعر السوداني الحديث”، مشيراً بذكاء إلى أن نجلاء، ككاتبة في تقليد أدبي هيمن عليه الرجال، استطاعت ببراعة التعامل مع الأسئلة المعقدة المتعلقة بالصوت والفردية والمحرمات.

تظهر قوة نجلاء التوم في قدرتها الفذة على “أنسنة الأشياء” وتحويل اليومي العادي إلى طقس شعري مهيب، فهي تمارس السهل الممتنع حين تطوع المفردة الدارجة السودانية من شاكلة “ضايرت، بشتنة، عاسنو، سجمانة” لتمنحها أبعاداً وجودية عميقة؛ فالزمن عندها ليس مجرد أرقام، بل دورة حياة كاملة من الترقب. وفي نصها الأيقوني “تاكيت الباب واستنيتك”، يصبح المكان المتمثل في “الباب المتاكا” فلسفة كاملة للحرية، فهو ليس مغلقاً في وجه القادم، ولا مفتوحاً على مصراعيه لانتهاك الخصوصية، بل هو دعوة مشروطة بالندية والاعتزاز بالذات، حيث تقول:

“تاكيت الباب واستنيتك.. صيفين.. وشتا.. ورشة مطرة.. ما حسك كان صاحي وبي خير.. والوإنك واضحة ومختصرة”.

هنا، لا تكتب نجلاء “عن” المرأة، بل تكتب “بصوت” المرأة التي استعادت ملكية حواسها ولغتها، محطمة الصورة النمطية للأنثى الكسيرة التي تنتظر في صمت، لتقدم بدلاً عنها أنثى تملك قرارها، تداوي جراحها بنفسها، وتعاتب بمرارة ذكية تجعل من “الضعف” المزعوم قوة أدبية جارفة. تبرز قوة الأنثى الفاعلة في نصها حين تتجاوز عتبة السكون إلى الحركة، فتقول: “وكتين ما جيت.. ضايرت الخوف.. حزمت التوب.. وصيت الغيمة تلاوح البيت.. وما تسد الباب.. جايين راجعين.. متيمنة بيك.. وشاردة معاك”.

لقد أحدثت نجلاء ثورة نسائية حقيقية من خلال تحرير الجسد الشعري ومنحه حق الحركة بحرية، متبنية لغة حادة، ذكية، ومكثفة، تستطيع أن تحول قلق المثقفة السودانية إلى نص جمالي كوني يتقاطع فيه “المقدس” بالشعبي، كقولها:

“والفكرة الخاصة المجنونة..

ونستنا في آخر الليل..

والليل..

ومشيت عديت كم ساحة..

حالقاك..

سجمانة.. ورازة.. ونطاحة..

متعكننة..

بشتنت الساعات..

ودقايق الروح المتراوحات..

والزمن الما بيكون منحاز..

ويلمني بيك رحيتو دقيق..

نسوان السوق عاسنو فطير..

ميتان حيلو..

ما زمنك ما بقبل غيرو..

ولا غيرك غير”.

لقد فتحت تجربة نجلاء التوم الباب واسعاً أمام الأصوات الجديدة، مؤكدة أن القصيدة السودانية قادرة على أن تكون حديثة جداً وصادقة جداً دون أن تفقد “نكهة الأرض” أو ذاكرة المكان. إنها لم تضف بيتاً للشعر فحسب، بل أعادت تأثيث الغرفة الإبداعية بأكملها بجرأة تشبه “تسريحة بنت الجيران” وبراءة “غنى الصبيان ساعة المطرة”. وفي ختام نصها، تترك نجلاء السؤال معلقاً بين الأرض والسماء، وهو ذاته سؤال الحداثة السودانية في بحثها الدائب عن كينونتها، حين تصرخ في وجه الغياب: “يا هل طليت.. يا هل.. طليت.. يا.. هل.. طليت؟”، ليبقى “طول الطلة” هو الرهان الذي كسبته نجلاء في كل نص كتبته، معبرة عن موقف أصيل من العالم، وحالة استنفار دائمة ضد الرتابة والنسيان.

hishamissa.issa50@gmail.com

عن هشام الحلو

شاهد أيضاً

“48” روايه من زمن الإنجليز

بقلم: هشام الحلولعل من المرات النادرة جداً في تاريخ الأدب السوداني الحديث أن نجد رواية …