هل يمكن لتيار ماركسي وسطي أن يخرج السياسة السودانية من مأزقها؟

زهير عثمان
في ظل الانهيار المتواصل للدولة السودانية وتآكل مؤسساتها السياسية والاجتماعية، يبدو المشهد وكأنه يدور في حلقة مغلقة بين خطابين متناقضين – راديكالية عالية الصوت لكنها محدودة الأثر، وبراغماتية سياسية تنزلق نحو التسويات دون مشروع واضح للتغيير

بين هذين القطبين، يطرح سؤال بات أكثر إلحاحاً – هل يمكن التفكير في تيار ماركسي وسطي يعيد صياغة فكرة التغيير الجذري، دون الوقوع في فخ الشعارات أو الاستسلام للواقع القائم؟
هذا الطرح لا يعني التخلي عن جوهر التحليل الماركسي للصراع الاجتماعي والاقتصادي، ولا يعني أيضاً تبني “وسطية” سياسية تقليدية
بل يقوم على فكرة إعادة تعريف الجذرية نفسها- ليس كقفزة ثورية واحدة، بل كمسار تراكمي طويل يعيد تشكيل البنى العميقة للمجتمع والدولة

الإشكال الأساسي في الحراك السياسي السوداني اليوم لا يكمن فقط في تعدد القوى، بل في أزمة الأدوات والخيال السياسي
فالأحزاب والتيارات، بمختلف توجهاتها، ما زالت تكرر نماذج تنظيمية وخطابية لم تعد قادرة على تفسير واقع اقتصادي واجتماعي شديد التعقيد، يتداخل فيه الاقتصاد غير الرسمي، وشبكات النفوذ، وبنية الدولة المنهارة

في هذا السياق، يمكن للتيار الماركسي الوسطي أن يطرح نفسه كمحاولة لتجاوز ثلاث أزمات مركزية
أزمة التمثيل السياسي للفئات المهمشة، وأزمة تحويل الخطاب السياسي إلى برامج قابلة للتنفيذ، وأزمة الفجوة بين الأفق الثوري وإمكانيات الواقع
لكن هذا الطرح يواجه سؤالاً حاداً – هل يمثل هذا التيار تطويراً للفكرة الجذرية أم تراجعاً عنها؟ وهل يمكن فعلاً الجمع بين النقد البنيوي العميق والمرونة السياسية دون فقدان الهوية الفكرية؟

الجواب لا يُحسم في مستوى التنظير، بل في القدرة على إنتاج ممارسة سياسية مختلفة: تحالفات واعية، برامج مرحلية واضحة، وإعادة بناء العلاقة بين الفكرة والواقع
ما هو مؤكد أن استمرار الثنائية الحالية بين “ثورية بلا أدوات” و”براغماتية بلا أفق” لم يعد كافياً لتفسير أو تغيير الواقع السوداني

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط- ما هو البديل؟ -بل , هل نحن مستعدون أصلاً لإعادة تعريف معنى التغيير نفسه؟

zuhair.osman@aol.com

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

السودان- حين تصبح الدولة “كشك إدارة” بين أمراء الميليشيات

في السودان اليوم، لم يعد السؤال الجوهري: من يحكم البلاد؟بل أصبح من يُرضي من؟ ومن …