)كلام عابر)
حينما كنت أعمل في هيئة السياحة والفنادق في سنوات السبعين من القرن الماضي كان يوجد فرع للاتحاد الاشتراكي التنظيم الجامع للشعب السوداني الذي لم يكن هناك حزب غيره وكانت عضويته الزامية وفرض عين على كل موظف وبموجب هذه العضوية كان يتم استقطاع مبلغ شهري من راتب الموظف لهذا المسخ ، وكان الاستقطاع مقدورا عليه لأن قيمته رمزية، لكن الأمر المزعج هو محاولة تفعيل نشاط الاتحاد الاشتراكي واجبار الموظفين على المشاركة فيه، والأمر المزعج الثاني هو تصرفات الانتهازيين الذين تفرزهم الأنظمة الديكتاتورية ولا تخلو منهم المجتمعات في سعيهم لامتطاء مثل هذه التنظيمات والمنابر تحقيقا لذواتهم المهملة في ظل غياب الشرفاء الذين يفرون من هذه التنظيمات كما يفر الصحيح من الأجرب . تسلل بهدوء أحد زملائنا وأصبح رئيسا للفرع وأمينا عاما وأمينا لخزينته وأمسك بيديه بكل الدفاتر والسجلات بذكاء شديد، وبذكاء أشد استطاع أن يجمد نشاط الاتحاد الاشتراكي تماما في هيئة السياحة،ولم يعد يسمع له صوت باستثناء منشور يصدر هنا أو إعلان يصدر هناك في فترات زمنية متباعدة وعند الضرورة القصوى وفي أضيق الحدود الممكنة. زميلنا بذلك التصرف اختطف الاتحاد الاشتراكي من كل الانتهازيين الذين تفرزهم الانظمة العسكرية في كل مكان وزمان، وأراح العاملين في هيئة السياحة من أي نشاط أو فعل يتعلق بالاتحاد الاشتراكي، واستطاع أن يختزل الاتحاد الاشتراكي العملاق في حقيبة يد صغيرة كان تلازمه أحيانا عندما يذهب مرة أو مرتين في السنة لمكاتب الاتحاد الاشتراكي، وهذه نفسها كان لا يذهب إليها إلا للضرورة.
ظل زميلنا العزيز محكما قبضته على فرع الاتحاد الاشتراكي متصرفا حصريا في شئونه ، حريصا على أن يبقيه بلا فاعلية ولا تأثير، وظل الحال كذلك حتى انفض وذهب نظام مايو واتحاده الاشتراكي جفاء مثلما جاءا. هذا الزميل الذي سقنا له في السر كلمات الشكر والتقدير عدة مرات وفي عدة مناسبات لجهده العظيم الذكي في دفع البلاء عن زملائه ينتمي لأسرة معروفة لا ينقصها الذكاء في التعامل مع كل المواقف.
بعضهم يختطفون الأحزاب بأكملها ويختزلونها في أشخاصهم ويتصرفون فيها وفي أعضائها كميراث ورثوه عن الآباء والأجداد مثلما فعل زميلنا العزيز بالاتحاد الاشتراكي ، مع اختلاف الدافعين، زميلنا كان يهدف لتجميد الاتحاد الاشتراكي وعزله من حياة الموظفين اليومية، وقد نجح في ذلك تماما، ومن يختطفون الأحزاب ويتفردون بامتلاك مفاتحها يعتقدون أن ذلك سيحقق أهداف ومصالح الحزب لأنهم يمتلكون الصواب دون غيرهم، واختزال الأحزاب في أشخاص بعينهم حالة مرضية تعاني منها بأقدار وأضرار متفاوتة مختلف الأحزاب أيا كان تصنيف الآخرين لهذه الأحزاب.. تقليدية، عقائدية، حديثة ، وهي مسميات قد لا تعكس واقع تلك الأحزاب في كثير من الأحيان. وتظل الديموقراطية هي الغائب الأكبر داخل الحزب أيا كانت القوى المسيطرة داخله.. فردا بعينه ، أسرة ، زعيما ،أم دائرة ضيقة منتفعة متنفذة محيطة بالزعيم.
تطور الممارسة الديمقراطية والمؤسسية داخل الأحزاب يساعد على اصلاح حال كل الوطن.
(عبدالله علقم)
Khamma46@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم