الانقاذ حكمت على نفسها: عودة بترول الجنوب يا بيت أبوي . بقلم: سيف الدولة حمدناالله

لا يمكن لخصم أن يحدد نوع السلاح الذي يستخدمه عدوه عند منازلته في معركة، فالذي يستخدم (العكاز) في ضرب  خصمه لا يمكنه أن يصرخ ويولول بالاحتجاج عند الرد عليه ب (لطشة شومة) ، والخصم الحكيم هو الذي يقوم بجرد أسباب النصر والهزيمة عنده قبل الدخول في معركة، فالاعتراك دون حساب قوة الخصم يمثل المسافة بين الشجاعة والغفله،  فليس من الشجاعة أن يقوم أب وبجانبه أطفاله الصغار بمقاومة عصابة سطو مسلحة بالسكاكين والعصي تريد سرقة جهاز تلفزيون من منزله وهو لا يحمل في يده سوى بسطونة، لأن النتيجة الحتمية أنه يفقد حياته وحياة أطفاله وجهاز التلفزيون مجتمعين.
والذي يجري الآن بين حكومة الانقاذ وحكومة الجنوب هو – بلا جدال – معركة يهدف كل فريق فيها لتدمير اقتصاد الطرف الآخر بأقصى ما يستطيع ، والانقذ هي التي بادرت بالشر، فقد استخدمت كل ما لديها من أسلحة دون أن تُحسن حساب نقاط القوة التي يملكها الجنوب والتي تتيح له رد الصفعة بعشرة أمثالها،، فقد تحمٌل الجنوب الصفعات المتتالية من حكومة الشمال قبل أن يُقدم على هدم المعبد على ما فيه، فكما يقول العوام فان الحساب ولد، فكشف حساب خطوات الحرب الاقتصادية يقول بالآتي:
أول أسلحة الانقاذ كان قرار طرد أبناء الجنوب من الشمال عقب الاعلان عن الانفصال، ولم تخف الخرطوم هدفها من وراء ذلك بجعلهم عالة على حكومة الجنوب ، رغم أن هناك أجيالاً من أبناء الجنوب ولدوا وعاشوا بيننا في الشمال ولا يعرفون وطناً غيره ، ولديهم من أسباب المواطنة في الشمال بأكثر مما لدى قطبي المهدي من الأسباب التي تجعله من مواطني دولة كندا التي يحتفظ بجنسيتها في خزينته  ويلعن أهلها الكفار ويدعو الله عقب كل صلاة أن يشتت شملهم، ولا غيره من رجال الانقاذ الآخرين الذين يشاركون المستعمر جنسيته البريطانية مثل جلال الدقير والسماني الوسيلة ، فقد عاش أبناء الجنوب معنا وبيننا، وتزاملوا معنا في المدارس والعمل، وتوحدت مشاعرنا وقلوبنا معهم وتآلفت، فالمطرب الجنوبي الذي يضرب على الطمبور ويغني في براعة (حتى الطيف رحل) يؤديها بأفضل من أقرانه بالشمال، وهم يلبسون (على الله) ويشجعون الهلال والمريخ ويحلفون بالطلاق مثلنا ويشاطرونا الرأي في عمر الجزلي.
ومع ذلك، لم يطرد الجنوب أبناء الشمال من أراضيه، فهم لا يفكرون بمنهج الصبيان الذين ابتلانا الله بهم، ويدركون أن الشماليين الذين عاشوا بينهم لعقود طويلة أضحوا جزءاً من توليفة الحياة في الجنوب، وأن لهم حقوقاً قانونية بموجب الواقع الانساني وتجارب الأمم ، وهي نفس الحقوق التي حملت حكومة السودان على منح أجداد عبدالرحيم حمدي الجنسية التي يتمتع بها الآن، ولا يزال الشماليون يعيشون ويعملون هناك دون أن يغادر منهم مواطن واحد أرض الجنوب، بل أن كثير من الشماليين هاجروا للجنوب بعد الانفصال لاقتناص فرص الثراء التي يمكن أن تحققها  خيرات البترول.
ثاني الأسلحة التي استخدمتها حكومة الانقاذ ، كان صدور القرار المباغت باستبدال العملة الورقية، والذي لم يكن هناك سبب واحد لتبريره سوى الحاق الأذى بشعب وحكومة الجنوب، حيث قامت حكومة الانقاذ بوضع كردون من الحراسة بطول الحدود مع الجنوب لمنع دخول بلايين الجنيهات السودانية القديمة التي كانت موجودة في الجنوب لتمنع استبدالها، وقد تحقق لها ما أرادت، حيث استحالت العملة السودانية في الجنوب من أورق مبرئة للذمة الى أوراق حائط في أيدي أصحابها، ولم تُكتب النجاة الاٌ لشحنة النقود التي تم تهريبها من الجنوب وضبطت بنقطة الخياري في حدود ولاية القضارف وهي محملة على ظهر العربة الحكومية (لاندكروزر) الخاصة بالسيد/ دوسة وزير العدل ( بحسب ما ورد بالصحف قال دوسة أن هذا الفعل يُسأل عنه سائق العربة والشخص الذي كان برفقته وأنه لا علاقة له بالموضوع)، ولا يدري أحد كم عدد (اللاندكروزرات) التي لم تضبط.
ثالث أسلحة الانقاذ كان قرار الحكومة منع تجارة الحدود ومرور البضائع عبر أراضيها الى الجنوب، وهدفت حكومة الشمال من ذلك هو تجويع وتوجيع أهالي مناطق شمال الجنوب بأعالي النيل وضواحي مدنها في الرنك وملكال ومناطق أويل وقوقريال في بحر الغزال، وهي المناطق التي ظلت تعتمد في تأمين احتياجاتها من البضائع عبر الشمال منذ أن كان السير غردون يجلس على المكتب الذي يجلس عليه الرئيس البشير الآن.
كان في مقدور حكومة الجنوب أن ترد على مثل هذه الخطوات بما يؤذي الشمال بأكثر مما أصابها  من ضرر من فعله، ومن ذلك،  ما كان بيدها أن تفعله بمنع دخول قطعان الأبقار والماشية لأراضيها في وقت الجفاف، وهي رحلة سنوية يؤدي تعذرها تؤدي الى نفوق كل الثروة الحيوانية الموجودة بمناطق كردفان و النيل الأبيض خلال موسم واحد، ففي فترة الجفاف ينعدم العشب والماء بشكل كامل، فتضطر قبائل الشمال بالتوغل في أرض الجنوب حتى تبلغ مشارف مدينة بانتيو ، وهي قطعان تشكل في مجموعها نصف ما يملكه السودان من ثروة حيوانية، ويهدد ذلك مستقبل القبائل الرعوية بتلك المناطق وهم يشكلون نسبة لا يمكن تجاهلها من سكان السودان، (اقترح الطيب مصطفى صاحب شعار “لا يمكن أن تكفلنا أبقارنا” على الحكومة في احدى كتاباته انشاء “مراعي صناعية” لتحرير الاعتماد على الجنوب ولا بد أن اقتراحه لا يزال قيد الدراسة) .
القشة التي قصمت ظهر الانقاذ ، كانت في قيامها – من نفسها لنفسها –  بتحديد الرسوم التي تقول أنها تستحقها في مقابل عبور بترول الجنوب عبر الأنابيب لميناء التصدير، حيث حددت مبلغ (32) دولارفي مقابل كل برميل، ومثل هذه المبلغ وهو يعادل حوالي (150 ألف جنيه) يكفي لسفر بني آدم لهذه المسافة لا مجرد انسياب برميل بترول عبر ماسورة، وهو رقم يعكس جهل رجال الانقاذ في شأن صناعة وتجارة البترول ، ففي العام 1994 بلغ سعر برميل البترول (9) دولارات، بعد أن كانت قد وصلت قيمته لمثل أسعار اليوم ، مما يعني أنه يتعين على حكومة الجنوب أن تنتج بترولها لوجه الله اذا ما قدٌر لأسعار البترول أن تهبط لمستوى (50) دولار في المستقبل، اذا أخذنا في الاعتبار أن رسوم العبور تدخل ضمن التكلفة و هي بطبيعة الحال تعتبر عالية جداً بالنظر لحجم الانتاج ، وبعد احتساب حصة الشركات المنتجة للبترول في الأرباح.
كانت دواعي العقل تقتضي أن يكون الأساس في طريقة اعتماد حساب رسوم العبور بطلب تحديد نسبة مئوية من سعر البرميل، فيضمن ذلك للطرفين اقتسام مخاطر هبوط الأسعار وجني فوائد ارتفاعها، ومع ذلك فان تحديد مبلغ مقطوع للرسوم ما كان له أن يتجاوز حدود دولار واحد في ضوء القياس على التجارب الشبيهة التي جرت بين الدول ومن بينها ما تدفعه حكومة تشاد لدولة الكاميرون من رسم يبلغ مقداره (41 سنتا) عبر أنابيب أكثر طولاً تمر عبر أراضيها: مع عدم اغفال حق الشمال في احتساب قيمة تناقصية من تكلفة انشاء الخطوط.
بيد أن الذي كان أسوأ وأضل من تحكمية الانقاذ في تحديد الرسوم هو الطريقة التي اتبعتها في تحصيلها، حيث أنها تقوم باقتطاع قيمة الرسوم مقدماً عن طريق وضع اليد من حصيلة بيع البترول، فتضعه في جيبها ثم ترمي بالباقي لحكومة الجنوب، وبلغ ما تحصلت عليه بهذه الطريقة مبلغ (815) مليون دولار ، وحينما تعذر على حكومة الانقاذ اقتطاع الرسوم من المنبع بهذه الطريقة نظراً لقيام الجنوب ببيع كميات من البترول بموجب تعاقدات مباشرة مع المشترين ، قامت حكومة الانقاذ باحتجاز ثلاثة سفن بميناء بورتسودان وفي جوفها ما مجموعه 2.2 مليون برميل بترول، ورفضت السلطات الحكومية مغادرة السفن قبل أن تقوم حكومة الجنوب بسداد رسوم العبور نقداً رغم الأضرار التي طالت جهات لا علاقة لها بالنزاع كملاك السفن والعاملين بها والمشترين وشركات التأمين … الخ..
في ظل هذه الظروف، أضطرت  حكومة الجنوب -لأول مرة – أن تشهر سلاحها في وجه الانقاذ، وهو وقف انتاج البترول، بعد أن أدركت أن بقاء البترول في باطن الأرض أجدى لها من بيعه لصالح صاحب الماسورة التي ينقل عليها.
حتى قبل اتخاذ حكومة الجنوب لهذه الخطوة بيوم واحد كانت الأفواه الانقاذية تقول بأن الجنوب (لا يستطيع) أن يوقف انتاج البترول، لأنه سيخنق نفسه بيديه، ولأن ميزانية الجنوب تعتمد في 98% من مواردها على دخل البترول، ومن يسمع (حديث الخنق) الذي كان يجري على لسان أهل الانقاذ ، يعتقد أننا دولة يقوم اقتصادها على تصدير القطن طويل التيلة والسمسم والصمغ العربي وذهرة الشمس كما كان الحال في الماضي، لا الدولة تكسب قوتها من العمل كسمسار لجمع الذهب من الأهالي ، أو أن لها خطة للنهوض بالاقتصاد الوطني في المستقبل القريب، ففي الوقت الذي كان يطلق فيه نافع علي نافع والزبير محمد الحسن مثل هذا الحديث كان الوالي كرم الله الشيخ، والي ولاية القضارف ، وهي المنتج الأول لمحاصيل التصدير التي يعتمد عليها السودان كبديل للبترول يقول لمضيفه في برنامج”المحطة الوسطى” بقناة الشروق أن السبب في تأجيل أداء القسم لحكومة ولايته هو أنتظاره لوصول الاعتمادات المالية من المركز  لشراء (اللاندكروزرات) التي تعين أعضاء حكومته على قيامهم بأداء مهامهم، أي والله، (تضم حكومة الولاية  40 دستوري بحسب حديث الوالي)  ثم واصل يقول للمذيع  : “هل تعرف كم يكلف (اللاندكروزر) الواحد؟” ويجيب الوالي على نفسه ” يكلف 525 مليون” ثم يضيف في خفة دم وهو يضحك: ” حقو تقول لجمال الوالي صاحب القناة دي يدينا منهم شوية”.

مثل رد الفعل الذي جاء فيما قامت به حكومة البشيرعلى قرار حكومة الجنوب بوقف انتاج البترول، يُهزأ منه بلغة العوام بالقول: (عالم تخاف ما تختشي)، فبعدما تبين لحكومة الانقاذ أن ما تملكه من أنابيب ليس لها قيمة دون أن يكون هناك ما تحمله  في باطنها، وانها لا تصلح الا ببيعها كحديد خردة كما فعلت بماكينات مصانع النسيج، صحت من غفوتها، وثابت الى رشدها، ولكن بعد فوات الأوان، فسلفاكير قد عملها وانتهى، ولم يعد في وسعه التراجع عن قراره بعد خروج شعبه في مظاهرات حاشدة تقول أن الجوع خير لهم من المذلة، ولم يعد في مقدور الانقاذ أن تصلح ما أفسدته بيديها، فدخول الحمام ليس كالخروج منه، فسجل الانقاذ ليس فيه ما يبشر بأن لها كلمة، والجنوبيون لديهم تجربة عريضة في تاريخ عهود الانقاذ معها،  لذلك لم يجد قرار البشير بفك الحجز على السفن من يستمع اليه أو يأبه به، فجاء القرار بلا طعم كالعطلة التي تصادف يوم جمعة، واستحى حنى أعوان البشير عن الترويج له سوى ما وصفته به دوائر وزارة الخارجية بأنه قرار (لاثبات حسن النية)، ولأهل الانقاذ ألف حق في تجاهل القرار فهو يحمل من المذلة بما لا يوازي مردوده، وقد كان، فرفض سيلفاكير مجرد الحديث حول الموضوع مع البشير رغم وساطة الرؤساء الأفارقة.
وهكذا تحقق وقوع الكارثة التي كنا نخشى منها ، فلم يعد هناك عائد من البترول لأهله في الجنوب ولا لأصحاب الماسورة في  الشمال، وسوف لن يمض وقت طويل حتى تدرك الانقاذ أنها وحدها التي (اختنقت) وخنقت شعبنا معها، وأن الحبل قد التف حول عنقنا وحدنا لا عنق الجنوب، فلا بد أن تكون حكومة الجنوب قد تحسبت لهذه الخطوة بما يجعلها تتلافى نتائجها، ولن يكون من الصعب عليها ايجاد جهات التي تقدم لها القروض بكل ما تحتاجه من أموال بضمان ثروتها الموجودة في باطن الأرض، فيما لن تجد الانقاذ من يأتمنها على دين، فقد جابت وفودها أركان الكون ولم ترجع الاٌ بخيبة على الوجوه، وسوف يدفع الشمال ثمن ذلك بمضي الجنوب قدماً في ايجاد البديل لتصدير بتروله بغير مواسير الشمال مهما كانت التكلفة ومهما استغرق تنفيذ ذلك من زمن.
لا أدري أيٌ صبية يفكرون لهذه الحكومة، والى اين يمكن أن تصل بنا الانقاذ وهي تعالج قضايا مصيرية بهذا الحجم بمثل هذا المنهج الطفولي ، فالواقع يقول أن خزائن الدولة سوف تنضب من مخزون العملات الحرة خلال أيام أو أسابيع قليلة، ان لم تكن قد نضبت بالفعل، وسعر العملة الحرة يزداد بالساعة وليس باليوم، وحكومتنا تصدق نشرات البنك المركزي  اليومية التي تقول بأسعار للعملات الحرة من نسج خيالها، فالسعر الحقيقي للدولار هو الذي يدفعه الموردون لشرائه بأيدي وكلائهم في أسواق جدة ودبي، وهو السعر الذي تحسب على أساسه تكلفة البضائع وثمن بيعها للجمهور، والانقاذ باسم الله ما شاء الله، قد جعلتنا أمة تستورد كل شيئ، بما في ذلك الخضروات والزيوت والصابون بعد أن كان لدينا مئات المصانع بالعاصمة ومثلها بالاقاليم ، ( جاء في الأخبار أن وزير الزراعة الاردني تباحث مع سفير السودان في عمٌان بشأن تصدير الأردن للخضروات للسودان)، وبحسب علمي لم يبق لنا من الانتاج الصناعي مما يقيم الأود سوى المنتج الذي تقول دعايته (يا بيت أبوي).
بيد أن الذي يدهش المرء ويحزنه في آن واحد، أنه وفي قلب هذه الأزمة والمصير الأسود الذي ينتظرنا يخرج شعبنا بأسره وهو يهلل ويطلق الأهازيج والأفراح في الشوارع والميادين بحسب ما نقلته القنوات الفضائية وهي يحتفل بفوز الفريق القومي في مباراة لكرة قدم، لا وايه، ورئيسنا المهزوم يمنح كل لاعب سيارة مما تبقى في الخزينة العامة من أموال.
سيف الدولة حمدناالله
saifuldawlah@hotmail.com

عن سيف الدولة حمدناالله

سيف الدولة حمدناالله

شاهد أيضاً

ملطشة الدكتوراه في السودان

سيف الدولة حمدنااللهساء كثيرون – وهو بالحق مُسيئ – ما ورد بمقال للكاتب الأردني فهد …

اترك تعليقاً