أكبر فاجعة يمكن أن تصيبنا قد وقعت بالفعل، وقد كشف عنها التحقيق الذي قامت بإجرائه مجلة “الاهرام العربي” ونشر في الإسبوع الماضي، وهو التحقيق الذي كشف عن وجود عصابات تقوم ببيع أبنائنا السودانيين الذين ضاق بهم الوطن، وإختاروا الهروب منه للبحث عن مستقبل في أي داهية في هذه المعمورة، وأوضح التقرير أن أولئك الشباب يخضعون للتعذيب بالضرب الشديد والإهانة على أيدي تلك العصابات، ثم بعد ذلك يُقادوا ليتم بيعهم عبر (منفذ توزيع) مركزي بسوق العتبة الخضراء بالقاهرة، ثم من هناك يعاد تصدير المتبقي منهم إلى أسواق ليبيا وفلسطين وإسرائيل.
وبحسب التقرير فإن تفاصيل هذه المأساة المهينة، تبدأ بقيام وسطاء في الخرطوم بإيهام عدد من الشباب بوجود فرص للسفر والعمل بالخارج، ويتقاضون منهم لقاء ذلك أتعاب باهظة، غالباً ما يضطرون لاقتراضها من معارفهم أو أقربائهم على أمل تسديدها بعد الحصول على وظيفة بالخارج.
وبعد مسيرة يوم بالبر عبر الصحراء، تقوم العصابة بممارسة عملية معروفة في دنيا الإتجار بالبشر، وهي الجلد المتواصل والتعذيب المستمر والتهديد بالتصفية، والتحقير والإهانة، وينتج عن ذلك أن يصبح الضحية مسلوباً للإرادة كلياً، ويكون في حالة (إستسلام) كامل، فيفعل كل ما يُطلب منه دون إحتجاج أو مناقشة.
وبحسب التقرير، يتم عرض هؤلاء الشباب على الراغبين من المشترين في سوق “العتبة” ويتم إختيار “العبد” وفقاً لسلامة أعضاء الجسد المرغوبة فيه بحسب نوع العمل المطلوب منه، ويبلغ سعر (الرأس) دائماً ما يكون في حدود 150 دينار ليبي (حوالي 120 دولار) أو ما يعادلها بعملة دولة المشتري (مثل هذا المبلغ ينفقه كثير من أثرياء الخرطوم في وليمة عشاء عائلية بمطعم “أمواج” أو ما يعادله بشارع أفريقيا)، ويتم إجبار “العبد” السوداني على العمل لدى المشتري دون أجر، وفي وظيفة مُهينة مثل تسلية وإضحاك الأطفال، وقد تمكن عدد من هؤلاء الشباب من الهروب والعودة لوطنهم عبر رحلة خلوية بالأرجل صاحبتها كثير من المخاطر منها الألغام الأرضية.
كل الذي فعلته الحكومة – راعية هذه الأنفس المستعبدة – في مواجهة هذا التقرير الصاعقة، أنها قامت بمصادرة عدد المجلة الذي حوى التقرير، لتحجبه عن عيون المتطفلين في الداخل، رغم أن الذي كان أولى بستر الفضيحة هي دولة المجرم لا دولة الضحية.
ليس بالضرورة أن يكون كل ما جاء بالتقرير صحيحاً، أو أن تكون القضية بالحجم الذي عرضت به، ولكن المؤكد أن التقرير لم ينشأ من عدم، فليس هناك خلاف حول حقيقة أن أبناء الوطن يهربون إليه الى كل ناحية من هذا الكون يمكن الوصول إليها، بما في ذلك دولة زيمبابوي، وكان الواجب على الحكومة أن تعمل على التحقق من صحة ما ورد في التقرير من معلومات، تماماً مثلما فعلت الحكومتان الفرنسية والفلسطينية بفتح التحقيق في ظروف وفاة الرئيس عرفات بعد عرض قناة الجزيرة الإخبارية لتقرير بعد أن طويت هذه القضية لعدة سنوات.
كان الواجب على الحكومة أن تبحث في الأسباب التي تدفع بابنائنا لأن يقوموا بسداد ثمن عبوديتهم من جيوبهم نقداً للنخٌاسة، وأن تبحث في الأسباب التي تجعل شباب وطننا يختارون الموت خارج الوطن على العيش داخله، ولو أنها فعلت، فسيخرس لسانها الذي تتباهى به بثورة الجامعات الذي صدٌعت بها أدمغتنا، وسوف تجد أن كثير من بين هؤلاء المستعبدين، جامعيون وحملة شهادات عليا في مختلف التخصصات، أعياهم القعود بلا عمل ولا أمل.
ولتسأل الحكومة نفسها، هل يهون على مثل هؤلاء الشباب فراق الوطن! ألا يعزٌ عليهم فراق أبائهم وأمهاتهم وأهلهم وأصحابهم!! ومن قال أن الحياة – وإن رغدت – تطيب للمرء بعيداً عن أهله ووطنه!! فنحن أفضل من يملك الإجابة على مثل هذا السؤال، بعد أن بلغنا المربع الأخير في رحلة الحياة ونحن لا نزال في حالة إغتراب “قسري”، في إنتظار شروق الشمس بعد كل هذا الليل الطويل، فوسائدنا تحكي عن مشوار الدموع التي ننزفها كل ليلة على الذين رحلوا ورائنا من أهلنا أحبابنا. إن الذين هجروا إلى أمريكا وأوروبا وغيرها من بلاد الحرية لا يختلفون عن هؤلاء المستعبدين الاٌ بمقدار درجة، لا بمقدار نوع، فأي قيمة للحرية بلا وطن!! بل أي قيمة للحياة بعيداً عن الوطن !!
لماذا يحمل الفقر مثل هؤلاء الشباب المتعلمين للخروج من وطنهم في هجرة شرعية أو غير شرعية!! هل خرج حكامنا من صلب آباء موسرين!! ألم يخرجوا للدنيا فقراء مثلهم!! بل أشد فقراً !! ثم .. من أين جاء حكامنا بكل هذا العز الذي يعيشون فيه اليوم !!
ثم تأتينا الإجابة على لسان أحد رجال الحكومة: الدكتور مأمون حميدة، وزير الصحة بولاية الخرطوم (الرأي العام 7 الجاري)، حيث قال بما نصه: ” نحن ما منزعجين من هجرة الكوادر الطبية الى الخارج، لأن هناك فائض عمالة من الأطباء بل نحن نشجع هجرة الشباب من الأطباء للخارج.”
ثم يردفها السيد/ كرار التهامي، وزير جهاز شئون المغتربين، (مغترب سابق بالسعودية)، بتصريح لجريدة الصحافة بذات التاريخ قال فيه: ” لقد قمنا بإعداد مشروع قانون لمكافحة الهجرة غير الشرعية يحمل عقوبات “رادعة” لمعاقبة كل شخص يخرج من السودان بطريقة غير مشروعة”.
ومن حق أولادنا أن يردوا إلى “التهامي” عصا القانون التي يرفعها في وجههم بسؤال: متى عصمت القوانين – وهي بالفعل رادعة – المال العام من التعدي عليه وحفظت له حرمته!! هل أجبرت القوانين الرادعة الأشخاص الذين أفرغوا خزائن بنوكنا بالقروض الهالكة !! هل منعت القوانين الرادعة بيع سفننا بالخطوط البحرية في عرض البحر!! هل منعت بيع مشاريعنا الزراعية !! هل منعت بيع خطوطنا الجوية !! ثم.. أين ذهبت حصيلة كل ذلك!!
إن الذي جعل أبناؤنا يفضلون الموت وهم يحتضنون الأسلاك الشائكة في حدود إسرائيل على البقاء في الوطن لن تعالجه مشروعات قوانين كرار التهامي، والأفضل له أن يلتفت الى جباية الرسوم من مغتربي السعودية ودول الخليج، فتلك هي وظيفته توفر له المخصصات والمزايا التي يهنأ بها وتقيه وذريته شر الوقوع في سلك العبودية، وليترك التهامي أبناءنا للعقوبات التي تنزل عليهم بأيدي الغرباء، فهي أكثر من كافية عليهم.
لقد تصادف أن كتبنا مقالنا السابق بعنوان “مواطنون.. لا رعايا”، وفي ظل هذا الواقع الجديد، يصبح مثل ذلك العنوان مجرد هذيان، فغاية ما نبتغيه أن نكون “رعايا لا عبيد”، وليهنأ جلادونا بما إكتنزوه من مال وحرية، وكل عزاؤنا ما قيل قديماً “بأن الأكفان ليست لها جيوب”.
saifuldawlah@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم