سوف يكتب التاريخ أن الإنقاذ لم تكن وحدها التي تسببت في فصل الجنوب، فنحن – الشعب – أيضاً قد شاركنا في الجريمة، فالمعروف – بحسب القانون – أنه وكما ترتكب الجريمة عن طريق الفعل المادي، فإنها ترتكب أيضاً بالإمتناع عنه، فقد وقفنا نتفرج وبالحركة البطيئة على كل مراحل جريمة إنفصال الجنوب وهي تجري أمام أعيننا دون أن نتحرك لإنقاذ وطننا وكأن ذلك يحدث عند دولة جيران، ولم نفعل ما كانت تُمليه علينا أبسط الواجبات التي يقوم بها أي شعب في سبيل الحفاظ على وطنه،. ولو أننا فعلنا ذلك لما إختار إخوتنا في الجنوب الإنفصال، فلو أننا خرجنا في مسيرات شعبية نعبّر بها عن مشاعرنا لأهلنا في الجنوب ونُعلن فيها عن تمسكّنا بهم إخوة لنا في الوطن، وقلنا لهم أننا أبرياء من المخاليق الذين كانوا يُروّجون للإنفصال وأنهم لا يمثلوننا ولا يتحدثون بإسمنا، لما ذهب الجنوب بهذه البساطة.
لكننا، عِوضاً عن ذلك، تركنا عقول وآذان أهلنا في الجنوب لتسمع – فقط – ما تقوله مدرسة “الإنتباهة” ومن شايعها بمثل حديث “الحقنة”، تماماً مثلما تركنا عقول شعبنا اليوم لحسين خوجلي ليعبث بها ويحشوها بما يريد ونعجز – نحن شعب كامل – عن أن ننشئ مثله قناة تلفزيونية لترد إليه بضاعته بجنس ما يفعل، فسمع إخوتنا في الجنوب الأصوات التي كانت تقول لهم – عيني عينك – أن يعطونا عرض أكتافهم، وبلغتهم من فم رموز النظام لآذانهم عبارة “عليكم يسهّل وعلينا يمهّل”، وسمعوا حديث رئيس الذي قال فيه أن من بركات إنفصال الجنوب أنه يُخفّض نسبة الكفار ويزيد نسبة المسلمين في الشمال بما يتيح تطبيق الشريعة.
وليس هناك ما يُشير إلى أننا قد تعلمنا من هذا الدرس الباهظ، فما حدث في شأن الجنوب سوف يتكرر سطرأ بسطر في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، فقد صمتنا عن الفظائع والأخطاء التي يرتكبها النظام في حق الأهالي في تلك المناطق، وعجزنا عن التعبير عن رأينا فيما يحدث لهم، فبرغم مرور عقود على هذه الحرب اللعينة، لم نخرج في مسيرة – أو محاولة ذلك – تعبّر عن رفضنا للحرب وإستنكارنا للمصائب التي تقع عليهم من ورائها، فيما خرجنا لمناصرة شعوب أخرى وراء الحدود ( قبل أيام منعت السلطات مسيرة تستنكر الحرب التي تجري في جمهورية افريقيا الوسطى).
ويكذب على نفسه من يقول بأن الأهالي في تلك المناطق لا يحسبون علينا هذا الخذلان!! أو يعتقد أن ذلك لن يؤدي بهم إلى أن يرموا “طوبتنا” ويديروا لنا ظهرهم كما حدث في جنوب السودان، وسوف يحدث ذلك برغبتهم وإرادتهم لا بسلاح الجبهة الثورية، فقد تركناهم يقاسون أهوال الحرب وحدهم، ووقفنا نتفرج عليهم فيما تسقط على رؤوسوهم قنابل المدفعية والطائرات وتُحرق قراهم وهم يعيشون لاجئين بالمعسكرات، والحياة تمضي في الخرطوم وبقية مدن السودان وهي آخر حلاوة، أهازيج وكرنفالات وأغاني وأغاني وكريمات تفتيح بشرة، وهي حياة لا يكدرها سوى شكوى غلاء المعيشة وإرتفاع الأسعار، ومثل هذا المشهد الذي نعيشه من واقع ما يجري في تلك المناطق، إختصره حسين خوجلي في عبارة وردت على لسانه في برنامجه التلفزيوني (حلقة الأحد 16/3/2014) قال فيها: “”يا جماعة ما تفتكروا الحرب الحاصلة في دارفور دي بعيدة، والله بكرة بتصلكم هنا”.
وحسين مُحق فيما زعم، فلو أن مثل هذه الحرب كانت تجري بإحدى ولايات الشمال، لوقف الشعب كله برِجِل واحدة، وأهالي تلك المناطق يعلمون هذه الحقيقة ويعلمون أن النظام لو أراد أن يثكل أمه لرمى بقذيفة واحدة – فشنك – من طائرة بمنطقة في الخرطوم، فقد رأينا كيف إنقلب الوطن كله إلى مناحة بعد قصف مصنع الذخيرة، فالقصف هو القصف سواء سقطت فيه القنابل بأيدي إسرائيلية أو بأيدي طيارين تعلوا جباههم غرٌة الصلاة (هناك عشرات الأمثلة لتضامن الشارع والصحافة مع وقفات إحتجاجية لأهالي مناطق).
تبقى أن نقول، أن الجرائم التي تقع على أهلنا في مناطق الحرب ترتكبها عصابة لم تسلم من ظلمها منطقة أو جماعة في ركن من أركان الوطن، وهي عصابة يشارك فيها أبنائهم من دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق (حسبو ودوسة والسيسي وأحمد هارون وأبو قردة وتابيدا بطرس ومسار والحاج أبو ساطور وعفاف تاور …الخ)، بمثلما يشارك فيها غيرهم من بقية أرجاء الوطن، كما أن الذين يوجهون السلاح إلى صدورهم من أبنائهم المنحدرين من تلك المناطق ويعملون بجهاز الأمن وقوات أبوطيرة ومليشيات النظام لا يقل عددهم عن أبناء أقاليم السودان الأخرى إن لم يكن أكثر، فنحن جميعنا شركاء في الظلم الذي تمارسه هذه العصابة.
هذه هي الفرصة الأخيرة لأن نُصلح أخطائنا بما يحفظ الوطن، فسوف يأتي وقت لن يكون من المفيد القيام بمثل هذه الخطوة، فلا يزال هناك عرق ينبض في جسد الوطن، فليلتحم كل الذين يقفون ضد النظام تحت سقف واحد، تماماً مثلما فعلت القوى السياسية الخائبة التي تجمعت اليوم في صف واحد، ونخرج لنعلن رفضنا للحرب، ونعاضد أهلنا وإخوتنا في تلك المناطق بكل ما نستطيع، عسى أن تبرأ الجراح التي تخلّفت، والاّ، فلنقبل بالنتيجة ولا نرمي بها على الغول الذي فعل كل ذلك كي تتحقق.
saifuldawlah@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم