“البنقو” وين … !! .. بقلم الطيب رحمه قريمان
15 أكتوبر, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
49 زيارة
بسم الله الرحمن الرحيم
قريمانيات
15/10/2015
geiger31@hotmail.com
في صباح ذلك اليوم الخريفي الجميل و درجات حرارة كانت تميل الى البرود قليلا بالرغم من اننا ما كنا نعبأ بسخونة الجو او اعتداله.. ذهبت الى ذلك الشاطئ الذى لا يبعد كثيرا من سوق السمك في مدينة كوستي العامرة آنذاك .. حيث كانت تلك البواخر النيلية القديمة ” الصنادل” ترسوا على جنبات من ميناء كوستي النهري .. مع اخوة لي لا زلت اذكر ملامح وجوهم الكالحة البريئة جيدا بالرغم من طول الفترة التي افترقنا خلالها و لم نلتقى الى يومنا هذا و لكن لا زالت صور وجههم في ذهني كأنما افترقنا ليلة البارحة .. جلسنا حول انفسنا محتفيين بأنفسنا بعد الانتهاء من الامتحانات النهائية للمرحلة المتوسطة .. جلسنا على الشاطئ النيل الابيض و انظارنا متجهة نحو الشرق ذلك و النيل الدفاق الذى يندفع بجبروت نحو الشمال يحمل كميات من المياه العذبة و من وقت لأخر تأتى قطع كبيرة و متوسطة من جزر النيل قد جرفها التيار و الحشائش النيلية كثيفة فيها بطول الاسنان او اطول قليلا ” البوص” و غيره.. و ما كنا ان ندرك للنيل اهمية غير انه يصب نحو الشمال .. و تعلمنا في المدرسة انه لولا النيل لما قامت حضارات في وادى النيل … !!
قررنا التوقف و من ثم الجلوس القرفصاء على الارض و بعد لحظات قررنا الدخول الى تلك الصنادل “البواخر النيلية” من باب الفضول و الاكتشاف خاصة و لقد وجهت الدعوة لأصدقائي لأنى كنت اعرف احد تلك الصنادل خاصة ذلك الذى كانت تستغله و تستخدمه فرقة الكشافة البحرية بكوستي لممارسة نشاطها الأسبوعي و قد كنت عضوا منتظما و نشطا في الكشافة آنذاك … !!
كنا في منتهى المتعة و الانبساط و قد التف حولنا الفرح لأننا قد انتهينا من الامتحانات و بينما نحن كذلك اثار انتباهنا العدد الكبير من الاسماك الذى ظل يقفز الى ما فوق سطح الماء لحظة تلو الاخرى كأنما كانت ترقص طربا و سرعان ما تعود ادراجها الى المياه تاركة على سطح الماء دوائر سرعان ما تنداح و لكن يبقى الفرح و الامل في انفسنا و نحن في ابتسام دائم .. نفرح مع تلك الاسماك و قلوبنا كانت عامرة بالمحبة و كانت نقية لا يشوبها كدر و لا غبن و لا حسد و كنا في براءة الاطفال .. و من وقت لأخر نرى عدد من المراكب الشراعية الصغير التي تسمى ” الشروق ” في وسط النهر و في كل واحدة منها شخصان يدفان بأيديهما .. و هناك جمع من الناس في انتظار تلك المراكب لتصل اليهم بالقرب من “بنطون” الجزيرة ابا .. تلك المراكب كانت ملئ باسماك من انواع شتى قد تم اصطيادها من قلب النيل البيض و الجسور “جمع جاسر” و جزره المتفرقة جنوب كوستي و لا يزال البعض من تلك الاسماك حي .. تم اصطياد تلك الاسماك اثناء الليل .. فما اعظم اؤلئك الذين يقضون الليل يصطادون الاسماك ليكسبوا رزقا حلال و ليطعمونا سمكا طازجا حلالا …!!
بينما نحن في هذه الاجواء اللطيفة و البراءة المنقطة النظير و بعد ان غادرنا الصندل و بدانا نسير نحو “المشرع” المكان الذى تسروا عليه المراكب .. فاذا بأشخاص قد هجموا علينا كأنما نحن العدو المبين و قد اشهروا في وجوهنا بطاقتهم “كارنى” و قد احدهم قد اشهر مسدسا و قالوا بصوت عالي انهم رجال امن و من ثم تقدموا نحونا طالبين منا ان نرفع ايدينا .. الغريب اننا لم نخاف منهم و لم نرتعب بالرغم من عنصر المفاجأة الذى كان كبيرا و اذكر انى كنت واضعا كلتا يدى في جيوب البنطلون فطلبوا من اخراج يدى فرفضت اخراج يداي .. و لكنهم اصروا اصرارا و في الاخير قد اجبروني على فعل ذلك .. ظنا منهم ان بداخل جيبي شيئا اخفيه عنهم .. و لما لم يجدوا شيئا قد اصابهم الحرج .. فما كان منا الا و ان أخرجنا لهم بطاقاتنا الطلابية ليزدادوا حرجا على حرجهم … !!
و سألنا احدهم .. طيب .. “البنقو” وين … ؟
فضحكنا عليهم بالرغم من عدم خبرتنا في المراوغة و اللف و الدوران و لكن لأننا كنا على ثقة من اننا لا نعرف حتى السجائر العادية ناهيك عن البنقو أو غيره من المصائب … !!
يا للمفارقة الآن اصبح البنقو على قفا من يشيل .. اصبح البنقو في عهد الانقاذ يباع في كل ركن من السودان و لا رقيب و لا حسيب … !! دوما ما تكون الفارغة و المقدودة .. هي مهمة رجل الامن… !!