كل الارض منفي .. بقلم: أسامة سراج


usamasiraj3@gmail.com

    (وذبحت علي صخره الاسلام كل مراحل ضعفي وترددي وشكوكي) ذلك ماقاله التجاني سعيد في لقاء صحفي قديم اعتقد انه في الثمانينات ولعله يعني كما فهمت الاسلام كمنهج محيط بالانسان ومجامع تكوينه ووجدانه ونظرته للكون وطبيعه الاشياء … لا الاسلام الذي تتخذه بعض الجماعات والحركات بعد ان تفرغه من الوجدان وتلبسه مسوح الكهنوت متوسله بالشعار بمناي عن الشعور لاجل السلطه والمال فاستبدت بكل ذلك مما قطعها عن التواصل مع قضايا الامه الحقيقيه ونبض الجماهير.
    لقد اعتزل التجاني سعيد الكتابه او هكذا شاع وقناعاته عندنا محل تقدير وان شاب ذلك الاسف … ذلك الاسف الجميل الذي ابداه في رايعته من غير ميعاد ..(ياريتني ما شفتك ربيع ولا كان مصادفني الاسف.)..لم يكتب غيرها واخري اكملت لوعه جيل مترع بالشجن( قلت ارحل.)…كتبها واعتزل لكنها بقيت ملمح لا في المكتبه الصوتيه فحسب انما في جيل كان يبدع الحياه من حوله في تقاسيم المواجع وتضاريس الوطن.
    كان محمد وردي يوديها فاسمعها… فيضج الملا بي ويزدحم الطريق …ويزاحم الشمس حين طلوعها السودان بكل شموخه وكبرياءه …ويبقي الامل وان تعثر لكنه لايموت….
    الرحيل قرار يشق علي اهل هذه البلاد لاسيما الاجيال السابقه والتي ارتبطت بالارض والمكان كما الروح والجسد متي ما فارق احدهم الاخر زال وانتهي او كالورود وكالذهر متي ما نقلتها من مكانها ذبلت فان عاشت فهي لاتمنحك ذات الاريج في مكانها الاول … هو حال كثير من السودانيين ممن كتبت عليهم الهجره والسفر وطول الليل والسهر… التايهين من مرفي لي مرفي …. قلبي معكم…..نحن ايضا كأنما تعنينا ابيات القصيده رغم التصاقنا به وبتباريحه… حالنا عبر عنه من قال( بقيت ياوطني زي منفاي)…قلبي معكم ايتها الطيور المهاجره نحس بكم ونتقاسم الحب ايضا كما نتقاسم ذات المصير…. رد الله غربتكم وغربتنا ونحن فيه… وغربه الوطن الذي لا انفك من البكاء علي صدره…..لم يقو التجاني سعيد في كلماته باتخاذ القرار الصعب كشاعر يعبر عن مكنونات جيل بكل تداخلاته وعلايقه وارتباطاته الوجدانيه في قرار الرحيل هكذا دفعه واحده وكأنه يمني النفس ويرجوها الا تفعل فاكتفي ب (قلت….قلت ارحل) مما يفهم من الصياغ التردد رغم وجود الدوافع المتمثله في عدم الوفاء والتنكر والجفاء بحثا عن بديل يحمل ما يسكن روحه ويهدي من لوعته او يضمد قلبه الجريح ولكن هيهات …كل الارض منفي …..(.قلت ارحل اسوق خطواتي من زولا نسي الالفه
    اهوم ليل واساهر ليل اتوه من مرفي لي مرفي …. ابدل ريد بعد ريدك عشان يمكن يكون اوفي…..رحلت وجيت في بعدك لقيت كل الارض منفي) مطلع يشكل ملامح مجتمع يغلب عليه الخير وللالفه والصلات القايمه علي التواصل كجزء من ملامح عظمته الانسانيه وبناءه الروحي والوجداني…ويمكن لعلماء المجتمع ان يفصلو تفصيلا متي ماترامي لمسامعهم المطلع عن طبيعه الناس والاشياء ذلك الزمن الجميل… لقد اختار الليل فهو اقرب لحاله الرحيل في تكمله ما يحس في تنقله بين المرافي…. ان حالته الشعوريه تصف لنا وصفا دقيقا لمكونات المعاصرين الذين شكلو لوحه السوداني ( الزول) في مجامع العظمه والانسانيه .. ولا اجد تفسيرا علميا لما ّال بنا الحال الا ان فترات الاستبداد والقهر السياسي هي من افسدت علينا صور الجمال في حياتنا وسلبت احاسيس الناس الذين اهمهم امر المعاش او ذهبت به اضابير المظالم في اوديه التباغض مما نحي عنهم تذوق الجمال او التفاعل مع صور الكون البديعه……كل الارض منفي
    تضطرم المفردات وتتداخل في لوحه تشعل الوجدان بل تشعل التاريخ الانساني في هذا البلد الجميل وذكرياته …(عيونك زي سحابه صيف تجافي بلاد وتسقي بلاد…..وزي فرح البعيد العاد…وزي كلمات بتتاوه لما يجي الميعاد…وزي عيدا غشاني وفات وعاد عم البلد اعياد…وزي وطنا وقت اشتاقلو برحل ليهو من غير زاد)….. ويقر ..واقر ايضا … (.بدون عينيك بصبح زول بدون ذكري وبدون ميلاد.)… اما كيف تتأوه الكلمات ذلك لانها حيه وليست جامده تحس كما نحس لا حروفا ميته لار وح ولا حياه فيها لذلك تحدث هذا الاثر فيمن حولها من الكاينات والاشياء….من ينقل فرح البعيد العاد …..والعيد ايكون اعياد…. لقد فقدنا احساسنا بالعيد والفرح …لا اذكر ان فرحت قريبا..
    زمان الفرقه والتسهيد بسيبو عشان تشيلو الريح بسيبو عشان صحيح الذكري بتوه عمرنا صحيح…….وانتي معايا ما بندم ولا بقضي العمر تبريح……واصلو العمر شوقا كان وحزنا كان… وصبرا كان فسيح وفسيح…….وكان دربا مشيتو كسيح…….وكان غرسا سقيتو بكا وقبضته الريح)…..وقبضت الريح.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً