بسم الله الرحمن الرحيم
abdelmoniem2@hotmail.com
دور الدِّين بين الحكم الراشد والاستبداد:
سبق وأن قلنا إنَّ الدِّين في جوهره هو تخليص للإنسان من كلِّ العبوديَّات لعبوديَّة من خلقه مُعزَّزاً مُكرَّماً لا يذلُّه أحدٌ، ولا يخاف إلا من خالقه، وإذا شارك ذلك خوف آخر فهو شرك ظاهر أو خفي. والفاروق عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه علم العلاقة بين دور الدين التحريري وبين الإنسان وهو رفعة إنسانية الإنسان حرّ الإرادة، ونبَّه عن كيفية دور الدولة الاستبدادي والذي يمكن أن يكسر نفسية الإنسان ويحطِّم إيمانه ويمهِّد نفسه للشرك لخوفه على حياته ولذلك يقول: ” ولا تضربوا أبشارهم فتذلُّوهم “، ويقول أيضاً: “وسبابُ المسلمِ فسوقٌ وقتالُه كفرٌ”.
وقد أثبتنا أنَّ الخالق لم ولن يُقسر أحداً على اختيار مرتبة العبوديَّة وإنَّما أعطي الإنسان كامل الحريَّة للاختيار بعد أن زوَّده بما يساعده على الاختيار المُعافي، وعليه فقد انتفت الأيديولوجيَّة من الدِّين. وهذا يعني أنَّ أيِّ إكراه باسم الدِّين ليس من الدِّين في شيء.
والواجب الانتباه أن الله الذي خلق الإنسان لم يقطع عطاء الربوبية عنه رغم كفره وجحوده وأخَّر حسابه حتى يموت. وفي هذا مثل للقائد تجاه مواطنيه أنَّه لا يهمَّه صحة إيمانهم أو عدمه، ولا ولاءهم من عدمه، وإنَّما يهمَّه أن يعدل بينهم ولا يقطع عنهم العطاء، وإن أنكروا صنيعه، ولا يؤثر به آخرين دون آخرين، ولا يعاقبهم حتى يخطئوا في حقِّ المجتمع لا في حقِّ الله لأنَّ الله كفيل بعبيده يحاسبهم متي شاء.
والله سبحانه وتعالي لم يوكل الخلافة للإنسان ليقوم بدور الملك من حساب وعقاب على الإيمان ولكن ليقوم بدور الرب الذي عمَّر الدنيا للإنسان فإن لم يزد في العمران فلا ينقص فيه وأهم عمران هو عمران نفس الإنسان.
ولأنَّ الملك الحق لا يصح إلا في حقِّ الله تعالي الذي له ملك السماوات والأرض ومن فيهن، فلا يصح للقائد أو الحاكم أن يملك الناس، ولا أن يحكم عليهم ولكن أن يحكم بينهم بالعدل، والحكم في الجريمة ليست على الإنسان ككائن ولكن على فعله فإن أساء عوقب أو عفي عنه وإن أحسن أثيب.
هذا ما فهمه قادة المسلمين في عهدهم الأول وطبقوه فنزعوا ذاتيتهم من أحكامهم وجعلوا أعمالهم لله لأنَّهم خافوه وأدركوا وجوده معهم أينما كانوا. ويروي سيدنا عبدالله بن العباس رضي الله عنه:
“قَدِم عُيينةُ بن حصن بن حذيفة بنِ بَدرٍ، فنَزَل على ابنِ أَخيهِ الحُرِّ بنِ قيسِ بنِ حِصْنٍ، وكان مِن النَّفرِ الَّذين يُدْنيهُم عُمرُ، وَكان القُرَّاءُ أَصحابَ مَجلسِ عُمرَ ومُشاورَتِه، كُهولًا كانوا أو شُبَّانًا، فَقال عُيَينةُ لابنِ أَخيهِ: يا ابنَ أَخي، هل لكَ وَجهٌ عِندَ هَذا الأَميرِ فتَستأذِنَ لي عَليهِ؟ قال: سأَستَأذِنُ لكَ عليهِ، قال ابنُ عبَّاسٍ: فاستَأذَن لِعُيينَةَ، فلمَّا دَخَل قال: يا بنَ الخطَّابِ، واللهِ ما تُعْطينا الجَزْلَ، ولا تَحكُمُ بَينَنا بالعَدلِ، فغَضِب عُمرُ حتَّى همَّ بأنْ يَقعَ بِه، فقال الحُرُّ: يا أميرَ المُؤمنينَ، إنَّ اللهَ تَعالى قال لِنَبيِّه ﷺ: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، وإنَّ هَذا منَ الجاهلينَ، فواللهِ ما جاوَزَها عُمرُ حينَ تَلاها عليهِ، وكان وقَّافًا عندَ كِتابِ اللهِ.
هذا ديدن الإمام العادل عمر بن الخطاب فما هو ديدن أئمة الظلم؟
وبعد أن تكالبت على الإنسان أدوات الاستبداد وانتزعت حريَّته، وانتهكت كرامته، حتى اختفت مبادئ المساواة أمام الخالق الواحد الأحد من عالم الإنسان، كان لا بُدَّ لهذا الخالق العدل أن يعدل كفَّتي الميزان بإرسال الرُّسل ليعيد حريَّة الإنسان وكرامته إلى ما تجب أن تكون. وهكذا هي المعركة بين جبابرة الأرض يذلُّون الإنسان وبين جبَّار السماوات والأرض يرفع مكانه ويكرِّمه في القرون السابقة للمصطفي صلى الله عليه وسلم.
وقد كان في اختيار المولي عزَّ وجلَّ للمصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم من وسط لا هو بالبادية ولا بالحضر، وإن كان أقرب للبادية أخلاقاً، فهو لإحساسه الطَّبيعي بقيمة حريَّته وكرامته وعدم تشوّهه النَّفسي مع أنَّ مجتمعه استعبد النَّاس. وقد كان أقرب النَّاس لمبادئ الإخوة الإنسانيَّة بدليل أنَّه تبنَّي سيدنا زيد رضي الله عنه، وكان أكثر النَّاس رحمة وأمانة حتى عرف بذلك واشتهر، وبلا طاغوتيَّة في قلبه وسلوكه، ولذلك فقد قدَّم مثالاً للعافية النَّفسيَّة المتكاملة، ولذلك لم يكن من الصعب عليه أن يتجاوز الحاجب النَّفسي الاجتماعي الذي نشأ عليه في قريش، وينفذ إلى لبَّ الإنسانيَّة، فيري النَّاس سواسية في جوهرهم، ويري قابليَّتهم للتَّطوُّر والإبداع.
ولذلك فقد قدَّم مثالاً للقيادة لم يسبقه إليه أحد سار عليه الخلفاء الرَّاشدين تقدَّمت فيه المبادئ على الذَّرائعيَّة، فكان العدل هو ميزان الأمور لأنَّّ النَّاس سواسية أمام القانون وفي القيمة الإنسانيَّة لا يفرِّقهم عنصر ولا عرق ولا لون ولا طبقة. هذه ثقافة التَّحرُّر في مقابلها ثقافة الخضوع والتي يستوي فيها الظاهر مع محتوي الباطن. ولا يكون الفساد إلا بالعدول عن الحق إلى الباطل وإن طغي الفساد وزان في عين الناس.
وأوَّل انكفاء لهذا النَّسق تمَّ على يد سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، فابتدأ الاستبداد السياسي الذي لحقه التَّمييز الطبقي، والتَّشوُّه النَّفسي نتيجة الخنوع، ولكن فقد كانت هناك إشراقات عابرة لأنَّ مؤهِّلات القيادة كانت لا تعوزها الحكمة تماماً في سياسة البشر بتقريبهم وشراء رضاهم بالمعاملة الحسنة وبالمال.
ولكن العهد الأموي لم يدفع بالأمَّة إلا للحرب لصرفهم عن التفكير في حقوقهم وشغلهم بأنفسهم إذ في إقامتهم وتعلمهم رفع لوعيهم الفكري والسياسي ولذلك لم يوجههم للعلم لأنَّ العلم كان مصدر خطر على الحاكم فاستبدلت الانشغال بالعلم الدِّيني بالانشغال بالأدب وخاصَّة الشعر مما يعني ضمور الفكر والاعتماد على المواهب المتفردة.
وبرغم استمرار الاستبداد في العهد العبَّاسي لكن تغيَّر نسق الحكم بتقريب العلماء ودعم الدِّين والعلم، فصار العلماء حجاباً للنَّاس من جور السلطان، ووفَّروا ملاذاً للمستضعفين تقوم مقام عمل المجتمع المدني اليوم، وذلك لاستقلاليَّتهم الفكريَّة والمادِّيَّة عن السلطان، فارتفع مكانهم لدي السلطان وخاف غضبهم الذي كان سيجرُّ عليهم غضب أتباعهم. ولم يتم ذلك إلا بارتفاع الوعي الدِّيني والإنساني بالحقوق لأنَّ حافَّة الحريَّة كانت أكبر منها في العهد الأموي فكثرت المؤلفات والاكتشافات العلمية. ونشأ بيت الحكمة ولم يفرِّق السلطان بين العلماء بل ساوي بين المسلم وغير المسلم لا يرفع مكانة العالم منهم إلا علمه ودرجة نفعه للإنسانية.
وأيضاً فقد توسَّعت الامبراطوريَّة الإسلاميَّة وانتفي الفقر والعوز. هذه الأسباب أدَّت لاستطالة العهد العبَّاسي إلى أن ساد التَّرف وغلب على ميل الملوك للدِّين والعلم وعندها صار التَّناقض المعرفي والسلوكي هو السائد خاصَّة عند الملوك يبكون خشوعاً أمام العلماء ويقتلون النَّفس التي حرَّم الله ظلماً من غير تردُّد، فضعفت قوَّتهم، وانتشرت الفوضى، وغزاهم الأعداء إلى أن انتهت مملكتهم على يد التَّتار.
لربما يظنُّ البعض أنَّ مفهوم التَّنافر المعرفي والسلوكي جديد ولكنَّه قديمٌ قِدَمِ الدِّين منذ اختبار سيدنا آدم عليه السَّلام في بداية الخلق.
فالذي حدث له كان تناقضاً بين ما عرفه وما فعله؛ ولذلك تنشأ حالة الاستغراب التي تخطر ببال النَّاس حين يقرؤون أو يسمعون قصَّة ما حدث. وتراهم يقولون نفس الشَّيء عندما يفعل شخصٌ ما أمراً لا يتَّسق مع طريقة تفكيره؛ كالذي يكون ظاهر التَّديُّن ويأتي مُنكراً فالنَّاس تتَّهمه بالنِّفاق، أو بالجنون، أو إن كانوا أكثر رحمة قالوا: “إنَّ لكلِّ جوادٍ كبوة”.
وقد حُظِي المفهوم باهتمام علماء المسلمين وعُرف بتناسق أو تطابق السرُّ مع العلانية. فهذا ابن رجب الحنبلي رضي الله عنه يقول:
“خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطَّلِعُ عليها النَّاس”. فالمُحصِّلة لحياة شخصٍ اشتهر بصلاحه قد ترتبط بما في سرِّه من تناقضٍ معرفيٍّ وسلوكيٍّ لا يظهر إلا في خلوته مع نفسه، فهو يخشى النَّاس ولا يخشى الله كالثمرة التي تبدو ناضجة وجميلة ولكنَّها مُرَّة المذاق.
وهذا خالد بن صفوانٍ يقول في حسن البصري، رضي الله عنهما:
“إنَّه امرؤ سريرته كعلانيَّته – واحدة – وقوله كفعله، إذا أمر بمعروف كان أعمل النَّاس به، وإذا نهى عن منكرٍ كان أَترَك النَّاس له”. هذه قمَّة التَّناسق بين الفكر والسلوك لا يتأتَّى إلا بعد مجاهدة للنَّفس عظيمة.
أمَّا الباز الأشهب الإمام عبدالقادر الجيلاني رضي الله عنه وأرضاه، فقد ألَّف كتاباً كاملاً في هذا الموضوع أسماه: “جلاء الخاطر في الباطن والظَّاهر”.
ويظهر من عنوان الكتاب بوضوحٍ مفهوم التَّناقض المعرفي والسُّلوكي نتيجة تشويش الخاطر الذي يحتاج إلى جلاء حتى يتَّسِق الظَّاهر مع الباطن.
وهذا القول يلخص المسألة خاصة علاقة العالم أو المثقف بالسلطة:
” من أحب لله وأبغض لله، ووالى في الله وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئا”.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم