السودان بين فوهة البندقية وطاولة التفاوض: لماذا تتعثر كل المسارات؟

دكتور الوليد آدم مادبو

“الحرب لا تُحسم حين ينتصر طرف، بل حين يعجز الجميع عن تحمّل كلفتها.” — كارل فون كلاوزفيتز

حين يُنظر إلى الحرب في السودان من زاوية مبادئ التفاوض الكلاسيكية—وقف إطلاق النار، بناء الثقة، الترتيبات السياسية—قد يبدو المشهد وكأنه مجرد تأخر في التطبيق. لكن الواقع أكثر تعقيدًا: فالأزمة السودانية لم تعد نزاعًا داخليًا خالصًا، بل تحولت إلى عقدة تتقاطع فيها هشاشة الدولة مع صراعات الإقليم وتحولات النظام الدولي.

أولًا: وقف إطلاق النار… هدنة بلا أسنان

تكرار انهيار الهدن لا يعود فقط إلى غياب الإرادة السياسية، بل إلى منطق الحرب نفسه. لا يزال كل طرف يعتقد أن بإمكانه تحسين موقعه الميداني، خاصة في مناطق استراتيجية مثل الخرطوم وكردفان والنيل الأزرق، فيما تجعل خطوط التماس المتحركة أي خرق قابلًا للإنكار. لهذا، فإن أي وقف إطلاق نار قابل للحياة يتطلب ما هو أكثر من إعلان سياسي: خرائط سيطرة واضحة، وآليات رقابة فعالة، وحوافز وضغوط متزامنة.

ثانيًا: بناء الثقة… الحلقة المفقودة

إجراءات بناء الثقة لا تزال ضعيفة أو شبه غائبة. ورغم وجود نقاط دخول ممكنة—مثل ممرات إنسانية موضعية، أو تبادل المحتجزين، أو تحييد المرافق الحيوية—إلا أنها لم تتحول إلى مسار مستدام. والنتيجة أن كل محاولة للانتقال إلى مفاوضات جادة تصطدم بانعدام الثقة، وهو ما يبقي العملية السياسية في مرحلة أولية هشّة.

ثالثًا: السودان داخل عاصفة إقليمية ودولية

لا يمكن فهم الأزمة السودانية بمعزل عن محيطها. فهي جزء من صراعات أوسع تمتد عبر القرن الإفريقي والعالم العربي، وتتقاطع مع تنافس القوى الكبرى عالميًا. هذا التشابك يفسر كثرة المبادرات وغياب نتائجها في الوقت نفسه. إذ تعمل قوى إقليمية ودولية وفق أجندات متباينة، ما يؤدي إلى مسارات تفاوضية متوازية بدلًا من عملية موحدة.

المشكلة، إذن، ليست فقط في غياب “طاولة واحدة”، بل في غياب إرادة منسقة تفرض إطارًا تفاوضيًا جامعًا وملزمًا.

رابعًا: تفكك مفهوم الجيش وصعوبة تعريف الدولة

السؤال لم يعد ببساطة: من يحكم السودان؟ بل: ما طبيعة القوى المسلحة التي تتصارع على الدولة؟ هناك قراءة ترى أن ما يُعرف بالمؤسسة العسكرية فقد طابعه المهني وتحول إلى بنية ذات طابع عقائدي واجتماعي محدد، فيما تطورت قوات الدعم السريع من تشكيل غير نظامي إلى قوة عسكرية واسعة النفوذ، تعبّر—في نظر مؤيديها—عن قطاعات من الهامش الجغرافي والاجتماعي.

لكن، في المقابل، يواجه الطرفان اتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، ما يجعل أي توصيف أحادي للشرعية غير كافٍ لفهم الواقع. في هذا السياق، تبدو فكرة “الدمج” التي طُرحت قبل الحرب متجاوزة. والسؤال الأكثر إلحاحًا اليوم هو: هل يمكن بناء جيش وطني جديد من الصفر؟ وإذا كان ذلك ممكنًا، فما الشروط السياسية والاجتماعية اللازمة لذلك؟

خامسًا: تفاوض بلا نضج حاسم

لا تزال التفاعلات بين الطرفين أقرب إلى اتصالات تكتيكية منها إلى مفاوضات حقيقية. فغياب ما يُعرف بحالة “الجمود المؤلم المتبادل” يعني أن كلفة الحرب، من منظور الأطراف، لم تتجاوز بعد كلفة التسوية.

سادسًا: التشرذم… على جانبي الصراع

التفتت لا يقتصر على طرف دون آخر. فكما أن هناك تعددية في القوى المرتبطة بالدعم السريع، فإن المشهد في مناطق سيطرة الجيش ليس أكثر تماسكًا، مع وجود تشكيلات وقوى محلية متعددة التأثير. هذا التشرذم المزدوج يجعل أي اتفاق—حتى لو تم التوصل إليه—صعب التنفيذ على الأرض.

سابعًا: نحو واقع انقسامي؟

مع استمرار الحرب، يبرز احتمال تشكل كيانين سياسيين بحكم الأمر الواقع على ضفتي النيل—غربه وشرقه. قد لا يكون هذا السيناريو هدفًا معلنًا، لكنه يظل احتمالًا واقعيًا إذا استمرت الحرب دون تسوية. ومع ذلك، فإن تحوله إلى تقسيم مستقر يواجه تحديات كبيرة بسبب التداخل السكاني والاقتصادي.

ثامنًا: الكلفة الإنسانية… عامل الحسم الصامت

بعيدًا عن الحسابات العسكرية، تتصاعد الكلفة الإنسانية بشكل غير مسبوق: انهيار الخدمات، غياب الدولة، واستهداف المدنيين في مناطق مختلفة. هذا الواقع يطرح سؤالًا حاسمًا: إلى أي كلفة إنسانية يمكن أن تستمر الحرب؟

كما أن استمرار استهداف المدنيين—خصوصًا في مناطق غرب السودان—قد يخلق ضغوطًا إضافية على أي سلطة قائمة هناك، إذ تصبح قدرتها على حماية السكان عاملًا حاسمًا في بقائها أو فقدان مشروعيتها. في المقابل، قد تراهن سلطات بورتسودان على أن هذه الكلفة الإنسانية ستضغط على خصومها سياسيًا وعسكريًا.

الخلاصة: أزمة بلا مركز

تكمن صعوبة التفاوض في السودان في تداخل ثلاث أزمات:

  • تفكك داخلي في بنية الدولة والقوى المسلحة
  • تشابك إقليمي ودولي يعطل توحيد المسارات
  • اقتصاد حرب يجعل استمرار الصراع ممكنًا

في هذا السياق، قد لا يأتي الحل عبر اتفاق شامل مفاجئ، بل عبر مسار تدريجي يبدأ بترتيبات جزئية، ويتأثر بضغط عسكري وإنساني متراكم. حتى ذلك الحين، ستظل المفاوضات تدور في دائرة مفرغة، فيما يظل مستقبل السودان مفتوحًا على كل الاحتمالات—بما في ذلك سيناريوهات الانقسام وإعادة التشكل.

والأرجح أن فكرة “الدولة الموحدة” بصيغتها القديمة لم تعد قابلة للاستعادة بعد هذا القدر من التآكل، ما يفرض إعادة تعريف الدولة نفسها إن أُريد الإبقاء على السودان داخل حدوده، وذلك إما بصيغة كونفدرالية تقوم على تمثيل واقعي للثقل السكاني وتوزيع السلطة والثروة، أو عبر فدرالية مرنة تعترف بتعدد المراكز بدل إنكارها أو التسويف في تقبل واقع التشظي الوجداني والمكاني.

May 3, 2026

auwaab@gmail.com

عن د. الوليد آدم مادبو

د. الوليد آدم مادبو

شاهد أيضاً

لغة الفور: حين تتكلم الهوية بلغة الوطن

دكتور الوليد آدم مادبو في كمبالا، في السادس والعشرين من هذا الشهر، تنهض لغة الفور …