المخرج الآمن من معضلة السلام والعدالة وتصميم آليات إنهاء الصراع المسلح: الأدلة والبيانات، افضل وأسوأ الممارسات، والدروس المستفادة للسودان (الجزء الأول)
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
يؤكد الأدب المقارن في دراسات النزاعات المسلحة والعدالة الانتقالية أن معضلة السلام والعدالة تمثل أحد أكثر التحديات تعقيداً في عمليات إنهاء الحروب الأهلية، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية والأمنية والقانونية والاقتصادية بشكل يجعل أي حل أحادي البعد غير كافٍ. وتشير البيانات التراكمية إلى أنه بين عامي 1990 و2020 تم توقيع أكثر من 220 اتفاق سلام في نزاعات داخلية، إلا أن نحو 42% منها انهار خلال أقل من عشر سنوات، وهو ما يعكس هشاشة ترتيبات ما بعد النزاع عندما يغيب التكامل المؤسسي بين العدالة والحوافز السياسية والأمنية.
وتُظهر التحليلات المقارنة أن الدول الخارجة من النزاع التي تفتقر إلى آليات عدالة انتقالية متماسكة تواجه معدلات أعلى لعودة العنف تتراوح بين 30% و70% مقارنة بالدول التي اعتمدت نماذج هجينة تجمع بين المساءلة والمصالحة. وفي المقابل، تحقق النماذج التي تدمج بين العدالة الانتقالية وإعادة الإدماج السياسي والأمني نتائج أفضل بكثير في تقليل العنف وتعزيز الاستقرار. فقد سجلت كولومبيا بعد اتفاق 2016 انخفاضاً يقارب 60% في العنف المرتبط بالنزاع خلال السنوات الأولى، نتيجة دمج تخفيض العقوبات مع إعادة إدماج أكثر من 13,000 مقاتل سابق ضمن برامج سياسية واقتصادية واجتماعية متكاملة.
وتوضح المقارنة أن أفضل الممارسات في عمليات الانتقال تشمل ثلاثة عناصر رئيسية: دمج العدالة مع الحوافز الاقتصادية والسياسية لضمان استدامة السلام، تأجيل العدالة دون إلغائها عبر التدرج الزمني، وربط العفو بكشف الحقيقة والمساءلة الجزئية. ففي جنوب أفريقيا بين 1995 و2002، ساهمت لجنة الحقيقة والمصالحة في معالجة أكثر من 7000 طلب عفو مشروط، مما أتاح موازنة دقيقة بين الاستقرار السياسي وكشف الانتهاكات التاريخية. كما أظهرت تجربة سيراليون بعد 2002 أن إنشاء محكمة مختلطة ساعد في تحقيق الردع الجزئي دون انهيار العملية السياسية، بينما دعمت برامج إعادة الإدماج في كولومبيا الاستقرار النسبي في مناطق النزاع.
في المقابل، تكشف أسوأ الممارسات عن ثلاثة أنماط فشل بنيوي متكررة. أولها الإفراط في العدالة الفورية في سياق نزاع نشط، كما حدث في بعض تدخلات المحكمة الجنائية الدولية في أفريقيا، حيث أدى ذلك إلى تقليص الحوافز التفاوضية لدى الفاعلين المسلحين وزيادة تعقيد مسارات السلام. ثانيها الإفراط في العفو غير المشروط، كما في بعض حالات ليبيريا وموزمبيق، حيث أدى غياب المساءلة إلى إعادة إنتاج شبكات العنف خلال أقل من عقد من الزمن. ثالثها التعدد المؤسسي غير المنسق، كما في الحالة السودانية بعد 2019، حيث أدى تداخل المبادرات الدولية والإقليمية دون تنسيق فعال إلى إضعاف قدرة العملية الانتقالية على تحقيق نتائج ملموسة.
ومن الناحية النظرية، تُقسم العلاقة بين السلام والعدالة إلى ثلاثة نماذج رئيسية: نموذج “العدالة أولاً” الذي يعزز الردع لكنه قد يضعف فرص التفاوض، نموذج “السلام أولاً” الذي يركز على وقف الحرب لكنه قد يؤدي إلى الإفلات من العقاب، والنموذج الهجين الذي يقوم على التدرج الزمني وتأجيل العدالة دون إلغائها، وهو النموذج الذي أثبت فعاليته في حالات مثل جنوب أفريقيا.
وتُظهر التحليلات المقارنة أن التوقيت هو العامل الحاسم في نجاح عمليات الانتقال، حيث إن المساءلة الفورية قد تعرقل التفاوض، بينما يؤدي التأجيل غير المنظم إلى فقدان الثقة، في حين تحقق النماذج المشروطة أعلى مستويات الاستقرار. كما أن العدالة الانتقالية تعتمد على أدوات متعددة تشمل لجان الحقيقة، المحاكم المختلطة، والمحاكم الدولية، وقد ساهمت في توثيق عشرات الآلاف من الانتهاكات، مثل أكثر من 69,000 حالة وفاة في بيرو، إضافة إلى إدانة قيادات رئيسية في سيراليون، وتنفيذ برامج تعويضات واسعة في المغرب.
في الحالة السودانية، تُظهر التجربة التاريخية أن غياب التكامل بين العدالة والمؤسسات الأمنية والسياسية أدى إلى إعادة إنتاج النزاع عبر دورات متكررة، حيث فشلت عدة عمليات انتقال في تحقيق استقرار دائم بسبب ضعف التنسيق المؤسسي وغياب التدرج الزمني في تطبيق العدالة. وتشير الأدلة إلى أن نجاح أي انتقال مستقبلي يتطلب دمج العدالة الانتقالية مع ترتيبات أمنية واقتصادية واضحة، واعتماد نموذج حوافز يجعل السلام الخيار الأكثر عقلانية واستدامة مقارنة بالعنف.
ويقوم “المخرج الآمن” على إعادة تشكيل الحوافز بحيث يصبح إنهاء الحرب خياراً عقلانياً للفاعلين، كما يظهر في تجربة كولومبيا، بينما يؤدي ضعف التنفيذ كما في جنوب السودان إلى انهيار الاتفاقات وعودة النزاع. ويعتمد هذا الإطار على أربعة مبادئ رئيسية: المشروطية، التمايز، التدرج الزمني، والتراكب المؤسسي، بما يحول العدالة من حدث لحظي إلى عملية زمنية ممتدة.
وفي المحصلة، تؤكد الأدلة أن السلام والعدالة عمليتان مترابطتان وليستا متعارضتين، وأن أكثر النماذج نجاحاً هي تلك التي تدير هذا الترابط عبر تصميم مؤسسات هجينة، توازن بين الحوافز والمساءلة، وتعيد تعريف العدالة بوصفها عملية تدريجية متراكمة وليست لحظة منفصلة، بما يجعل الاستقرار السياسي أكثر قابلية للاستدامة في البيئات الهشة والمعقدة.
النص الكامل للمقال
- المقدمة
تُعد معضلة السلام والعدالة من أكثر الإشكاليات رسوخاً وتعقيداً في أدبيات النزاعات المسلحة والانتقال السياسي، إذ تتعلق بإيجاد توازن عملي بين وقف العنف المسلح من جهة، وضمان المساءلة القانونية والأخلاقية عن الجرائم الجسيمة مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية من جهة أخرى. وقد اكتسبت هذه المعضلة مركزية متزايدة منذ نهاية الحرب الباردة، مع تصاعد الحروب الأهلية واسعة النطاق في إفريقيا (رواندا 1994، سيراليون 1991–2002، ليبيريا 1989–2003، جنوب السودان 2013–الآن)، وفي أمريكا اللاتينية (تشيلي، الأرجنتين، بيرو)، وفي البلقان (البوسنة والهرسك 1992–1995 وكوسوفو 1998–1999)، حيث تداخلت عمليات بناء السلام مع عمليات العدالة الانتقالية بدرجات متفاوتة من النجاح والفشل (Teitel, 2000).
وتشير الأدبيات النظرية المقارنة إلى أن العلاقة بين السلام والعدالة ليست علاقة تناقض مباشر أو اختيار صفري (zero-sum), بل هي علاقة تفاعل بنيوي مشروط بالزمن، وتوازن القوى، وقدرة المؤسسات القضائية والسياسية على التنفيذ (Ambos, 2009). ففي البيئات الضعيفة مؤسسياً، غالباً ما تصبح العدالة المؤجلة أو المشروطة أداة ضرورية لإدارة الانتقال، بينما في البيئات المستقرة نسبياً يمكن للعدالة الفورية أن تعزز الردع وتمنع تكرار الانتهاكات.
وتُظهر قواعد البيانات العالمية للنزاعات المسلحة، وخاصة قاعدة بيانات Uppsala Conflict Data Program، أن أكثر من 220 اتفاق سلام تم توقيعه بين عامي 1990 و2020 في نزاعات داخلية، إلا أن ما يقارب 42% منها انهار خلال أقل من عشر سنوات من توقيعه، وأن نسب العودة إلى العنف تتراوح بين 20% و60% في الحالات التي غابت فيها ترتيبات العدالة الانتقالية أو اعتمدت على العفو العام غير المشروط أو التسويات السياسية غير المصحوبة بإصلاحات أمنية وقضائية عميقة (Uppsala Conflict Data Program, 2021). كما تشير دراسات البنك الدولي إلى أن الدول الخارجة من النزاع التي لا تعالج جذور الصراع المؤسسية والاقتصادية تعاني من احتمالات أعلى للعودة إلى العنف بنسبة قد تصل إلى 40% خلال العقد الأول بعد اتفاق السلام (World Bank, 2011).
وفي الحالة السودانية، يتجلى هذا الإشكال بصورة أكثر تعقيداً نتيجة الطبيعة المركبة للنزاعات وتعدد الفاعلين المسلحين وتداخل البعد السياسي بالعرقي والاقتصادي والجغرافي. فقد أنهت اتفاقية السلام الشامل (CPA) عام 2005 أطول حرب أهلية في إفريقيا بين الشمال والجنوب، والتي أودت بحياة ما يقارب مليوني شخص وأدت إلى نزوح واسع النطاق، لكنها انتهت بانفصال جنوب السودان عام 2011 نتيجة تراكم خلافات بنيوية حول تقاسم السلطة والثروة وترتيبات ما بعد الصراع. كما فشلت اتفاقية الدوحة 2011 في إيقاف نزاع دارفور المستمر منذ 2003، بينما لم تمنع اتفاقية جوبا 2020 تفجر حرب شاملة جديدة في 2023–2024 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وهو ما أعاد إنتاج نمط الانهيار المؤسسي بدلاً من بناء سلام مستدام (Mohamed, 2026).
وتشير هذه السلسلة من الأحداث إلى نمط بنيوي متكرر يمكن وصفه بـ“السلام غير المكتمل”، حيث يتم التركيز على وقف إطلاق النار أو التسويات السياسية قصيرة المدى دون معالجة عميقة لقضايا العدالة الانتقالية، وإعادة هيكلة القطاع الأمني، وإصلاح النظام القضائي، وإعادة توزيع السلطة والثروة، وهو ما يؤدي في النهاية إلى إعادة إنتاج النزاع بأشكال مختلفة.
وانطلاقاً من هذا السياق، تطرح هذه الدراسة سؤالاً مركزياً يتجاوز الطرح التقليدي: كيف يمكن تصميم “مخرج آمن” يسمح بإنهاء الحرب عبر توفير حوافز واقعية وعملية للفاعلين المسلحين، وفي الوقت ذاته يمنع انهيار منظومة العدالة ويحول دون إعادة إنتاج العنف في دورات جديدة، خاصة في سياقات هشة ومعقدة مثل السودان؟
- الأدلة والبيانات
تشير البيانات التراكمية المقارنة المستمدة من عقود من دراسات النزاعات المسلحة الحديثة إلى أن تصميم ترتيبات ما بعد النزاع لا يمكن فهمه باعتباره عملية تقنية محايدة، بل هو نتاج تفاعل معقد بين الحوافز السياسية التي تدفع الأطراف المسلحة إلى قبول السلام، وبين متطلبات المساءلة القانونية المرتبطة بالعدالة الانتقالية، بما في ذلك المحاكمات، لجان الحقيقة، وآليات التعويض (Clark, 2018). هذا التفاعل يتأثر أيضاً بميزان القوى على الأرض، وبمدى تدخل الفاعلين الدوليين، وبقدرة الدولة الخارجة من النزاع على فرض سيادة القانون وإعادة بناء المؤسسات القضائية والأمنية.
وتُظهر الأدلة أن أحد أكثر المحددات حساسية في استدامة السلام هو درجة “دمج” العدالة الانتقالية داخل عملية السلام نفسها. فكلما كانت العدالة جزءاً مدمجاً في الاتفاق السياسي منذ البداية، زادت فرص الاستقرار، بينما يؤدي الفصل بين المسارين إلى خلق فراغ مؤسسي يسمح بإعادة إنتاج العنف. وتؤكد التحليلات المقارنة أن غياب هذا الدمج يؤدي غالباً إلى ما يمكن تسميته بـ”السلام الهش”، حيث تنخفض احتمالات العودة الفورية للحرب لكن ترتفع احتمالات الانهيار المتوسط المدى خلال 5 إلى 10 سنوات.
وتُظهر قاعدة بيانات النزاعات المسلحة في أوبسالا (UCDP)، التي تُعد من أكثر قواعد البيانات شمولاً في تتبع النزاعات منذ عام 1946، أن حوالي 42% من اتفاقات السلام الموقعة منذ عام 1990 قد انهارت خلال أقل من عقد من الزمن (Uppsala Conflict Data Program, 2021). والأهم من ذلك أن هذه النسبة لا تعكس فقط الفشل في التنفيذ، بل تعكس أيضاً هشاشة التصميم المؤسسي للاتفاقات نفسها، خاصة في الحالات التي غابت فيها ترتيبات العدالة الانتقالية أو تم استبدالها بعفو شامل غير مشروط.
كما تشير تحليلات البنك الدولي المستندة إلى مقارنات بين أكثر من 30 حالة نزاع في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية خلال الفترة 1990–2015 إلى أن الدول الخارجة من النزاع التي تفتقر إلى منظومات عدالة انتقالية متماسكة—تشمل لجان الحقيقة، المحاكم المختلطة، برامج التعويض، وإصلاح القطاع الأمني—تواجه معدلات عودة إلى العنف أعلى تتراوح بين 30% و70% مقارنة بالدول التي اعتمدت نماذج انتقالية شاملة (World Bank, 2011). ويُفسر ذلك بأن غياب المساءلة المؤسسية لا يؤدي فقط إلى الإفلات من العقاب، بل يعيد إنتاج مظالم تاريخية غير معالجة تتحول لاحقاً إلى دوافع تعبئة جديدة للعنف.
وفي المقابل، تُظهر البيانات المقارنة المستقاة من تجارب السلام الناجحة نسبياً أن النماذج التي اعتمدت ترتيبات هجينة تجمع بين العدالة الانتقالية والسلام السياسي حققت مستويات أعلى من الاستقرار والاستدامة. ففي كولومبيا، وبعد توقيع اتفاق السلام عام 2016 بين الحكومة وحركة القوات المسلحة الثورية الكولومبية (FARC)، أظهرت بيانات الرصد الأمني انخفاضاً في معدلات العنف بنسبة تقارب 60% خلال السنوات الثلاث إلى الخمس الأولى بعد الاتفاق، خاصة في المناطق الريفية مثل ناريـنيو (Nariño) وكاوكا (Cauca) وأنتيوكيا (Antioquia)، وهي مناطق كانت من أكثر المناطق تضرراً بالنزاع المسلح لعقود (International Crisis Group, 2022). وقد تحقق هذا الانخفاض نتيجة دمج آليات العدالة الانتقالية مع برامج نزع السلاح وإعادة الإدماج (DDR)، بما في ذلك تخفيف العقوبات القضائية مقابل الاعتراف بالمسؤولية والمشاركة في آليات الحقيقة وعدم التكرار.
كما تقدم تجربة جنوب أفريقيا بعد نهاية نظام الفصل العنصري نموذجاً معيارياً مهماً لفهم العلاقة بين العدالة والاستقرار، حيث اعتمدت لجنة الحقيقة والمصالحة (1995–2002) على مبدأ “العفو المشروط مقابل الحقيقة”، مما سمح بكشف آلاف الانتهاكات المرتبطة بفترة الأبارتهايد دون انهيار النظام السياسي الجديد. وتشير الأدلة إلى أن هذا النموذج ساهم في تقليل احتمالات العودة إلى العنف مقارنة بالنماذج التي اعتمدت العفو الشامل أو المحاكمات الفورية، لأنه خلق توازناً بين الحاجة إلى الاستقرار الفوري والحاجة إلى الاعتراف بالانتهاكات التاريخية وإعادة بناء الثقة المجتمعية (Hayner, 2011).
وفي سياقات أخرى مثل سيراليون وليبيريا، تُظهر البيانات أن غياب هذا التوازن أدى إلى نتائج أقل استقراراً، حيث ساهمت ترتيبات العفو الواسع في إنهاء القتال بسرعة نسبية، لكنها لم تمنع إعادة تشكل شبكات العنف خلال أقل من عقد، خاصة في ظل ضعف الإصلاح المؤسسي وغياب العدالة التعويضية.
وتشير هذه الأدلة مجتمعة إلى أن العامل الحاسم في نجاح أو فشل ترتيبات ما بعد النزاع لا يكمن في توقيع اتفاق السلام بحد ذاته، بل في البنية التصميمية للعلاقة بين العدالة والحوافز السياسية، وفي مدى قدرة النظام الانتقالي على تحويل العدالة من أداة عقابية فورية إلى عملية تدريجية متعددة المستويات مدمجة داخل مسار بناء السلام، بما يضمن عدم إعادة إنتاج الصراع في دورات جديدة.
- أفضل الممارسات
تُظهر أفضل الممارسات المستخلصة من تجارب الانتقال السياسي الناجحة نسبياً أن الاستقرار بعد النزاعات المسلحة الطويلة والمعقدة لا يتحقق عبر أداة واحدة أو سياسة منفردة، بل عبر منظومة متكاملة من التدخلات التي تجمع بين الحوافز السياسية الواقعية، والعدالة الانتقالية المتدرجة، وإعادة بناء المؤسسات، وإعادة دمج الفاعلين المسلحين في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة. وتشير الأدبيات المقارنة إلى أن النماذج الأكثر نجاحاً هي تلك التي تعاملت مع العدالة بوصفها عملية زمنية تدريجية قابلة للتكييف، وليست حدثاً قضائياً فورياً أو عقابياً منفصلاً عن سياق بناء السلام، بل جزءاً عضوياً من هندسة الانتقال السياسي نفسه (Teitel, 2000؛ Sriram, 2007).
في جنوب أفريقيا، خلال الفترة الممتدة من 1995 إلى 2002، تمثل تجربة لجنة الحقيقة والمصالحة واحدة من أكثر النماذج تأثيراً في تاريخ العدالة الانتقالية الحديثة. فقد عملت اللجنة في سياق انتقال سياسي حساس بعد نهاية نظام الفصل العنصري، حيث كانت الدولة الجديدة تواجه خطر الانهيار أو العودة إلى العنف إذا ما تم تبني مقاربة عدالة عقابية شاملة وفورية. لذلك تم اعتماد نموذج “العفو المشروط مقابل الحقيقة”، حيث تم النظر في أكثر من 7000 طلب عفو، وتم منح العفو فقط في الحالات التي قدم فيها المتهمون اعترافاً كاملاً ومفصلاً بالانتهاكات ذات الدوافع السياسية. هذا التصميم سمح بإنتاج توازن دقيق بين متطلبات الاستقرار السياسي الفوري وبين الحاجة إلى كشف الحقيقة التاريخية حول الانتهاكات الواسعة التي وقعت بين 1948 و1994، بما في ذلك القتل خارج القانون، والاعتقال التعسفي، والتعذيب المنهجي.
وقد ساهم هذا النموذج في تقليل احتمالات العودة إلى العنف عبر خلق ما يمكن وصفه بـ”الذاكرة المؤسسية المشتركة”، التي لم تُبنَ على الإنكار أو الانتقام، بل على الاعتراف العلني المنظم بالانتهاكات. وتشير التحليلات إلى أن هذا النوع من العدالة التفاوضية ساعد في تخفيف التوترات العرقية والسياسية، خاصة في المناطق الحضرية الكبرى مثل جوهانسبرغ وكيب تاون، حيث كان خطر العنف السياسي مرتفعاً في منتصف التسعينات (Hayner, 2011). كما ساعد في تعزيز شرعية النظام الديمقراطي الجديد عبر دمج أطراف النزاع السابقين في عملية سياسية انتقالية بدل استبعادهم الكامل.
وفي كولومبيا، خلال الفترة 2016–2022، تمثل تجربة اتفاق السلام مع حركة القوات المسلحة الثورية الكولومبية (FARC) أحد أهم النماذج المعاصرة للعدالة الانتقالية الهجينة المرتبطة مباشرة بإنهاء نزاع مسلح طويل امتد لأكثر من خمسين عاماً. فقد تم تصميم الاتفاق بحيث يدمج بين تخفيف العقوبات القضائية، وإنشاء نظام قضائي خاص للسلام (Special Jurisdiction for Peace)، وبرامج شاملة لإعادة إدماج أكثر من 13,000 مقاتل سابق في المجتمع المدني، بما يشمل التدريب المهني والدعم الاقتصادي والحماية الأمنية.
وقد أظهرت البيانات أن هذا النموذج ساهم في خفض معدلات العنف بشكل كبير، حيث انخفضت معدلات القتل المرتبطة بالنزاع بنسبة تقارب 60% خلال السنوات الأولى بعد توقيع الاتفاق، خصوصاً في المناطق الريفية الهشة مثل كاوكا (Cauca)، ناريـنيو (Nariño)، وأنتيوكيا (Antioquia)، التي كانت تاريخياً من أكثر المناطق تضرراً بالنزاع المسلح وتجارة المخدرات والصراع على الأرض (International Crisis Group, 2022). ويعود هذا النجاح النسبي إلى قدرة النموذج على خلق حوافز ملموسة للالتزام بعملية السلام، من خلال ربط الامتيازات القانونية بالمشاركة في العدالة الانتقالية، بما في ذلك الاعتراف بالمسؤولية، والكشف عن الحقيقة، والمساهمة في ضمان عدم التكرار.
كما تضيف التجربة الكولومبية بعداً مهماً آخر يتمثل في دور الدولة في ضمان تنفيذ الاتفاق، حيث تم إنشاء مؤسسات متخصصة لمراقبة تنفيذ اتفاق السلام، بالإضافة إلى دعم دولي متعدد الأطراف من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، مما ساعد في تعزيز الاستقرار المؤسسي خلال السنوات الأولى الحرجة من مرحلة ما بعد الاتفاق. ومع ذلك، تشير بعض الدراسات إلى أن التحديات لا تزال قائمة في بعض المناطق بسبب استمرار وجود جماعات مسلحة منشقة، ما يوضح أن نجاح العدالة الانتقالية ليس خطياً أو نهائياً، بل عملية مستمرة تتطلب متابعة طويلة الأمد.
أما في سيراليون، خلال الفترة 2002–2013، فقد قدمت تجربة المحكمة الخاصة بسيراليون (Special Court for Sierra Leone) نموذجاً مهماً يجمع بين العدالة الجنائية الدولية والانتقال السياسي في سياق ما بعد حرب أهلية مدمرة استمرت من 1991 إلى 2002. فقد تم إنشاء المحكمة بموجب اتفاق بين الحكومة والأمم المتحدة لمحاسبة المسؤولين الرئيسيين عن الجرائم الجسيمة، بما في ذلك القادة العسكريون والسياسيون الذين لعبوا أدواراً مركزية في النزاع، مثل قادة الجبهة الثورية المتحدة (RUF) والميليشيات المتحالفة معها.
وعلى الرغم من أن عدد المدانين كان محدوداً نسبياً مقارنة بحجم الانتهاكات الواسعة التي شهدتها البلاد، إلا أن الأثر الرمزي والقانوني للمحكمة كان كبيراً، حيث ساهم في ترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب على الجرائم الدولية الكبرى، وتعزيز الردع المؤسسي ضد إعادة تشكيل شبكات العنف المسلحة. كما ساعد في دعم عملية إعادة بناء الدولة الهشة بعد اتفاق لومي للسلام عام 1999، من خلال تعزيز الثقة في النظام القضائي الناشئ وتقليل مخاطر الانتكاس إلى الحرب (Sriram, 2007).
وتشير هذه الحالات الثلاث مجتمعة—جنوب أفريقيا، كولومبيا، وسيراليون—إلى مجموعة من الخصائص البنيوية المشتركة التي يمكن اعتبارها جوهر “أفضل الممارسات” في مجال العدالة الانتقالية. أولاً، التدرج الزمني في تطبيق العدالة، بحيث يتم تجنب الصدمات القضائية الفورية التي قد تعرقل عملية السلام. ثانياً، ربط الحوافز السياسية والقانونية بشكل مباشر، بحيث تصبح المشاركة في عملية السلام ذات مكاسب ملموسة للفاعلين المسلحين. ثالثاً، دمج آليات كشف الحقيقة مع آليات المساءلة بدلاً من الفصل الصارم بينهما. رابعاً، الاستثمار في برامج إعادة الإدماج الاقتصادي والاجتماعي باعتبارها شرطاً أساسياً لاستدامة السلام ومنع إعادة إنتاج العنف.
كما تُظهر الأدلة المقارنة أن نجاح هذه النماذج يعتمد أيضاً على عوامل داعمة إضافية تشمل وجود دعم دولي منسق، واستقرار نسبي في المؤسسات الحكومية، وقدرة الدولة على تنفيذ الاتفاقات، ووجود آليات رقابة مستقلة. وفي غياب هذه العناصر، حتى النماذج المصممة بعناية قد تواجه صعوبات كبيرة في التنفيذ، كما يظهر في بعض التجارب الإفريقية والآسيوية بعد عام 2000.
وبناءً على ذلك، فإن أفضل الممارسات في هذا المجال لا يمكن اختزالها في نموذج واحد مثالي، بل في مجموعة من المبادئ المشتركة التي تجمع بين الواقعية السياسية، والمرونة المؤسسية، والتدرج الزمني، وربط العدالة بالحوافز، بما يضمن تحويل الصراع من حالة عنف مفتوح إلى مسار انتقال تدريجي طويل الأمد ومستدام.
- أسوأ الممارسات
تُظهر الأدبيات المقارنة في دراسات النزاعات المسلحة والعدالة الانتقالية أن فشل عمليات الانتقال السياسي لا ينتج عادة عن غياب الحلول أو الأدوات المؤسسية، بل عن سوء تصميمها أو تطبيقها بشكل غير متوازن أو متعجل أو معزول عن السياق السياسي والأمني والاقتصادي. وغالباً ما تظهر هذه الإخفاقات في شكل أنماط متكررة عبر مناطق جغرافية مختلفة مثل إفريقيا جنوب الصحراء، والبلقان، وأمريكا اللاتينية، حيث تتكرر نفس الأخطاء البنيوية رغم اختلاف السياقات المحلية (Teitel, 2000؛ Clark, 2018).
النمط الأول يتمثل في الإفراط في العدالة الفورية، وهو نموذج يقوم على الدفع نحو تطبيق صارم وفوري للمساءلة القانونية، بما في ذلك المحاكمات الدولية أو المحلية، في مراحل النزاع النشط أو في لحظات انتقال سياسي هش دون وجود ضمانات كافية لاستقرار سياسي أو عسكري. هذا النمط يظهر بوضوح في بعض حالات تدخل المحكمة الجنائية الدولية في نزاعات لا تزال مشتعلة، مثل دارفور منذ 2003، وليبيا بعد 2011، وأوغندا في سياق ملاحقة قيادات جيش الرب للمقاومة. وتشير الأدبيات إلى أن إصدار أوامر توقيف دولية بحق قادة عسكريين أثناء استمرار العمليات القتالية قد يؤدي إلى تقليل الحوافز لديهم للدخول في مفاوضات سلام، لأن ذلك يجعل خيار التفاوض أقل جاذبية مقارنة بالاستمرار في القتال أو الانسحاب من العملية السياسية كلياً (Clark, 2018).
وفي حالات مثل دارفور، ساهمت التوترات بين مسار العدالة الدولية ومسار التفاوض السياسي في تعقيد جهود الوساطة، حيث اعتبرت بعض الأطراف المسلحة أن التهديد بالملاحقة الجنائية يقلل من مساحة المناورة السياسية المتاحة لها، مما أدى إلى تجميد أو إبطاء بعض جولات التفاوض في مراحل حرجة. كما أن غياب آليات وسيطة مثل العفو المشروط أو العدالة المؤجلة أدى إلى خلق فجوة بين متطلبات السلام الفوري ومتطلبات العدالة طويلة الأمد، وهو ما انعكس في استمرار النزاع وعدم حسمه بشكل نهائي حتى بعد توقيع اتفاقات متعددة (Teitel, 2000).
النمط الثاني يتمثل في العفو غير المشروط، وهو أحد أكثر النماذج إثارة للجدل في أدبيات العدالة الانتقالية. ويقوم هذا النموذج على إنهاء النزاع عبر منح عفو شامل أو واسع النطاق للفاعلين المسلحين دون اشتراط الاعتراف بالانتهاكات أو تقديم الحقيقة أو المشاركة في أي آلية مساءلة أو تعويض. وقد طُبق هذا النموذج في عدة حالات مثل موزمبيق بعد اتفاق روما 1992، وليبيريا بعد اتفاق 2003، وبعض حالات إنهاء النزاعات في إفريقيا جنوب الصحراء.
ورغم أن هذا النموذج يحقق غالباً نتائج إيجابية قصيرة المدى من حيث وقف إطلاق النار وتوقيع اتفاقات سياسية سريعة، إلا أن الأدلة المقارنة تشير إلى أنه يؤدي على المدى المتوسط والطويل إلى إعادة إنتاج العنف بأشكال مباشرة أو غير مباشرة. ففي ليبيريا، أدى العفو غير المشروط إلى إعادة دمج عدد من القادة السابقين في شبكات النفوذ الاقتصادي والسياسي، مما ساهم في استمرار هشاشة الدولة بعد 2003، وخلق بيئة سمحت بعودة أنماط من العنف السياسي والاقتصادي خلال أقل من عشر سنوات (Sriram, 2007). كما أن غياب المساءلة أدى إلى ضعف ثقة الضحايا في مؤسسات الدولة، وهو ما انعكس في استمرار الهشاشة المؤسسية وضعف سيادة القانون.
وفي موزمبيق، رغم نجاح اتفاق السلام في إنهاء الحرب الأهلية بين 1977 و1992، إلا أن غياب آليات عدالة انتقالية شاملة ساهم لاحقاً في تجدد التوترات السياسية وظهور أعمال عنف متقطعة في بعض المناطق خلال العقدين التاليين، ما يعكس أن السلام القائم على العفو غير المشروط قد ينتج “استقراراً سطحياً” دون معالجة الجذور البنيوية للنزاع.
النمط الثالث يتمثل في التعدد المؤسسي غير المنسق، وهو من أكثر أنماط الفشل تعقيداً من الناحية العملية، ويحدث عندما تتداخل عدة مبادرات محلية وإقليمية ودولية لإدارة عملية السلام دون وجود إطار تنسيقي موحد أو سلطة تنفيذية واضحة أو توزيع دقيق للأدوار. هذا النمط يظهر بشكل خاص في البيئات الهشة التي تشهد تدخلات متعددة من الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، المنظمات الإقليمية، والدول الكبرى، بالإضافة إلى الفاعلين المحليين.
في الحالة السودانية بعد 2019، برز هذا النمط بشكل واضح، حيث تداخلت أدوار بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية، والاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، إلى جانب مبادرات دولية متعددة، دون وجود آلية تنسيق مركزية فعالة قادرة على توحيد الجهود أو تحديد أولويات واضحة (UNDP, 2022). وقد أدى ذلك إلى إنتاج ما يمكن وصفه بـ”التشويش المؤسسي”، حيث تتعدد المسارات التفاوضية وتتباين الرسائل السياسية، مما يضعف قدرة الفاعلين المحليين على فهم الاتجاه العام للعملية الانتقالية، ويؤدي إلى تآكل الثقة في جدوى العملية السياسية نفسها.
كما يؤدي هذا التعدد غير المنسق إلى تكرار المبادرات، وتضارب التمويل، وتشتت الموارد البشرية والمؤسسية، مما ينعكس سلباً على برامج نزع السلاح وإعادة الإدماج (DDR)، وعلى آليات العدالة الانتقالية، ويؤدي في النهاية إلى إضعاف قدرة الدولة الانتقالية على فرض سيطرتها وبناء مؤسسات فعالة.
وتشير الأدبيات المقارنة إلى أن هذه الأنماط الثلاثة من أسوأ الممارسات—الإفراط في العدالة الفورية، العفو غير المشروط، والتعدد المؤسسي غير المنسق—تشترك في خاصية بنيوية واحدة، وهي غياب التوازن بين متطلبات السلام ومتطلبات العدالة، أو غياب التنسيق بين الفاعلين، أو فرض حلول قصوى في بيئات معقدة تتطلب حلولاً تدريجية وتفاوضية. ونتيجة لذلك، فإن هذه النماذج لا تفشل فقط في تحقيق السلام المستدام، بل قد تساهم أيضاً في خلق شروط موضوعية لعودة النزاع بأشكال أكثر تعقيداً وتشظياً.
وبالتالي، فإن دراسة أسوأ الممارسات لا تهدف فقط إلى توثيق حالات الفشل، بل إلى تحليل آليات إنتاجه البنيوي، بهدف تجنب تكرارها في تصميم نماذج انتقالية أكثر توازناً ومرونة وواقعية في سياقات معقدة مثل السودان.
- الإطار النظري: التوتر البنيوي بين السلام والعدالة
تشير الأدبيات النظرية في دراسات النزاعات المسلحة والعدالة الانتقالية إلى أن العلاقة بين السلام والعدالة لا يمكن اختزالها في ثنائية بسيطة أو علاقة تناقض مباشر، بل هي توتر بنيوي دائم يتشكل داخل عمليات الانتقال السياسي بعد الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة الممتدة. هذا التوتر ينبع من اختلاف طبيعة الأدوات المستخدمة في كل من المسارين: فبناء السلام يعتمد على المرونة السياسية، التفاوض، وتقاسم السلطة، بينما تعتمد العدالة الانتقالية على المساءلة القانونية، المحاكمات، وعدم الإفلات من العقاب عن الجرائم الجسيمة مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية (Teitel, 2000).
وتُظهر الأدبيات المقارنة أن هذا التوتر لا يمكن حله بشكل نهائي، بل تتم إدارته عبر نماذج مؤسسية مختلفة تتغير بحسب السياق السياسي، ميزان القوى، درجة انهيار الدولة، وطبيعة النزاع. وفي العديد من الحالات، يصبح تصميم العلاقة بين السلام والعدالة هو العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان الانتقال السياسي سينجح أو سيفشل، أو ما إذا كان سيؤدي إلى سلام مستدام أو إلى عودة النزاع خلال سنوات قليلة (Clark, 2018).
ضمن هذا الإطار التحليلي، يمكن تمييز ثلاثة نماذج نظرية رئيسية لفهم العلاقة بين السلام والعدالة: نموذج “العدالة أولاً”، نموذج “السلام أولاً”، والنموذج الهجين أو التدرجي. وهذه النماذج لا تُعتبر وصفات معيارية فقط، بل هي أيضاً أطر تفسيرية تساعد في تحليل أسباب النجاح والفشل في تجارب الانتقال السياسي عبر العالم (Sriram, 2007؛ Hayner, 2011).
النموذج الأول هو نموذج “العدالة أولاً”، ويقوم على أولوية تحقيق المساءلة القانونية الكاملة عن الجرائم الجسيمة قبل أو بالتوازي مع أي عملية تسوية سياسية. ويستند هذا النموذج إلى الفرضية القانونية والأخلاقية القائلة بأن غياب العدالة يؤدي إلى إعادة إنتاج العنف، وأن الردع القانوني الصارم هو شرط أساسي لبناء سلام دائم. وقد تجسد هذا النموذج في عمل المحاكم الجنائية الدولية مثل المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، ومحكمة رواندا (ICTR)، ومحكمة يوغوسلافيا السابقة (ICTY)، والتي أنشئت في تسعينات القرن العشرين لمحاسبة المسؤولين عن جرائم واسعة النطاق.
ورغم أن هذا النموذج يعزز مبدأ عدم الإفلات من العقاب ويؤسس لشرعية القانون الدولي الإنساني، إلا أن الأدبيات تشير إلى أنه قد ينتج آثاراً سياسية غير مقصودة في سياقات النزاع النشط. ففي بعض الحالات، يؤدي الضغط القضائي الدولي إلى تقليل الحوافز لدى القادة المسلحين للدخول في مفاوضات سلام، لأنهم يدركون أن المشاركة في العملية السياسية قد لا توفر لهم حماية من الملاحقة القانونية. وقد ظهر هذا الإشكال في سياقات متعددة مثل دارفور منذ 2003، حيث تزامن إصدار مذكرات توقيف دولية مع تعقيد مسارات التفاوض، وفي أوغندا في سياق ملاحقة قادة جيش الرب للمقاومة (LRA)، حيث ساهمت مذكرات المحكمة الجنائية الدولية في إضعاف بعض مسارات التفاوض المبكر (Clark, 2018).
كما تشير التحليلات إلى أن هذا النموذج قد يؤدي إلى إطالة أمد النزاع في الحالات التي لا تتوفر فيها بدائل سياسية أو ضمانات انتقالية، لأن الفاعلين المسلحين قد يفضلون استمرار القتال على المخاطرة بالخضوع للمساءلة الجنائية الدولية. وبالتالي، فإن قوة هذا النموذج القانونية قد تتحول إلى عبء سياسي إذا لم يتم دمجها ضمن استراتيجية سلام أوسع تتضمن حوافز واضحة للانتقال.
النموذج الثاني هو نموذج “السلام أولاً”، وهو يقوم على إعطاء الأولوية لوقف الحرب عبر التسويات السياسية حتى لو تطلب ذلك تقديم تنازلات كبيرة في مجال العدالة، بما في ذلك العفو العام أو الواسع، أو تأجيل المساءلة إلى مراحل لاحقة. ويُستخدم هذا النموذج عادة في السياقات التي يكون فيها النزاع ممتداً لسنوات طويلة، وتكون الأولوية القصوى هي وقف العنف ومنع انهيار الدولة.
ويستند هذا النموذج إلى منطق براغماتي يرى أن السلام شرط مسبق لتحقيق العدالة، وأن محاولة فرض العدالة في سياق نزاع نشط قد تؤدي إلى نتائج عكسية. ومع ذلك، تشير الأدبيات إلى أن هذا النموذج يحمل مخاطر بنيوية كبيرة، أبرزها ترسيخ الإفلات من العقاب وإعادة إنتاج نفس الشبكات السياسية والعسكرية التي أدت إلى النزاع في المقام الأول. ففي حالات مثل ليبيريا بعد 2003 وموزمبيق بعد 1992، أدى الاعتماد على العفو الواسع دون مساءلة فعالة إلى خلق “سلام سلبي”، أي توقف القتال دون معالجة جذور النزاع أو إصلاح المؤسسات أو تحقيق مصالحة حقيقية (Sriram, 2007).
وفي بعض الحالات، أدى هذا النوع من التسويات إلى إعادة دمج قادة الحرب في النظام السياسي أو الاقتصادي دون تغيير حقيقي في سلوكهم أو شبكات نفوذهم، مما ساهم في استمرار الهشاشة المؤسسية وإمكانية عودة العنف بشكل غير مباشر خلال أقل من عقد في بعض السياقات.
النموذج الثالث هو النموذج الهجين أو التدرجي، وهو الأكثر قبولاً في الأدبيات المعاصرة، ويقوم على إدارة التوتر بين السلام والعدالة من خلال التدرج الزمني والمؤسسي، أي تأجيل العدالة دون إلغائها، وربطها بمسار سياسي انتقالي أوسع. في هذا النموذج، يتم إعطاء الأولوية لوقف العنف وتثبيت السلام، بينما يتم تنفيذ العدالة بشكل تدريجي عبر آليات مثل لجان الحقيقة، المحاكم الخاصة، أو برامج العدالة الانتقالية المؤجلة.
ويُعد النموذج الجنوب أفريقي أبرز مثال تطبيقي لهذا النهج، حيث تم إنشاء لجنة الحقيقة والمصالحة بين 1995 و2002، والتي سمحت بربط العفو بالكشف الكامل عن الحقيقة المتعلقة بانتهاكات نظام الفصل العنصري. وقد أدى هذا النموذج إلى معالجة آلاف الحالات من الانتهاكات، مع الحفاظ على استقرار الدولة الجديدة بعد عام 1994، ومنع الانزلاق إلى حرب أهلية أو انهيار سياسي (Hayner, 2011).
وتشير الأدبيات إلى أن نجاح هذا النموذج يعتمد على ثلاثة عناصر أساسية مترابطة: أولاً، التدرج الزمني في تطبيق العدالة بحيث لا يتم فرضها بشكل فوري يهدد الاستقرار؛ ثانياً، ربط العدالة بالحوافز السياسية والقانونية بحيث تصبح المشاركة في عملية الحقيقة أو المصالحة ذات قيمة عملية؛ وثالثاً، دمج آليات كشف الحقيقة مع آليات المساءلة وعدم التكرار ضمن إطار مؤسسي واحد.
كما تؤكد الدراسات المقارنة أن فعالية النموذج الهجين تعتمد أيضاً على وجود مؤسسات انتقالية قادرة على التنفيذ، ودعم دولي منسق، وقدرة الدولة على تنفيذ إصلاحات أمنية وقضائية متزامنة. وفي غياب هذه العناصر، قد يتحول حتى النموذج الهجين إلى شكل من أشكال التأجيل غير الفعال للعدالة.
وبذلك، يقدم هذا الإطار النظري تصوراً ديناميكياً للعلاقة بين السلام والعدالة باعتبارها علاقة إدارة توتر مستمر وليست اختياراً ثنائياً بسيطاً، ويُفسر لماذا تختلف نتائج عمليات الانتقال السياسي بين النجاح والفشل في سياقات مثل رواندا، جنوب أفريقيا، كولومبيا، والسودان. كما يوفر أساساً تحليلياً لفهم أن استدامة السلام لا تعتمد على أحد الطرفين (السلام أو العدالة) بشكل منفصل، بل على القدرة على هندسة العلاقة بينهما بشكل متوازن ومؤسسي.
- أفضل وأسوأ الممارسات: تحليل مقارن
تُظهر الأدبيات المقارنة في حقل العدالة الانتقالية ودراسات بناء السلام أن الفارق بين نجاح أو فشل عمليات الانتقال السياسي في البيئات الخارجة من النزاعات المسلحة لا يرتبط بوجود أدوات العدالة أو غيابها، بل يرتبط بشكل أساسي بطريقة “هندسة التفاعل” بين هذه الأدوات داخل منظومة سياسية وأمنية واقتصادية متكاملة. فالتجارب الناجحة نسبياً تكشف عن نمط واضح من التكامل الوظيفي بين العدالة والحوافز، بينما تكشف التجارب الفاشلة أن غياب هذا التكامل أو اختلاله يؤدي إلى إعادة إنتاج العنف أو إنتاج سلام هش غير قابل للاستدامة (Teitel, 2000؛ Sriram, 2007).
أولاً: أفضل النتائج في تجارب الانتقال
تُظهر المقارنة بين تجارب جنوب أفريقيا، كولومبيا، سيراليون، تيمور الشرقية، والمغرب، أن أفضل النتائج تتحقق عندما يتم تصميم العدالة الانتقالية كجزء من “حزمة انتقالية متكاملة” تشمل الحوافز الاقتصادية، الإصلاح السياسي، وإعادة هيكلة القطاع الأمني، وليس كمسار قانوني معزول. في هذه الحالات، لا تُفهم العدالة بوصفها غاية مستقلة، بل بوصفها أداة لإعادة بناء الدولة ومنع عودة العنف.
- دمج العدالة مع الحوافز الاقتصادية والسياسية
في كولومبيا بعد توقيع اتفاق السلام عام 2016 بين الحكومة وحركة القوات المسلحة الثورية الكولومبية (FARC)، تم تصميم نموذج متكامل يربط بين العدالة الانتقالية وبرامج إعادة الإدماج الاقتصادي والاجتماعي. وقد شمل ذلك إدماج أكثر من 13,000 مقاتل سابق في برامج التدريب المهني، ودعم المشاريع الصغيرة، وتوفير حوافز مالية مؤقتة، إلى جانب إصلاحات جزئية في توزيع الأراضي في المناطق الريفية الأكثر تضرراً مثل كاوكا (Cauca)، ناريـنيو (Nariño)، وأنتيوكيا (Antioquia).
وقد أظهرت بيانات الرصد الأمني أن معدلات العنف المرتبطة بالنزاع انخفضت بنسبة تقارب 60% خلال السنوات الثلاث إلى الخمس الأولى بعد الاتفاق، خصوصاً في المناطق الريفية التي كانت تشكل مراكز تقليدية للنزاع المسلح وتجارة المخدرات (International Crisis Group, 2022). ويُفسر هذا النجاح بأن الحوافز الاقتصادية والاجتماعية خففت من “تكلفة الفرصة البديلة للعنف”، مما جعل الانخراط في عملية السلام خياراً عقلانياً وليس مجرد التزام سياسي أو أخلاقي.
وفي جنوب أفريقيا بعد 1994، تم ربط العدالة الانتقالية بعملية إعادة هيكلة اقتصادية واسعة النطاق هدفت إلى دمج الأغلبية السوداء في الاقتصاد الرسمي بعد عقود من الإقصاء في ظل نظام الفصل العنصري. هذا الدمج ساهم في تخفيف التوترات الاجتماعية، خاصة في المناطق الحضرية مثل جوهانسبرغ وكيب تاون، حيث كان خطر الانفجار الاجتماعي مرتفعاً في السنوات الأولى من الانتقال.
- تأجيل العدالة دون إلغائها (التدرج الزمني)
تُظهر الأدبيات أن أحد أهم عناصر النجاح هو اعتماد “التدرج الزمني للعدالة”، أي تأجيل المساءلة الجنائية دون إلغائها، بما يسمح بتثبيت السلام أولاً ثم الانتقال التدريجي إلى العدالة. في جنوب أفريقيا، تم إنشاء لجنة الحقيقة والمصالحة (1995–2002) كآلية مركزية لهذا النموذج، حيث تم ربط العفو المشروط بالكشف الكامل عن الانتهاكات السياسية (Hayner, 2011).
وقد سمح هذا النموذج بإدارة انتقال سياسي شديد الحساسية دون انهيار مؤسسات الدولة أو الدخول في حرب أهلية، رغم التفاوت الكبير في موازين القوى بين النظام القديم والنظام الجديد. وتشير التحليلات المقارنة إلى أن هذا النوع من التدرج يقلل من احتمالات انهيار اتفاقات السلام بنسبة كبيرة مقارنة بالنماذج التي تعتمد العدالة الفورية أو الإلغاء الكامل للمساءلة.
كما أن هذا التأجيل لم يكن إلغاءً للعدالة، بل إعادة تنظيم لها زمنياً، بحيث تتحول من أداة فورية إلى عملية مؤسسية طويلة الأمد مرتبطة بإعادة بناء الثقة المجتمعية.
- ربط العفو بالكشف عن الحقيقة
في النماذج الناجحة، لا يُمنح العفو بشكل تلقائي، بل يُربط بشروط صارمة تتعلق بالاعتراف الكامل بالانتهاكات، والمشاركة في لجان الحقيقة، وتقديم معلومات دقيقة عن الجرائم المرتكبة. في جنوب أفريقيا، كان هذا الشرط أساسياً في عمل لجنة الحقيقة والمصالحة، حيث تم النظر في أكثر من 7000 طلب عفو، ولم يُمنح العفو إلا في الحالات التي تحقق فيها شرط “الحقيقة الكاملة” (Hayner, 2011).
وقد ساهم هذا النموذج في بناء سجل تاريخي مفصل للانتهاكات التي وقعت بين 1948 و1994، بما في ذلك التعذيب، القتل السياسي، والاختفاء القسري. كما ساهم في تقليل شعور الضحايا بالإقصاء من العملية الانتقالية، عبر توفير اعتراف رسمي بمعاناتهم، حتى في غياب المحاكمات الجنائية الكاملة.
ثانياً: أسوأ الممارسات في عمليات الانتقال
تُظهر الأدبيات المقارنة أن فشل عمليات الانتقال السياسي غالباً ما يرتبط بثلاثة أنماط رئيسية من سوء التصميم المؤسسي والسياسي، وهي أنماط تتكرر عبر سياقات متعددة رغم اختلاف البيئات الجغرافية والتاريخية.
- فرض العدالة في سياق نزاع نشط
يُعد تطبيق العدالة الجنائية الفورية في سياق نزاع مستمر من أكثر العوامل التي قد تؤدي إلى تقويض فرص السلام. ففي حالات مثل دارفور منذ 2003، أوغندا في سياق جيش الرب للمقاومة، وليبيا بعد 2011، أدى الضغط القضائي الدولي، بما في ذلك مذكرات المحكمة الجنائية الدولية، إلى خلق توترات بين المسار القانوني والمسار التفاوضي (Clark, 2018).
في بعض الحالات، أدى ذلك إلى تقليل حوافز القادة المسلحين للدخول في مفاوضات، لأنهم اعتبروا أن التفاوض لا يوفر حماية من الملاحقة، مما جعل استمرار القتال أو الانسحاب من العملية السياسية خياراً أكثر عقلانية من وجهة نظرهم. كما أدى ذلك إلى إضعاف مسارات الوساطة في مراحل حرجة، حيث لم يتم توفير آليات وسيطة مثل العفو المشروط أو العدالة المؤجلة.
- العفو غير المشروط
في المقابل، يؤدي العفو غير المشروط إلى خلق استقرار قصير الأمد لكنه هش على المدى الطويل. في ليبيريا بعد 2003 وموزمبيق بعد 1992، ساهم العفو الواسع في إنهاء القتال بسرعة نسبية، لكنه لم يعالج البنية السياسية والاقتصادية للنزاع.
في ليبيريا، أدى ذلك إلى إعادة دمج بعض القادة في شبكات السلطة الاقتصادية والسياسية، مما ساهم في استمرار هشاشة الدولة وظهور أنماط من العنف غير المباشر خلال أقل من عقد (Sriram, 2007). وفي موزمبيق، أدى غياب العدالة الانتقالية الشاملة إلى استمرار التوترات السياسية وعودة أعمال عنف متقطعة في بعض المناطق الريفية، ما يعكس أن السلام دون عدالة قد يتحول إلى “هدوء مؤقت” لا أكثر.
- التعدد المؤسسي غير المنسق
من أكثر أنماط الفشل تعقيداً هو تعدد الفاعلين المؤسسيين دون تنسيق فعال. في السودان بعد 2019، تداخلت أدوار الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، إيغاد، ومبادرات دولية متعددة دون وجود إطار تنسيقي موحد، مما أدى إلى إنتاج حالة من “التشظي المؤسسي” (UNDP, 2022).
هذا التعدد أدى إلى تضارب في السياسات، وتكرار المبادرات، وتشتت الموارد، وإضعاف قدرة الدولة الانتقالية على تنفيذ إصلاحات أمنية أو عدلية فعالة. كما أدى إلى إرباك الفاعلين المحليين وتقليل الثقة في العملية السياسية، مما ساهم في إطالة أمد عدم الاستقرار.
خلاصة التحليل المقارن
تشير الأدبيات إلى أن أفضل الممارسات تشترك في ثلاث سمات أساسية: دمج العدالة مع الحوافز، التدرج الزمني، وربط العفو بالحقيقة. بينما تشترك أسوأ الممارسات في ثلاث سمات مقابلة: غياب التوازن، غياب الشروط، وغياب التنسيق المؤسسي. ويُظهر ذلك أن نجاح أو فشل عمليات الانتقال لا يعتمد على الأدوات المستخدمة فقط، بل على كيفية “هندسة العلاقة” بين هذه الأدوات داخل نظام سياسي واقتصادي وأمني متكامل قادر على إدارة التوتر البنيوي بين السلام والعدالة.
- الدروس المستفادة للسودان
تشير التجربة السودانية الممتدة منذ الاستقلال عام 1956 وحتى موجة الحرب الشاملة التي اندلعت في أبريل 2023 إلى أن أحد أكثر السمات البنيوية ثباتاً في بنية الدولة هو تكرار دورات النزاع وإعادة إنتاجه عبر فترات انتقالية غير مكتملة. فقد شهد السودان أربع لحظات انتقال رئيسية (1964، 1985، 2019، ثم انهيار 2023) دون أن تنجح أي منها في إرساء تسوية مستدامة، وهو ما يعكس غياب التكامل بين العدالة الانتقالية، وترتيبات الأمن، وإعادة بناء الاقتصاد السياسي للدولة، وإصلاح مؤسسات الحكم المحلي والمركزي. وتشير الأدبيات إلى أن هذا النمط من “الانتقال غير المكتمل” غالباً ما يؤدي إلى إعادة إنتاج الحرب بصيغ جديدة بدلاً من إنهائها (Teitel, 2000؛ Magara, 2021).
أولاً: المساءلة الفورية في سياق نزاع مستمر
يُظهر السياق السوداني أن تطبيق العدالة الفورية أو الخطاب الصارم للمساءلة في بيئة نزاع نشط ومفتوح التوازنات قد يؤدي إلى نتائج عكسية تتمثل في إضعاف فرص التفاوض، وزيادة تماسك الفاعلين المسلحين بدلاً من تفكيكهم. ففي الفترة الانتقالية بعد 2019، ومع سقوط النظام السابق، برزت مطالب قوية بمحاكمات فورية لرموز النظام السابق، بالتوازي مع وجود قوات مسلحة متعددة خارج السيطرة الموحدة للدولة، بما في ذلك قوات الدعم السريع، والحركات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان.
وتشير الأدبيات المقارنة إلى أن العدالة الفورية في سياق غير مستقر قد ترفع “تكلفة التفاوض” على القادة العسكريين، مما يدفعهم إلى تفضيل استمرار القتال أو التموقع خارج العملية السياسية بدلاً من الانخراط فيها (Clark, 2018). وفي السودان، أدى غياب آلية انتقالية وسيطة—مثل العدالة المؤجلة أو العفو المشروط—إلى خلق فجوة بين المسار السياسي والمسار القانوني، ما جعل العملية الانتقالية أقل قدرة على استيعاب الفاعلين المسلحين ضمن إطار تفاوضي موحد.
كما أن غياب مؤسسة قضائية انتقالية مستقلة وموحدة بعد 2019 جعل من الصعب تطبيق أي نموذج مساءلة متدرج، خاصة في ظل الانقسام السياسي الحاد بين المكونات المدنية والعسكرية، وتعدد مراكز القرار داخل الدولة الانتقالية.
ثانياً: مخاطر العفو غير المشروط وإعادة إنتاج العنف
يُظهر التحليل المقارن أن منح العفو غير المشروط في سياقات ما بعد النزاع، دون ربطه بآليات كشف الحقيقة أو الإصلاح المؤسسي، يؤدي غالباً إلى إنتاج استقرار قصير الأمد يعقبه عودة العنف أو إعادة تشكيله. وفي السودان، يمكن ملاحظة هذا النمط في بعض اتفاقات وقف إطلاق النار واتفاقات السلام الجزئية التي لم تُستكمل بترتيبات تنفيذية قوية أو إصلاحات هيكلية شاملة.
فعلى سبيل المثال، واجهت اتفاقات دارفور المتعددة (أبوجا 2006، الدوحة 2011، وجوبا 2020) تحديات كبيرة في التنفيذ، حيث بقيت بعض الجماعات المسلحة خارج إطار الدمج الكامل، واستمرت مناطق النزاع تعاني من هشاشة أمنية متكررة. كما أدى ضعف آليات المساءلة إلى استمرار شبكات القوة المسلحة والاقتصادية المرتبطة بالنزاع، بما في ذلك السيطرة على الموارد المحلية ومسارات التجارة غير الرسمية.
وتشير الأدبيات إلى أن هذا النوع من التسويات ينتج ما يُعرف بـ”إعادة تدوير الفاعلين المسلحين”، حيث يتم دمج القادة في النظام السياسي دون تفكيك بنياتهم العسكرية أو الاقتصادية، مما يحولهم إلى فاعلين سياسيين مسلحين بدلاً من تحويلهم إلى فاعلين مدنيين (Sriram, 2007). وفي السياق السوداني، ساهم ذلك في استمرار هشاشة الدولة في الأطراف، وإضعاف مركزية القرار الأمني.
كما أن غياب العدالة الانتقالية الفعالة يضعف ثقة المجتمعات المحلية في الدولة، خصوصاً في مناطق النزاع مثل دارفور، جنوب كردفان، والنيل الأزرق، حيث تتداخل قضايا الأرض والموارد مع الانتماءات الاجتماعية والهويات المحلية، مما يجعل أي سلام غير قائم على العدالة سلاماً هشاً بطبيعته.
ثالثاً: دمج العدالة مع ترتيبات أمنية واقتصادية شاملة
تشير التجربة السودانية إلى أن الفصل بين العدالة الانتقالية من جهة، وإعادة هيكلة القطاع الأمني وإصلاح الاقتصاد السياسي من جهة أخرى، يؤدي إلى فشل أي عملية انتقالية. فالنزاعات في السودان ليست فقط نزاعات سياسية، بل هي أيضاً نزاعات على الموارد (الأرض، المياه، التعدين، والتجارة الحدودية)، وعلى السلطة المحلية في الأقاليم.
وقد أدى ضعف التكامل بين هذه المسارات إلى استمرار تعدد مراكز القوة المسلحة بعد 2019، وعدم قدرة الدولة على احتكار العنف المشروع. كما أن غياب برامج فعالة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR) بشكل شامل أدى إلى بقاء عدد كبير من المقاتلين في حالة “انتظار مسلح”، أي دون دمج حقيقي في الاقتصاد المدني.
وتشير الأدبيات إلى أن نجاح العدالة الانتقالية يتطلب ربطها بإصلاح اقتصادي يعالج جذور التهميش التنموي، وإعادة توزيع الموارد بشكل عادل، وإصلاح مؤسسات الأمن والشرطة والجيش بشكل متزامن (Teitel, 2000). وفي السودان، أدى غياب هذا التكامل إلى استمرار بيئة خصبة لإعادة إنتاج النزاع حتى بعد توقيع اتفاقيات سياسية متعددة.
رابعاً: التدرج الزمني كشرط لنجاح التسوية السودانية
يُعد التدرج الزمني في تطبيق العدالة الانتقالية أحد أهم الدروس المستفادة للحالة السودانية، حيث تشير الأدبيات إلى أن الانتقال الفوري من النزاع إلى العدالة الشاملة دون مرحلة وسيطة من الاستقرار السياسي والأمني غالباً ما يؤدي إلى انهيار العملية الانتقالية.
في الحالة السودانية، يمكن تصور نموذج تدرجي يبدأ بوقف إطلاق نار شامل، يليه تشكيل حكومة انتقالية ذات تمثيل واسع، ثم إنشاء آليات حقيقة ومصالحة، تليها لاحقاً محاكم أو آليات عدالة مختلطة أو خاصة. هذا التدرج يسمح ببناء الثقة تدريجياً بين الأطراف المختلفة، ويقلل من مخاطر الانهيار المفاجئ للعملية السياسية (Magara, 2021).
كما أن هذا النموذج يسمح بإعادة ترتيب العلاقة بين الفاعلين المحليين والدوليين، بحيث يتم الانتقال من التدخل المتعدد غير المنسق إلى إطار مؤسسي موحد للوساطة والدعم الفني والمالي.
خامساً: نحو نموذج سوداني للعدالة الانتقالية
تشير الدروس المستفادة إلى أن السودان بحاجة إلى نموذج عدالة انتقالية سياقي، يأخذ في الاعتبار تعدد النزاعات، تعقيد البنية الاجتماعية، تداخل الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي، وضعف المؤسسات المركزية. هذا النموذج لا يمكن استيراده بشكل مباشر من تجارب جنوب أفريقيا أو رواندا أو كولومبيا، بل يجب إعادة تصميمه بما يتناسب مع الواقع السوداني.
ويجب أن يقوم هذا النموذج على ثلاثة أعمدة رئيسية مترابطة: (1) العدالة التدرجية المرتبطة بالزمن السياسي، (2) الحوافز السياسية والأمنية لدمج الفاعلين المسلحين، و(3) الإصلاح المؤسسي الشامل الذي يشمل الأمن والقضاء والاقتصاد. وبدون هذه الأعمدة، فإن أي عملية انتقالية ستظل عرضة لإعادة الانهيار كما حدث في المراحل السابقة.
كما أن نجاح هذا النموذج يتطلب وجود توافق وطني واسع، ودعم إقليمي ودولي منسق، وقدرة على إدارة التعدد الإثني والسياسي بطريقة لا تعيد إنتاج الإقصاء التاريخي الذي كان أحد أهم أسباب النزاع في السودان.
وبذلك، فإن الدروس المستفادة من الحالة السودانية لا تقدم فقط تشخيصاً لأسباب الفشل، بل تقدم أيضاً إطاراً تحليلياً لإعادة بناء مسار انتقال سياسي أكثر استدامة، قائم على التوازن بين السلام والعدالة، وبين الأمن والتنمية، وبين المركز والأطراف.
