البرهان وحميدتي ضد البرهان وحميدتي.. وكلاهما ضد التاريخ .. بقلم: عمـر العمـر


وجود البرهان وحميدتي على رأس النظام ينطوي على تباين في الأداء يعكس بالضرورة إختلافا في الرؤى – إن ُوجدت – . فرغم إقتسام نزعة التهور الإنقلابية يلحظ المرء بجلاء مسافة بين المنطلقات ، الأدوات والغايات لدى كل منهما. تلك الحقيقة ليست نتيجة حتمية اللفروق بين المؤهلات الشخصية ،المهنية أو سندات لتأهيل الأكاديمية.فوفق القواعد العسكرية كلاهماغير جدير برتبة ” الفريق” كما هو معروفٌ. كما تثبت التجربة ليس في رصيد أيٍ منهما ما يؤهله لما يشغل من منصب سياسي قيادي.
تلكم النقائص لا تجردهما من طموح الكسب في الحياة العامة. كلاهما سعى عند فجر الثورة لحمل الشعب على تناسي أنهما إبنا النظام الفالسد السابق ومن نتاج ماكينازماته . فكل منهما انطلق على درب الثورة كأنه من مواليد حراك االجماهير الثوري الجديد, مع ذلك أضاع كلاهما وثالثهما خمدوك فرصة لسك يطولة ذهبية شخصية ذات جاذبية وطنية زاهية.
*** *** ***

محاولة البرهان اصطبغت بالحماقة إذ سعى للعب على الخط الفاصل بين الماضي والحاضر؛بين ظلام الإنقاذ و فجر الثورة . تلك لعبة من يحاول المشي على حد السكين..لمّا لم يستطع الإحتفاظ بالتوازن المستحيل وجد نفسه منحازا للسقوط في الجانب المظلم. الحركة الإنقلابية ليست سوى التوغل في تلك الظلمة. لو طالع البرهانعلى خطاب محاولة تبرير الإنقلاب مجددا لنهض البرهان ضد البرهان أمام محكمة التاريخ. لأدان برهانٌ برهاناً بالبراهين الدامغة فتلك المحاكمة الحمقاء ستكشف زيف عنوانها الكبير :
“تصحيح المسار”. فالإنقلاب ظل يبدد شعارات الثورة النبيلة وغاياتها . بل أكثر من ذلك ايتوغل في المسار و الخطايا المضادة تماما لأماني الحراك الجماهيري الطموح لجهة سودان جديد مغاير للمألوف.
*** *** ***

الأمر لا يتطلب كدحاً لإبانة الخسائر الفادحة المتراكمة على كاهل الشعب منذ 25 المشؤوم؛ الإخفاق الجلي أزاء تشكيل إدارة حكومية تعيد لحمة إنكسار السلطة التنفيذية، الجفاف الماحق لضرع الدولة المالي، الكلفة الباهظة المترتبة هلى ما أسمي زورا إتفاق السلام مع ماةفيا الإقتتال الأهلي‘ إنفراط عقد الطمأنينة والسكينة على الصعيد الشعبي ‘ القمع المفرط ضد قوى الثورة مع الإصرار على إزهاق أرواح الشبيبة لمجرد تمسكهم بحقوقهم في التعبير وصناعة الحاضرإعادة الزج في السجون بكل مواطن شجاع يصدح بالحق علنا. هكذا ظل الجنرال ظل أسيرأ لنمطية الإنقاذ مستلهما البشير أنموذجا. فهو لم ينزع فقط إلى الإستفراد بالقرار بل جرّد أنداده من إستحقاقهم في صنع القرار.
*** *** ***

هكذا أعاد البرهان الوطن إلى عمقٍ مضاد تماما لشعارات الثورة في السلام، الحرية والعدالة.بل أمست الدولة ظهيرا متجردا من الحد الأدنى من الحياء للفوضى ، الفساد , الإنفلات على كل الجبهات ؛ أشدّهن بؤسا السلم الإجتماعي والأمن الغذائي في أتون أزمات متراكبة. عوضا عن المساهمة في الصبر على تشققات قوى الثورة من منطلق الفهم العميق لطبيعة وظروف تلك القوى قصد البرهان فعمد إلى تفريخ حاضنة للإنقلاب سعان ما اكتشف إهتراءها،شح وعيها ونهمة للسلطة والثروة. لهذا وذاك ظل البرهان هو المنبت بعينه لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى! مجسّدا النداء العسكري الشهير ” مكانك سر” فانكفأ في ظلمات الإنقاذ. في محاولة يائسة لبعث رماد الإنقاذ لجأ إلى المشي على لجنة التمكين وقراراتها بـ” إستيكة”- كنما كل أرائها جانبت الحق والصواب – إنها العملية ألأكثر وضوحا للنكوص عن درب الثورة.
*** *** ***

أما حمديتي فقناعته الراسخة- وله العذر- منصبّة على السلطة طريق الثروة. بغية تأمين تلك الغاية فهو متأهبُ دوما لبناء تحالفات وتفكيكها وفق مصادر الريح واتجهاتها.تلك هي الخلاصة الذهبية لمغامراته ضد الإنقاذ ومعها، ضد حركات التمرد ومعها. كذلك حرصه على بقاء قواته وتسمينها نابعٌ من فهم ثابت بان جنوده هم حراس إمراطوريته المالية المتضخمة.أصحاب الغفلة من أنصاف الساسة لم يستوعبوا تلك الحقائق فمنحوه مقعدا لايتسق ونبل شعارات الثورة. كعادته لم ير حميدتي في الوضع ضحى الثورة غير مرحلة جديدة في سياق تحالفااته الممرحلة بانتظار هبوب ريح لاريب فيها. رغم ضحالة تجربته السياسية لم يواجه مشقّة في إثبات فعاليته.إذ وجد نفسه سط لاعبين من الدرجة الثالثة ربما يبزهم بفطرة عقلية بدوية ومهاارت مكتسبة في تضاعيف تقلبات الإنقاذ. مع كف الطرف والمساءلة عن مصادر أمبراطورية جميدتي المالية وملفات عديدة أخرى يصعد الرجل درج السلطة متقلدا مناصب تفوق قدرات أيما رجل!
*** *** ***

مغايرا لنهج البرهان لم يرتد حنيدتي حينما قصد توسيع قاعدته إلى حضن الإنقاذ . بل ساقته سليقته إلى الهروب أبعتد من وهم الحزإلى طلب الإستقواء وسط العشيرة والقبيلة. ذلك من خلاصات تجارب مقاتلي الصحراء عامة وحميدتي خاصة. لكن السياسي المستجد لم يسىتوعب – وله العذر- حساسية العصبية المفرطة الدى العشائر والقبائل. فإلى جانب غلظة الإنتماءات شديدة البأس فهي تفرز عُقدا صماء تستعصي تسييلها أو تذويبها بالسيولة المالية ولإملاءات العلوية الملتبسة.ذلك ما أجهض أحلام حميدتي بتجنيد أبناء القبائل. مع ذلك ينفق الرجل في سخاء بغية بناء قاعدة شعبيةعريضة. فحميدتي لا يلجأ في الواقع للقبائل إرتدادا إلى الماضي بل قفزاً نحو الغد إذ يمني نفسه بالرهان على الفوز في الإتتخابات المأمولة. ذلك حلمٌ ربما بدا للبعض غير مشروع لكنه حقٌ معلوم يغذيه وهن القيادات السياسية البائسة وقد قلدته مناصب يصعب حصرها.
*** *** ***

البرهان يتخذ من حميدتي حليفا لاغنىً عنه. هو لم يستوعب تكتيك الآخر المجسّد في التحالفات العابرة الممرحلة..للرجلين مصالح تتلاقى ، تتثاطع وتتفرّق.كلاهما يتلاقيان على إضعاف الجيش الوطني من منطلقات متباينة.كلاهما يراهن على تمطيط حالة السيولة السياسية الراهنة مع تحميل القوى المدنية المسؤولية منفردة. هما متفقان على قمع حركة الجماهير الثورية بكافة أشكال العنف .لكل منهما أقنية خاصة للتواصل مع قيادات سياسية محلية هزيلة.كلاهما يعولان على عضد خارجي. التباين الشاخص بين الرجلين يتمثل في وجود إعتقاد جازم لدى حميدتي بحتمية خوض معركة مصيرية واحدة أوربما أكثر بغية تأمين مستقبله و إمبراطوريته ومصير حراسها. هذه أكثر معاركه شراسة ضد التاريخ.
aloomar@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 تعليق, 1 شارك

تعليق واحد