الطغاة المتوهمـون بانـنا شعـب يورث كلالة

 


 

عمر العمر
16 فبراير, 2022

 

ما من فصل في تاريخنا المعاصر أكثر إظلاما من الفترة الراهنة ، ربما يتشعب بنا الجدل حينما نخوض في القعود السياسي أو الضغوط الإقتصادية . لكن تلك ليست هي المسألة فرأس الأزمة هو إنهيار هيبة الدولة على نحو تتلاشي الآمال في إنقاذ ما ينبغي إنقاذه.. نحن نتوغل مع كل يوم جديد في وحل بالغ اللزوجة من الإرتباك المشرّب بالإخفاق..مما يزيد الوحل طينا عجز القوى السياسية عن توليف برنامج مبشّر أوتوليد قائد ذي كاريزما وطنية. مما يغلب القنوط على الأمل واليأس على التفاؤل إنعدام فرص تلاقي القوى السياسية على الحد الأدنى من شحذ الهمم من أجل مغالبة هذا العجز الذليل والفشل الفاضح.
*** *** ***

كل القوى السياسية كما قيادتها منهمكة في محاولات القفز البائسة فوق الواقع المحتقن بالأزمات من أجل بلوغ مصالح ذاتية محدودة ضيقة. الخلافات المستفحلة لا تلامس معاناة المواطن أو تستهدف طموحاته. لذلك أمسى الوطن يزداد ضيقا أمام المواطن فتضيق أخلاقه. هكذا نتوغل في بحر الأزمات حتى نقارب درجة الغليان فالانفجار. كل الطروحات السياسية المتداولة لغو هراء يفتقد تماسك المنطق كما قوة الإقناع. فكل الجهات المتناطحة تعوزها الحنكة والإلهام. لذلك نحن ندور طوال العامين ويزيد داخل دائرة ليست مغلقة بل خاوية من ضوء الأمل محشوة ٌ بالشعارات النبيلة المعلقة على حبال من وهم.
*** *** ***

مامن أحد مهموم بخطة عمل تفرّج الضائقات الإقتصادية المتراكبة. مقارنة مع تنوع الموارد المتاحة حاليا ليس ثمة حقبة في تاريخنا أكثربؤسا مما نحن عليه. مظاهر البؤس لا تكمن فقط في السياسات العقيمة بل في غياب المعالجات لمظاهر التشوهات المعطّلة لدورات الإنتاج وتدفق الصادرات. المعنيون بالحسابات يتحدثون عن إنكماش يوازي 85% من حجم الصادرات . تلك نسبة شاهقة تنعكس ظلالها حتما على المتوقع من عائدات العملة الصعبة، ضمور قدراتنا على استيراد أساسيات الحياة، فتور حركة النقل، إنكماش العرض، شح الطلب واستفحال التضخم. وزارة المالية استنفدن مدخرات صندوق الضمان الإجتماعي ثم استدانت عليه. الوزارة امست على حافة إعلان العجز عن الوفاء بمهايا موظفيها رغم اضطراد الضرائب . مالم تحدث معجزة فإن مارس المقبل سيكون "
شهر الكوارث" حقا كما كنا نردد إبان دراستنا الجامعية. لا زعيم سياسيا أو فصيلا يعلي الإنشغال بإصلاح الحال ، دع طرح برنامج عمل للبناء والإنماء.
هؤلا مثل أسوأ لاعبي كرة القدم ممن يصف النقاد الرياضيون أداءهم بـ "اللعب على الواقف"
*** *** ***

تلك من مظاهر إضمحلال هيبة الدولة. لكنما لايبقى شيء من تلك الهيبة عندما تعجز الدولة عن بسط الأمن والطمأنينة في نفوس بنات وأبناء شعبها.
فما بالك إذا تزامن ذلك مع تفشي بؤر يختلط فيها التمرد الشعبي مع النهوض في وجه الدولة على نحو يعطل المصالح العليا و وحدة الوطن. تلك ممارسات تفت عظم هيبة الدولة. هي جارحة حد الإيلام العام إذ أنها تعري ضعف القيادات والأجهزة معا، خاصة أجهزة الأمن. والأمن عين الدولة اليقظة و"العين ويكاء السه" كما قال الحبيب المصطفى. تلك عاهة تتضخم حينما تصبح الدولة عاجزة امام استشراء عمليات السرقة والنهب المسلح والعنف الممنهج.
كذلك مما يؤذي صورة الدولة إهتزاز الثقة بين الشعب والقيادة. سواءً اضاعت القيادة صدقيتها أو جرد الشعب القيادة من تلك الثقة.لا هيبة لدولة تفتح قياداتها الأبواب والنوافذ اما قوى خارجية تملي إرادتها على قيادات تلك الدولة!
*** *** ***

عوضا ًعن القبول بالندية في المواطنة والتسليم بمبدأ الحوار المفضي إلى القناعات المشتركة ، تمارس كل قيادة متوهمة، التعالي الأجوف والشعور بالزهو الزائف حد التوصيف الجائر للآخرين بحزمة من المعايب ليس ادناها الخيانة ومن ثم يمنح نفسه امتياز إملاء الشروط الصمدية. كل الفصائل وقياداتها فوق الإنتقاد، من ثم فالنقد الذاتي محرمٌ على بلابل دوحنا السياسي تلك فضيلة شافعة مشفّعة غائبةُ عن آدابنا وأدبنا السياسي.
فكتابٌنا المكتنز بالممارسات الخاطئة كما الإدعاءات الكاذبة يقرأ منه أو يضيف إليه كلٌ بلا وازعٍ من ضمير أو خشية من حسيب.
*** *** ***

عبر هذه الرؤية نقرأ الرسالة المحمورية في حوار الفريق البرهان التلفزيوني الأخير محاولة تسويق مشروع مخرج من مأزقه الراهن.. فهو لم يستطع بعد الإنقلاب بلوغ شط آمن مغاير أو الرجوع إلى الشط القديم. على الرغم من إخراج الحوار إلى المشاهدين ممنتجا إلا انه جاء في سياق الخطاب السياسي الرسمي المأزوم طوال المرحلة الإنتقالية. فالبرنامج إذ كسر نمط البث المباشر على الهواء جاء محشوا بالإستعلاء ،الوصاية، المغالطات المجافية للواقع والمنطق والتوقعات المبشرة. من ثم لم يكن مفاجئا قطع قائد الجيش الطريق أمام جهد الممثل الأممي فولكر قبل أوان مخاضه. فالرجل أكد مسبقا اعتماده على رؤى السودانيين في صوغ مشروع مبادرة تتلاقى عليها القوى السياسية . لكن الفريق أعلن رفضه لما يأتي به الممثل الأممي بحسبه جهدا بأيدً غير سودانية.
*** *** ***

جميلٌ إبداء مشاعر الأسف والحزن على زهق أرواح 80 من شباب الثورة. لكن تلك المشاعر الإنسانية غير كافٍ صدورها من قادة الدولة. فصعود أرواح مثل ذلك العدد من الشهداء السلميين يستوجب أكثر من الحزن والأسف. في عدد من الدول سقوط عدد أقل من الضحايا في حوادث لاتصبح أجهزة الدولة تحت طائلة أصابع الإتهام تتنحى القيادات عن مواقعها من منطلق تحمل المسؤولية الأخلاقية والدستورية دون إنتظار تحقيق مزعوم .في بعضها يجبرون أو يحيلون مسؤولين إلى الإقالة كباش فداء. ليس بالضرورة توجيه إتهام للقيادة لتحمل الإخفاق عن وقف العنف المفضي إلى سقوط 80 قتيلا والفي جريح وعدد مهول من المصابين بالأذى البدني والمعنوي .بغية إبعاد أصابع الإتهام عن دوائر المسؤولين استبق قائد الجيش التحقيقات المفترضة بإدانة طرف ثالث لم يسمه.
*** *** ***

في محاولة الهروب من إستحقاق الرجوع إلى الشط القديم إشترط البرهان بلوغ توافق مع القوى السياسية مع أن ما حدث في25 اكتوبر لم يكن سوى إنقلاب على توافق وطني عريض. في هذا الإشتراط قفز فوق توافق بين الشعب والجيش صعّده إلى قمة هرم الدولة. كل المؤشرات توضح بجلاء سباحة سلطة الإنقلاب عكس تيارات الثورة . هناك محاولات بائسة من أجل صناعة تحالف مغاير لصانعي الثورة. هناك رياح تعيد كل المتمكنين القدامى دون وجه حق من مفاصل الدولة إلى مواقعهم. إذا تحاججنا بإنعدام المهنية في الأولى فمن اليسير القول بوفرة الكيدية فقط في الثانية. هكذا تحولت الخدمة المدنية إلى صالة للعبة تنس الطاولة. فأين هيبة الدولة؟ الحديث عن حوار مع شباب الثورة يدحضه تماما استمرار إشتعال ثورة وقودها الشباب رافضو الحوار مع العسكر.
*** *** ***

إذا كان التعاون مع اسرائيل أسير بيانات استخبارية أمنية فليس على هيبة الدولة ما يعكس ذلك التعاون كما إسرائيل دولة تضع أمنها واستقرارها فوق أمن واستقرار كل أقطار المنطقة. لهذا لا نعلم كيف نبرر إعادة الانقلابيين إلى "حماس" عدو الشريك الإستراتيجي الجديد أصولها القديمة في السودان! ألأن مصادرتها من العدو الأكثر شراسة من إسرائيل ؟ هذه قضية تتجاوز تهشيم هيبة الدولة إلى محق سيادة الشعب . فلماذا يمارس الطغاة الصغار الوصاية على الشعب والوطن كأنما هو شعب أو وطن يورث كلالة!

aloomar@gmail.com

 

آراء