«الفساد.. العامل الخامس للإنتاج في السودان»

تمثل دراسة الدكتور إبراهيم الكرسني والدكتور الواثق كمير عملًا فكريًا جريئًا وفريدًا، ليس فقط لموضوعها الشائك، بل أيضًا للظروف التاريخية التي أنتجت فيها. فأن يغامر باحثان شابان خلال فترة النظام المايوي، التي تميزت بعنف الدولة، ومطاردة وسجن المعارضين، وتحقيقاتها التعسفية، لإعداد دراسة تحليلية للفساد، أمر يشي بقدر كبير من الشجاعة المعرفية والاستقلال الفكري.
واهم نقاط القوة في هذا الكتاب القيم:
اولا المنهجية التحليلية: الدراسة تتبنى منهجًا يربط الفساد بالبنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع السوداني، معتبرة أنه ليس خللًا أخلاقيًا معزولًا، بل نتاج مسار تاريخي محدد. هذه المقاربة تحرر التحليل من التبسيط الأخلاقي، وتمنح الدراسة عمقًا فريدًا، حيث يُنظر إلى الفساد كـ Mechanism وظيفي يعيد توزيع الفائض الاقتصادي ويشكل الطبقات الاجتماعية.
ثانياً: استبصار المآلات: بالرغم من أن الدراسة أُنجزت عام 1984، فإن تحليلاتها حول الشريحة الطفيلية وسيطرتها على الدولة، والتناقضات الناتجة بين مصالحها وبقية المجتمع، ما زالت تعكس واقع السودان الحالي إلى حد كبير، ما يجعلها مرجعًا حيويًا لفهم استمرارية ديناميكيات الفساد والعنف السياسي.
ثالثا: ربط الفساد بالطبقة الاجتماعية: تحديد دور الفساد في تشكيل الشريحة الطفيلية وعلاقته بالتراكم غير المنتج، يسلط الضوء على البعد البنيوي للفساد، وهو ما نادرًا ما تتضمنه الدراسات السودانية الأخرى.
النقاط التي تحتاج إلي اضافة وتوضيح وينظر لها بشكل موضوعي:

  1. الإغفال النسبي للفاعلين الاجتماعيين: تركيز الدراسة على المحددات البنيوية قد يقلل من أهمية دور agency الفرد والجماعة، خاصة فيما يتعلق بالمقاومة المجتمعية والتفاعلات الثقافية والسياسية المحلية.
  2. غياب التحليل السياقي المعاصر: الدراسة صدرت قبل التحولات الكبيرة في الاقتصاد والسياسة العالمية، بما فيها إعادة هيكلة الاقتصاد السياسي (Neoliberal restructuring)، ما يجعل بعض المفاهيم بحاجة إلى تحديث أو مواءمة مع الظروف المعاصرة.
  3. جانب اللغة والتوثيق: صدور الدراسة باللغة الإنجليزية في طبعة محدودة وضعف جودة الطباعة قد قلل من وصولها وتأثيرها على القارئ السوداني، ما يجعل الترجمة الحديثة والتنقيح الحالي إضافة قيمة للوعي النقدي المحلي.

في تقديري ان دراسة «الفساد.. العامل الخامس للإنتاج في السودان» ليست مجرد تحليل للفساد، بل أداة لفهم بنية الدولة السودانية وآليات إعادة إنتاج السلطة والاقتصاد. إعادة تقديمها اليوم، مع الترجمة والتحرير، تُمثل فرصة لتعميق النقاش حول الفساد في السودان وربطه بالتاريخ الاجتماعي والسياسي، وتُعد قاعدة صلبة لأي جهود إصلاحية مستقبلاً.

في هذا السياق، فإن إعادة تقديم الكتاب وترجمته اليوم لا تمثل مجرد توثيق، بل مساهمة في تعزيز الوعي النقدي السوداني. الكتاب لا يفسر الماضي فقط، بل يقدم أدوات لفهم الحاضر والتفكير الجاد في شروط الخروج من المأزق التاريخي المستمر.
مرفق أيضاً ورقة بحثية عن النزاهة ومؤشرات مكافحة الفساد: من التصميم إلى الممارسة – النموذج السوداني، والتي أعددتها أثناء عملي كزميل في معهد Global Integrity بواشنطن (2014–2016) وطورتها حتى العام 2020. الورقة تركز على كيفية تصميم مؤشرات النزاهة، وآليات عملها في الواقع، مع دراسة السودان كنموذج لكيفية التباين بين المؤشرات الدولية والواقع المحلي. الورقة تؤكد أن هذه المؤشرات ليست مجرد أدوات قياس، بل مدخل لفهم أعمق لمحدودية الإصلاحات المستوردة، ودور الفساد في إعادة إنتاج علاقات القوة في المجتمع السوداني.

اسماعيل ع. مضوي- يناير 26/2026
imodawiy@gmail.com

Ismail Modawiy

عن اسماعيل مضوي

اسماعيل مضوي