ذكريات الهروب العظيم والغربة المفتوحة .. بقلم: أحمد جبريل علي مرعي


(الحلقة 11)

gibriel47@hotmail.com

توطئة

الغربة ثقيلة على النفس إلا إذا كانت لفترة معلومة الأمد محفوفة بوعود وثمار قريب موعد قطفها. والغربة شرعا هي النفي من الأرض، ولكن في حالة معظم السودانيين كانت طوعا واختيارا. فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار.  ورغم كل شيء، فهي خطى كتبت علينا (ومن كتبت عليه خطى مشاها).

لقد اضطررنا للخروج من السودان تحت وطأة الضوائق المعيشية وسعيا لتحسين الأوضاع الحياتية التي تسبب في ترديها ساسة فاشلون وعسكر أغبياء وأساتذة جامعات حمقى ومرتزقة وضعاف نفوس شاركوا في كل الحكومات – الديمقراطية والعسكرية – يجيدون مسح جوخ العسكر وتقبيل أيدي السادة ويعتقدون بأنهم يستطيعون سياسة الناس كما يجيدون تحضير رسالاتهم العلمية.

وكانت المحصلة النهائية أن هذا الثلاثي البائس لم يحسن تدبير أمور البلاد وتصريف أمور العباد ولم يستطع خلال أكثر من نصف قرن من الزمان توفير العيش الكريم لأقل من أربعين (40) مليون نسمة في بلد تكفي موارده لأكثر من مائتي (200) مليون نسمه.

ولم نكن ندري أن الغربة ستتحول إلى ثقب أسود كبير يبتلع كل أعمارنا ويأخذنا إلى ما لا نهاية فتصبح غربتنا غربة مفتوحة على كل الاتجاهات والاحتمالات.

لقد خرجنا كغيرنا من السودانيين الذين ركبوا أمواج الغربة في أواخر السبعينيات من القرن الماضي والذين ليست لديهم تجارب كبيرة في الغربة قبل ذلك، أو ربما كانوا هم الرواد من أسر لم تعرف ولم تألف الغربة قط.

ومنذ ذلك الحين توالت موجات الغربة واشتد زخمها وتكسرت على شواطئ ومرافئ كل بقاع المعمورة. وكنا كالهشيم الذي يحمله السيل الجارف لا يدري أين يلقى به!!! أو كالقصب في مهب الرياح العاتية المزمجرة التي تقصف بعضه وتترك بعضه (وما تدري نفس بأي أرض تموت).

وخلال هذه المسيرة الطويلة (التي تمطت بصلبها وأردفت أعجازا وناءت بكلكل)، ذاق السودانيون الذين يمموا دول الشرق الأوسط خاصة صنوفا من المعاناة لم يكونوا يتصورونها، وتعرضوا لاستهجان وازدراء من شعوب أقل منهم حضارة، وصبروا على آلام  وتجارب كالحنظل وتبينوا لاحقا أنهم كانوا في سابق أيامهم يعيشون في رغد من العيش الكريم ومحفوظة كرامتهم في وطنهم الكبير ،قبل أن تجتزئه الذئاب وتمزقه أشلاء.

وفي هذه المحاولة أردت أن ألقي الضوء على تجربة غربة بدأت بالهروب العظيم من السودان في أواخر حكومة مايو وامتدت لأكثر من ثلاثين (30) عاما، ولا تزال، ولا أحد يدري أين ستحط هذه الموجه رحالها !!! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

استميحكم العذر مقدما إن وجدتم في هذه التجربة ما يعكر صفوكم، وهو أمر لم أقصده. وأسألكم التكرم بالنصح أو بحسب ما ترونه من أفكار وآراء نيرة إن راقت لكم التجربة، فهي تجربة وددت توثيقها ليس إلا. وأنا بانتظار السماع منكم.

المؤلف

مصائب المغتربين
في منتصف عام 1982 وافاني نبأ وفاة والدي – رحمه الله رحمة واسعة. وكانت تلك ضريبة الغربة الأولى التي لم أكن على علم بها. فمعظم المغتربين قد فارقوا أعز الناس لديهم وهم في بحر الغربة المتلاطم، وما باليد حيلة (والمقدر لابد يكون).

وبرغم أن ترتيبي الأخير في العائلة، إلا أنه بموت ربان السفينة، والدي- رحمه الله رحمة واسعة – كان علي أن أتولى مسئوليات لم أكن أعلم عنها شيئا عندما كان (الربان) حيا. وانقشعت عن رأسي مظلة حانية كانت تقيني نوائب الدهر.

ونتيجة لذلك تداخلت الأولويات. فتقدم بعضها وتأخر بعضها الآخر. وأنا في غمرة ترتيب أوضاعي الجديدة والواقع الجديد توفيت الوالدة – رحمها الله رحمة واسعة – عام 1984، وكانت آخر ينابيع الحنان الذي جف في وجداني، وآخر أجنحة الرحمة والعطاء الممدود الذي نضب في داخلي. تغير طعم الحياة، وشعرت لأول مرة باليتم الحقيقي. كانت وفاة الوالدة – عليها رحمة الله – الضريبة الثانية للغربة التعيسة.

بموت الوالدين طرأت تغييرات في جدول أعمالي، فأعدت النظر فيه. رأيت أن أقوم على إعالة أطفال شقيقتي التي توفي زوجها عام 1973 وكانت في أوائل الثلاثينيات من عمرها وترك لها سبعة من الأطفال، بعد أن مات ثلاثة منهم.

علمت أني لو تركت أسرة شقيقتي بهذا الشكل فإن الصغار مصيرهم الضياع. وزاد الطين بله أن ابنة شقيقتي توفي عنها زوجها، ابن عمها، وترك لها ثلاثة من الأطفال أيضا.

نتيجة لكل ذلك قررت أن أعد البيت الذي بنيته لسكن أسرتي لسكن أسرة شقيقتي وأسرة ابنتها.  فقمت بما يلزم من التجهيزات المنزلية وأحضرت الأسرتين من البلد، وقررت أن أنقذ ما يمكن إنقاذه.

ونتيجة لذلك غضضت النظر عن فكرة العودة إلى السودان الحبيب سريعا وعن بعض طموحاتي الأكاديمية. فاستطالت الغربة وتمطت (بصلبها وأردفت أعجازا وناءت بكلكل) إلى ما لانهاية.

ومن كوارث المغتربين أنه في أوائل عام 1983 شهد مطار الرياض حادثا مأسويا غير مسبوق. لقد شبت النيران في طائرة الخطوط الجوية العربية السعودية في الجو بعد لحظات من إقلاعها من مطار الرياض؛ وكانت قادمة من الخارج و حطت في مطار الرياض في طريقها إلى جده.

أعاد الربان الباسل الطائرة إلى مطار الرياض ونجح في الهبوط بها. ولكن، لسوء الحظ، لم تتمكن سلطات المطار من فتح الأبواب أو قطع مؤخرة جسم الطائرة بالمناشير الكهربائية التي كانت متوفرة في المطار لإخراج الركاب، فمات المئات في محرقة مأسوية وسط صياح وبكاء النساء والأطفال.

كان بداخل تلك الطائرة المنكوبة العديد من الأسر السودانية المغتربة.  لقد كانت تلك الحادثة من أكبر حوادث الطيران في تاريخ المملكة العربية السعودية.

يقال أن المصائب لا تأتي فرادى، ففي أواخر الثمانينات من القرن الماضي توفي أخي وصديقي العزيز الأكاديمي إبراهيم هارون ” الرقيق ” في مستشفى الملك خالد الجامعي بسبب فشل كلوي وواريناه الثرى في مقابر العود بوسط الرياض.

كان المرحوم إبراهيم هارون قد أجرى عملية نقل كلية ناجحة من أخيه محمد هارون في مستشفى الملك فهد التخصصي بالحرس الوطني. وبذهاب صديقي إبراهيم تغير طعم الحياة ثانية. وبدأت مسيرة تناقص الأحباب والخلان ببطء ولكن بصورة مؤكدة.

كانت وفاة أخي ” إبراهيم هارون” نتيجة خطأ طبي وما أكثر الأخطاء الطبية في الغربة، وما أصعبها على النفس حين تقف مكتوف اليدين لا حول لك ولا قوة إلا أن ترفع يديك إلى المولى العزيز القدير وتشتكي.

بعد عملية نقل الكلية إلى أخي إبراهيم هارون، كان يشرف عليه طبيب كندي في مستشفى الملك فهد التخصصي بالحرس الوطني. ذهب الطبيب الكندي في إجازة وأولى أمر إبراهيم إلى أحد الأطباء السوريين. وظل إبراهيم تحت علاج الطبيب السوري الذي يبدو أنه كان يزيد في الجرعة المقررة، لماذا؟ لا أحد يدري.

اكتشف إبراهيم الجرعة الزائدة عن طريق الصدفة. سأل إبراهيم الطبيب: ( منذ متى وأنت تزيد في هذه الجرعة؟  ولماذا زادتها؟) كانت إجابة الطبيب السوري بكل عنجهية: ( أنكم السودانيون تدعون المعرفة. وأنا أعلم بما  أفعل). أخبره إبراهيم بأنه يعمل في مجال الكيمياء في جامعة الملك سعود ولديه خبرة كافية بأثر هذه الجرعة عليه.

وكعادة أخي إبراهيم هارون حوقل وأوكل أمره لله، ولكنه أسر إلي بأن هذا الطبيب الأحمق قتله. ولو أقمنا عليه دعوى فلن تجدي نفعا لأنه سينكر بكل بساطة ثم أردف قائلا: (حسبي الله ونعم الوكيل).

العجيب أني كنت أجلس مع أخي المرحوم إبراهيم هارون على سريره في المستشفى الملك خالد الجامعي نتجاذب أطراف الحديث، كعادتنا. وفجأة ودون سابق إنذار اعتدل ” الرقيق” في جلسته وبدهشة قال: (الجماعة خلاص جو شايلين حاجاتهم!!!) لم أفقه شيئا مما قال. سألته: (ماذا قلت؟) ولكن كانت تلك آخر كلماته. فقد دخل في غيبوبة لم يفق منها بعد ذلك، رحمه الله رحمة واسعة.

وبعد أكثر من ثلاثين عاما من الغربة لم يبق من الأحباب والخلان سوى بضعة أشخاص مبعثرين في أنحاء المعمورة ليس من السهل الوصول إليهم. فأصبح وجودهم كعدمهم رغم حداثة الاتصالات في بداية القرن الحادي والعشرين. وظل كل مغترب يدور في قطر دائرة مسئولياته الجسيمة والمستجدات التي لا طعم لها.

أرتكب الأطباء خطأ آخر في إحدى المستشفيات الكبيرة في الرياض حيث أخضعوا أم أحد أصدقائي، وقد تجاوزت السبعين من العمر، لتخدير كامل من أجل إجراء عملية بسيطة (موية بيضاء في العين).

نتيجة للتخدير الكامل تهالك جسد والدة صديقي ودخلت في غيبوبة أوشكت أن تصحو منها في الدار الآخرة. ولكن بعد ثلاثة أيام عادت إلينا. حمدنا الله على عودتها سالمة ونجاتها من موت محقق، ولكنها أقسمت قسما مغلظا بأنها لن تأتي إلى هذه الديار ولو كان ذلك للحج أو العمرة. وضربت كفا بكف مستغربة كيف تخدر تخديرا كاملا لعملية بسيطة كتلك!!!

العجيب عندما سألنا الأطباء اتفقوا جميعا على الإنكار. أشفق علينا أحد الأخوة الهنود ممن كان يعلم ببواطن الأمور ويعمل في مجال التخدير، وتخدير هذه العجوز تحديدا،  عندما رأى الجزع في أعيننا وشدة القلق، فتبرع بإبلاغنا الحقيقة وطلب منا عدم ذكر أسمه وإلا فإنه سيضطر للإنكار كما فعل بقية الفريق.

وضعت زوجة صديقي آدم “حرف الألف ” توأما في مستشفى كبير في الرياض. فرحنا لهذا النبأ السار. بعد عدة أيام توفي أحدهم. ولكن العجيب أننا اكتشفنا بعد أكثر من سنة أنهم تسببوا في عقم زوجته. ماذا فعلوا؟ الله ورسوله أعلم!!!

فإذا بتلك المرأة الخصبة التي بدأت بتوأم تصبح بين عشية وضحاها عقيما!!! بذل أخونا آدم كل جهد ممكن لمعرفة الحقيقة ولكن فات الأوان. ولا حول ولا قوة إلا بالله!!!

حكا صديقي “آدم حرف الألف” أن أحد الأميين قدم إلى موقع التسجيل للانتخابات في السودان وهو على ظهر حماره مسرعا. فقال للمسئول عن التسجيل آمرا: ( يا وليد أفتح حرف الألف). سأله المسئول عن أسمه، فأجاب قائلا وبكل ثقة: ( اسمي ألي ) وهو يقصد “علي”. ومن حينها أسمينا صديقنا آدم باسم ” آدم حرف الألف”.

الغريب أنه كانت لزوجتي خادمة حسناء استهلت معنا بداية حياتنا الزوجية، بعثت بها عائلة زوجتي إلى مسكننا ونحن لا نزال في شهر العسل، وكانت تقلب الحروف خطأ. فكانت عندما تٌسأل عن أسمها تقول بكل ثقة: (أسمي “هوا” وبشتغل مع “حدى”) أي أسمي حواء وأعمل مع هدى!!! وبسبب “هوا” السمحة ” الجميلة” عانيت كثيرا من تواتر زيارات المراهقين من العائلة إلى مسكننا.

ذكرني وضعي مع حواء آنذاك بوضع البدوي الذي إذا كبرت كريماته كن عبئا ثقيلا آخر عليه. فهو يقوم الليل ويؤجج النار بأعواد الحطب وينخع (يتنحنح) كثيرا لتصفية حلقه مصدرا صوتا يقصد منه أنه يقظان ومنتبه لما يجري حوله. فهو بذلك يبعث برسالة واضحة المعالم لزوار الليل من الشباب.

كان بعض المغتربين ” رقيقي الحال” يضطرون للطواف حول المستشفيات الحكومية عند قرب ولادة زوجاتهم. وعندما تحس الزوجة بساعة الصفر، يدنيها زوجها من باب الطوارئ في المستشفى ثم ينصرف ويراقب الوضع من بعد.

تنجح هذه الخطة في أحيان كثيرة وتؤخذ الحامل إلى الداخل وتتم الولادة الاضطرارية حيث نصت عليها لوائح المستشفيات. ولكن إذا فشلت الخطة فسيجد الزوج نفسه مضطرا لأخذ زوجته في وقت عصيب والإسراع بها إلى مستشفى أهلي حيث يتحمل مصروفات الولادة التي تتراوح من ألفين (2) اثنين إلى ستة (6) آلاف ريال سعودي في أفضل الحالات.

لا يمكن أن تصدق أن تكلفة الولادة في بعض المستشفيات الأهلية تفوق المائة ألف (100.000) ريال سعودي!!! لقد تابعت تجربة وضع زوجة أحد زملائي من العسكر السعوديين إبان غزو صدام للكويت في حرب الخليج الثانية حيث أخليت المستشفيات ومن بينها المستشفى العسكري بالرياض  للحالات الطارئة فقط تحسبا لإصابات الحرب.

أدخل زميلي العسكري الذي حبلت زوجته بعد مدة طويلة مستشفى أهليا حسب الظرف الطارئ آنذاك. والحمد لله أنجبت ثلاثة توائم. ولكن لسوء الحظ توفوا الواحد تلو الآخر خلال ثلاثة أسابيع. والأدهى من ذلك صدرت إليه فاتورة بتكلفة العلاج تفوق في جملتها المائة ألف (100.000) ريال سعودي!!! دهشت لهذا الرقم الفلكي. ولكنه طمأنني بأنه سيبعث بها إلى وزارة الصحة التي ستتولى أمرها حسب النظام.

عشت تجربة معاناة صديقي أبي بكر من أبناء الإسكندرية. كان هذا الشاب مثالا للمسلم الحق. فهو من حفظة كتاب الله وذي خلق ودين، وكان يؤمنا في الصلاة، وكان منضبطا في كلامه وأفعاله.  و نتيجة لذلك نال ثقة عملاء الشركة التي يعمل بها من الأجانب الأوربيين  وبقية الفرنجة الذين كانوا يعانون ويشتكون كثيرا من الكذب وأنماط التعامل غير المستقيم.

لكن لسوء حظ صديقي أبي بكر، حنق عليه مدير الشركة لصدقه مع الأجانب الفرنجة عموما فطرده من الشركة لأنه لا ينصب على الكفار. وبدأ فيلم المعاناة في منحه مستحقات نهاية الخدمة. وعندما لجأ إلى مكتب العمل عانى من التسويف وسلحفائية الإجراءات. فقرر اللجوء إلى إمارة الرياض والتقدم بشكوى لأمير الرياض صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز المشهور بإنصافه وحسمه للمظالم.

استبشرنا خيرا بتوجهه إلى إمارة الرياض. ولكن لم يخطر ببالنا أن راعي (صاحب) الشركة يملك يدا طويلة وصلت إلى بعض المسئولين في إمارة الرياض وأعاقت وصول الشكوى إلى صاحب السمو الملكي.

والأدهى والأمر أن صاحب الشركة كان يتبجح لصديقي بأنه يعلم بتحركاته وسوف لن يجني منها سوى الشوك والندم. وأردف مهددا صديقي بأنه إذا لم يتوقف عن الشكوى فإنه سيدخله السجن بوضع بعض المخدرات في سيارته والإبلاغ عنه مما سيتسبب في حبسه أعواما.

وعندها أدركنا خطورة الوضع حينما بدأ بعض رجال المرور يتحرشون بصديقي ويكتبون عليه مخالفات.  آثارنا السلامة والنفاذ بجلدنا وأجبرنا صديقي أبي بكر على مغادرة البلاد، فغادر السعودية على عجل.  وأدركنا أن قول الشاعر جرير لا ينطبق على صديقي حين قال:

زعم الفرذدق أن سيقتل مربعا       فهنأ بطول سلامة يا مربع

عند مغادرتنا لوزارة الدفاع والطيران والمفتشية العامة جابهت أحد زملائنا صعوبات منها أن مهنة “موظف” التي أتى بها من السودان غير مطابقة لوظيفة مترجم التي حصل عليها من إحدى الشركات. استغربنا الأمر. فزميلنا قد خضع لامتحان الترجمة في الملحقية السعودية في الخرطوم واجتاز الامتحان بتفوق واختارته وزارة الدفاع السعودية وعمل بها لأكثر من عشر سنوات.

سألنا زميلنا لماذا لم يغير مهنة “موظف” المكتوبة على جوازه عند خروجه من السودان. كان رده أن مهنة ” موظف ” أعظم قدرا من المترجم، حسب اعتقاده، ولم يكن يرى داعيا لتغييرها. فمعظم السودانيين يتحدثون اللغة الإنجليزية بطلاقة آنذاك وكانت مهنة المترجم جديدة على الدواوين الحكومية. وفوق هذا وذاك فقد كان موظفا محترما ملء السمع والبصر في جمهورية السودان.

وبعد معاناة والاستعانة بأحد الزلمات (من أبناء الشام) ودفع مبلغ خمسة آلاف وخمسمائة(5.500) ريال سعودي تمكن من نقل كفالته إلى الشركة التي عمل بها. وواجهته المعضلة مرة ثانية عندما تمت سعودة وظيفة ” موظف ” فكان عليه ثانية أن يغير مهنته. استعان هذه المرة بمكتب خدمات سعودي ودفع سبعة آلاف وخمسمائة (7.500) ريال سعودي حتى تمكن من تغيير المهنة و نقل الكفالة.

طوال مدة الاغتراب ظل المغتربون يتفانون في الاستجابة  وتلبية طلبات ذويهم وأصدقائهم في السودان. وبسبب ارتباطهم القوي بالسودان وبكل ما يمت بصلة له يتابعون كل المناسبات السعيدة وغير السعيدة. فيرسلون الشيلة: الملابس والأحذية  والريحة “العطور” اللينة اليابسة  (وبناتنا يابسات) وكل مستلزمات العروس والعريس في مناسبات الزواج، وكذلك يفعلون في مناسبات الأعياد، وعند كل عام دراسي جديد، وفي الوفيات الخ.

فمعظم المغتربين قد قضى سنوات عمره وهو حاتم الطائي:
أوقد يا غلام فالريح قر        فإن جلبت ضيفا فأنت حر

وعندما عاد بضعهم إلى السودان في نهاية المطاف أصبح أضحوكة وسخرية بعض أفراد المجتمع، وأنه أضاع عمره في الغربة سدى ولم يفعل كما فعل فلان وعلان.

يقال أن أحدهم عاد إلى السودان في ختام غربته، فبدأ الناس من حوله يتهامسون. بل تجرأ بعضهم وقالها له صراحة: “ماذا فعلت في غربتك التي استطالت؟” هنا حدث ما لم يكن في الحسبان.

أخرج ذلك المغترب الحصيف مفكرة كبيرة الحجم وبدأ يسأل كل من يوجه إليه سؤالا كهذا عن اسمه بالكامل ويبدأ في عد ما أرسله إليه عندما كان في الغربة. راع ذلك كثيرا من الناس وبهتوا ولم يعد يوجهون إليه الأسئلة. بل أصبحوا يتفادونه أينما رأوه.

وعودا على بدء فقد وصلت حفنة الدولارات التي بعثت بها من صنعاء إلى الخرطوم. واستلمها أخي وصديقي الأكاديمي العزيز إبراهيم، عليه رحمة الله. ولكنها استقرت بقدرة قادر في أيدي بعض أرحامي الذين تلاعبوا بها وأوجدوا لي قطعة سكنية بطرق غير مشروعة اضطررت لاحقا لشرائها من مالكها للمرة الثانية وبمبلغ كبير بعد أن بنيت فيها منزلا متواضعا.

الغريب أني دخلت هذا “الفلم” مرتين. ويبدو أني (مؤمن أي كلام) فقد قال أفضل الخلق كلهمو: “لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين”.  أو أن ذلك بسبب حماقتي التي دعتني لإدخال أصبعي مرتين في جحر واحد، كما قال الحبشي الذي لم يفهم مغزى الحديث الشريف وأكد جازما أن المرء يلدغ مرتين لو أدخل يده في جحر واحد.

هذا “الفلم” دخله كثير من المغتربين وخرجوا منه مذهولين لا يكادون يصدقون!!! سمعنا عن أحدهم وقد بدأ في بناء منزل له وأصبح البقرة الحلوب لأقاربه الذين يبعثون إليه في كل مرة بأن المنزل قد تجاوز المرحلة الفلانية والعلانية فابعث لنا عسى أن نكمل هذه المرحلة. فكان يستجيب لطلباتهم ويبعث ” الدراهم” ممنيا النفس برؤية قصر مشيد.  ولكن في النهاية كان حرثا في البحر!!!

وهناك قصص ونوادر أخرى لبعض المغتربين الذين عندما تعبوا من تحويل الدولارات، طلبوا من وكلائهم سقف البيت ولما يتجاوز ارتفاعه المتر من الأرض!!!

ومغترب آخر بعث بسيارة لأخيه ليستلمها في الميناء، وذهب هو إلى سوق البطحاء واشترى غطاء مصنوعا من قماش القنب (مشمع) ليغطي به سيارته عندما يصل إلى الديار العامرة. ولكنه فوجئ بأن أخاه باع السيارة في الميناء وكان عليه أن يغطي (نفسه) بالمشمع.

وآخر أكمل أخوه له بناء البيت، والحمد لله. سكن أخوه في جزء وأجر الجزء الآخر. أراد المغترب، بعد مدة، إرسال زوجته مع أبنائه للدراسة في السودان. يفاجأ المغترب الضحية بأن البيت قد بيع لشخص آخر وقبض أخوه الثمن (حلالا بلالا).

وآخر تم تزوير توقيعه بمنتهى الجمال وبيعت قطعته  الكائنة في موقع مميز وقبض أخوه ثمنها  وأكله هنيئا مريئا!!

العجيب أن معظم المغتربين قد نصب عليهم ذووهم وأقرب الناس إليهم. فمعظم هذه الحوادث لم تسمع بها المحاكم، وقطَعها المغتربون في حشاهم (أحشائهم).

كانت نتيجة هذه التصرفات السيئة أن زهد المغتربون في إقامة علاقات ودية مع كل السودانيين عموما، واكتنف غربتهم جفاء وغلظة لم تكن بها أول الأمر. فقد كان المغتربون في سابق الأيام يتقالدون (يسالمون بعضهم بالأحضان) عندما يلتقون. ولكن، مع المرارة التي تركتها هذه الأفعال السيئة ومن أقرب الناس، زهد المغتربون في كل العلاقات؛ وأصابهم طرش شديد عن سماع أي نداءات وطلبات من داخل أو خارج السودان!!!

وكنتيجة لذلك انكفأ المغتربون على أنفسهم ونسائهم وأبنائهم وبناتهم، ولم يعد يكترثون لأي من أفراد الأسرة الممتدة،  إلا من رحم الله. بل عمق بعضهم الغربة بغربة أخرى إلى أوطان أخرى فنال جنسياتها وتزوج بعضهم من تلك الديار وأصبح غريب ” الوجه واليد واللسان”.

وما بين هذا وذاك تلاحقك سفارة جمهورية السودان الإنقاذية الجشعة أينما حللت بضرائبها وجباياتها التي لا تنقطع  وزكاواتها التي ما أنزل الله بها من سلطان، فكانت عاملا مساعدا ودافعا أكبر لترك كل ما يربطك بالسودان جملة وتفصيلا.

قبل اندلاع حرب الخليج الثانية قرر أحد أصدقائي الذي كان يعمل في شركة سيارات مشهورة في الرياض أن يستغل هذه الفرصة ويأخذ سيارة (باثفايندرPathfinder ) جديدة بالتقسيط ويسافر بها إلى السودان. وكما كان يقول: (الأمور غير معروفة). فلو انتهت الحرب سيعود ويسدد الأقساط (و يادار ما دخلك شر)، وإن ساءت الأمور فيكسب تلك السيارة التي يكاد يساوي سعرها قدر استحقاقاته لما بعد الخدمة.

سافر صديقي إلى السودان بتلك السيارة الفاخرة. لكنه فوجئ بأمور لم يكن يتوقعها. أولا،اتهمه أقاربه بالثراء الفاحش بدليل تلك السيارة الجديدة لنج (Brand New ). وبدأت المعاناة. فمتى ما أعطى أحدهم مبلغا من المال نظر إليه شزرا وفي عينيه سؤال: ( لماذا هذا المبلغ القليل)!!! أهي استهانة واستخفاف بقدره أم بخل مقصود!!!

وعندما انقضت إجازته وعادت المياه في الخليج إلى مجاريها كان صديقي قد خسر جل أقاربه وأصدقاءه ومعارفه. وصار يحذر كل من يقصد السودان في إجازة ألا يستقل أي سيارة فارهة كسيارة الباثقايندر التي ذهب بها.

ذكرتني حادثة صديقي ومعضلة إقناع أهله وأقاربه وأصدقائه بمعضلة إقناع الأعمى الذي جلس مع الآخرين لتناول الطعام. فتحسس المائدة ووجد دجاجة محمرة تناولها على عجل وانفرد بها. أخبره الحضور أن المائدة تحوي دجاجة واحدة فقط وهي تلك التي تناولها. لم يصدقهم بل زاد على ذلك بقوله: ” أنا العميان وجدت دجاجة واحدة فكم وجدتم أنتم المبصرون؟” حاولوا كل السبل لإقناعه ولكن كل محاولاتهم باءت بالفشل. وما من سبيل لإقناع الأعمى!!!

ويقال أن أحد المغتربين حمل عددا من المصاحف إلى السودان وبدأ يوزعها على الأقارب والمعارف والأصدقاء. أهدى أحدهم مصحفا فنظر إليه وكان يتوقع هدية فاخرة وقال محبطا: ( كلام الله ما فيه كلام!! لكن الفيك إنعرفت). أي لا نقول شيئا في كتاب الله، لكن علمنا ما بك من شح.

ومن مصائب المغتربين الجمة يقال بأن أحد المغتربين عاد إلى السودان  بعد غيبة طويلة فوجده يزخر بنساء عهد الإنقاذ. راودته نفسه أن يرجع إلى أيام الشقاوة فقرر أن يعاكس (يشاغل) إحداهن. لكن كما يقولون بأن الشقي يطلع له عضم (عظم) في الفشة (الفشفاش/الرئة)؛ أي من سوء حظه يصادف العظم في الرئة!!!

ابتدر ذلك المغترب المعتق إحدى الحسناوات قائلا: (تي تي). وفجأة تحولت إليه الحسناء ونظرت إليه متفحصة ومستغربة. ثم  وضعت يدها على فمها مذهولة وقالت: (سجمي. سجمي. سجمي. كنت وين أنت؟. أنت من زمن تي تي؟!!!) 

أضطر بعض المغتربين لأخذ جنسيات دول أفريقية أتعس من السودان هروبا من الضرائب والجبايات والزكاوات؛ وتجاوزت فئة أخرى مقتدرة كل أفريقيا وآسيا إلى الدول الأوروبية وأمريكا ودخلت دول العالم الأول ولم نسمع بها بعد ذلك.

تحرص الدول العظيمة على تتبع  أخبار جالياتها في كل العالم. فشهدنا رعايا أمريكا والدول الأوروبية معززين مكرمين عند نشوب نزاعات إقليمية كنزاع العراق وإيران في حرب الخليج الأولى، وكحرب قوات التحالف في حرب الخليج الثانية لإخراج العراق من الكويت.

كانت تلك الدول تسأل عن رعاياها وتدلهم على المداخل والمخارج عند الطوارئ؛ إلا دولتنا العزيزة لم تسأل عنا في ساعات المحن وكأننا لسنا بالبقرة الحلوب التي دأبت على حلبها أيام الرخاء!!!


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات