عِندما كانت البلدوزرات تُسَوّي المقبره وهي تُعيدُ أيدٍ ورؤوس إشرأبّت تطلُبُ القتل قبل الدَّفْن  .. بقلم: مقدم شرطه م/ محمد عبد الله الصايغ


لِأنّهُ دائماً هُنالكَ معاييرٌ ثابِتَه بينَ الشّرَف والّلا شَرَف ؛ بين الخطا والصّواب ولأنّ هنالك عُقولٌ تُمَيّز فسيبقى الشّرَفُ شَرَفا والخطأُ خطأً وليس بين ذلك أمورٌ مُتَشابِهه.
عندما كُنتُم تَقِفُونَ عِندَ حَوافِّ ” المَطمورَه ” المَقْبَرَه في ذلك اليوم الغائظ وفي ذلك المكان الجبلي القاسي المُوحِش بلباسِكُم الرّسمي الكاكي وكانت البلدوزَرات تسعى فَوق المقبَرَه جيئةً وذِهاباً بأمرِكُم وهي تَعتَصِرُ بِثِقَلِها أجساداً لزملاءٍ لَكُم في نفسِ الكاكي .. ثُمّ وهيَ تُسَوِّي المكان بِسِكّينِها القاسيه وجنازيرِها الفظيعه مُعيدَةً إلى عُمقِ التُراب أيدٍ أو رؤوسٍ إشرأبّت يطلُبُ أصحابُها ” رُفَقاءَ السلاح ” مِنكُم وأنتُم في عُجالَتِكُم تلك إكمال ” القَتل ” أوّلاً ؛ لم تأبَهوا لَهُم وعُدتُم إلى سياراتِكُم الفخيمه والى قصورِكُم ” وأبنائكُم ” وذات ” النفخه الكضّابه ” ما فارَقَت مَظهَرَكُم حتى تَسَلّمَ صاحِب ال ” وِداعه ” ، شعب السودان وِداعَتَهُ منكُم عُنوَةً واقتِدارا بعدَ ثلاثينَ عاماً لم تَكُن ” مَوْقِعَة ” البلدوزر ، بكُلّ قُبحِها ، هي أسوأ ما ارتكبتم .
الكثير من ” التُّرُّهَات ” التي يتفَوّهُ بها البعض هذه الأيّام في تسجيلاتٍ صَوتيّه تأتي ليست غريبةً على جَوِّ الإنهِيارِ العام والسُقوط المُستَمِر حيثُ أصبَحَتِ الهاويه لا حدود لها ولا قَرار.
لِكُلّ مَن شاء الحق في الحديث ولكن لن يضمَن كلّ مُتَحدّث أن يُستَمَعُ لهُ بل إنّ الإستماع لبَعضِهِم يأتي ثقيلاً على النفس. لكلِّ إنسان الحق في أن يُقَرِّرَ لنفْسِهِ خطَّها ومسيرَتَها وفي هذا فَهوَ إمّا أن يُعِزَّها أو يَستَلِبَ منها الحق في الكرامَه ولا ضَيرَ في هذا لأنّ مَن يحمِلُ ” قِربَه مقدوده ” لن تُبَلّلَ أحداً سِواه.
الشرَف العسكَري مثلُهُ ومثل الشرَف لأيّ مِهنَةٍ أخرى وهوَ واحِدٌ لا يتجزّأ وهوَ سَهلٌ جداً تمييزُهُ ولا يستعصي ذلك على أحَد. لا يُضيرُ أحداً إن أنتَ شاركت في إنقلابٍ على حُكمٍ ديمقراطي وبقيتَ فيه رقماً فاعِلاً بكلّ قُبحِهِ الذي ، كلاكُما ، يستَمِدّهُ من الآخَر وسُمتُم محكوميكُم الوان الذُلّ والهوان لثلاثينَ عاماً لم يكُن القتل خارج إطار القانون ، رغم بشاعة ذلك ، أقلّاها مَرتبةً.
في الإشتراك الجنائي لا يقتضي الأمر أن تَقتُل بيديك فوجودك بين القَتَلَه أضِف إليهِ صفتك الرسميه ، كظَرفٍ مُشَدِّد ، وإن كُنت لا تملِكُ منها إلّا الزي الرسمي لهو أكبرُ دعمٍ للمجرمين وتُعتَبرُ فاعِلاً أساسياً كَمَن قَتَلَ بيديه وكمَن هتكَ العرض ومَن إغتصَب ومَن حرَق ومَن شَرّد ومَن أدْخَلَ الى بيوت الاشباح والمعتقَلات وكَمَن كَمّمَ الأفواه ومَن حاكَم بالإعدام في سويعات ومَن نَفّذ الأحكام ودفَن المُحاكمين ، الذين هُم زملاءهُ في الكاكي ، أحياءً وهوَ يتسامَر على حافّةِ المطموره ، رُبَّما بسيجارَةٍ في يَدِه ، حتى تَفرَغ الآليّات من مُهمتِها المُقدّسه.
ما الذي يعطيك الحق في المشاركه في إنقلابٍ على سلطه مدنيه مُنتخبه وتُقَوِّض الدستور وتحكُمُ البلاد بالقتل والترويع لثلاثينَ عاماً بسُلطَةٍ مُطلَقَةٍ مُغتَصَبه وتَغُضَّ الطرف عن كل الإجرام الذي حدث لِتوصِل البلاد الى ماهي عليهِ الآن وتَستَلِبُ هذا الحق من ضباطٍ إستشعروا مسؤوليتهُم تجاه وطنَهُم ، بصفتهم العسكريه فقط ، فثاروا ضدّكُم لتخليص البلاد من ويلاتِكُم. كيفَ تُدافع عن محاكِمِكُم البائسه المُجرِمَه وعن الطريقه البَشِعَه التي نفّذتُم بها أحكامَها. كيفَ تُسيئُ إلى أهل مَن يُفتَرَضُ أنّهُم أزواج وأبناء وبنات زملاءك وتُدين إحياءَهُم للذكرى السنويه لذلك القتل المُشين بيديكُم؟ نحنُ نَعرِف ” خُوَّة ” العسكريه ونعرِفُ أنّها أقوى مِن رابِطة الدّم فإن كنت أنتَ خارج هذا الإطار فإنّ ” الصّمت ” لم يكُن صعباً.. الصّمت الذي هو خيرُ رَفيقٍ في مثلِ حالَتِك حتّى يتراكمُ عليك غُبار النَسَيان وعوامل الزمَن وتوالي الأجيال.
مَن يُحِقُّ لهُم الكلام او مُخاطَبة شعب السودان الآن ليس أنت فكُلُّنا كنا أحياء عندما كُنتَ تَحْكُم عندما شرّدتَ زملاءك بالصالح العام لِسَبَبِ أنّهُم كانوا مِهَنيين فقط ولم ينتموا لحزبٍ او لمؤتمرٍ وطني حكمت أنتَ بإسمِهِ وجوّعت أُسَرَهُم وأطفالَهُم ثمّ يَتّمتَ أبناءهُم. أين الجيش الذي تتحدث عنهُ الآن؟ مَن الذي دَمّرَهُ .. حدّثني كيفَ تكونُ الخِيانه وكيفَ يكونُ الشَرَف؟
مَن لهُم حق الحديث الآن هُم ” زُملاؤك ” الذين بطشت بهم وقطعت أرزاقَهُم .. الذين عمِلوا باليوميه وساقوا الحافلات والأمجاد وقلبوا سياراتهم إلى ترحال والذين هاجروا .. الذينَ لم ينحنوا ولم يسجدوا لأصنامِكُم وكابدوا الحياه في صمتٍ وفي ثقه وأبناء وبنات من قتلتهُم وأمرتَ بقبرِهِم أحياء. مَن لهم حق الحديث الآن هم من لم يخونوا شعبهُم بإسم قوات الشعب المسلّحه باسم الجيش الذي تتحدّث عنهُ بفخيمِ الصوت والعبارات ناسياً أنّ ذلك الجيش قد تخلّى عنك بعد أن وَضعتَ ورفاقك جثتهُ بين يدَي الوحوش فنَهَشَتها ونَهَشتُها أنتَ وزُملاؤك معهُم حتّى لم يَبقَ منها شيئٌ الآن.
لقد ظللنا نستمِعُ الى أقوالِكُم وأفعالِكُم لثلاثينَ عاماً ولم نَكُن نَمْلِكُ حقّ الرد ولا الإعتِراض. لم يكُن هنالِكَ غير الموت أوالزنازين المُفْضيَه الى المَوت .. نحنُ لا نُريدُ أن نسمَعُكُم الآن فأصواتُكُم تبعثُ على الإكتئاب.
نحنُ نتحدث الان لا فرق فينا بينَ جياشي وشرطي وطبيب ومهندس وعامل. كلُّنا جنودٌ لهذا الوطن. لم يَخْفَ فيما أوردتُموه مناصَرَتِكُم للإنقلاب وتحريضِكُم لإطلاق يدِ الشرطه أكثر حتى لا يكتفِ الإنقلابيون الجُدُد بالقتل والتعويق والإغتصاب والنّهب الذي يحدث الان. وأيّدتُم إنزال القوات العسكريه ” الجيش ” ليُساهِم بصورةٍ فاعِلَه أكثر في الجرائم المرتكبه ضد الشعب بالإضافه إلى ” الحمايه ” ” المُعتاده ” لمن قاموا ويقومونَ بالقتل والإغتصاب وربط أبناء الوطن إلى أثقالٍ تُبقيهِم في قاعِ النيل بواسطة المليشيات وجِهات الأمن التي ” خلَقَها ” نظامُكُم. وهُنا عندما أتحدّثُ عن ” الشّرَف العسكري ” فإنّني قطعاً لا أتَحَدّث عنكُم فهذا مما ليست لهُ علاقه بِكُم وإنّما أتحدّثُ عن رجالٍ داخل الكاكي غَضّ النظر عن رُتَبِهِم دافَعوا عن شعبِهِم في مواجَهَتُكُم ودافعوا عن شعبِهِم أمامَ القياده العامّه وضحّوا بأنفُسِهِم ووظائفِهِم موقنين أنّ السلاح الذي في أيديهِم لم يُخلَق إلّا لهذا الغرَض ولا يَجِب أن يُصَوّب إلّا تجاه خطرٍ يستهدِف الوطن أو إنسانَهُ وليس حمايةً للأنظمه والكراسي واللصوص كما فَعَلتُم خلال ثلاثينَ عاماً مِن البؤس وَثّقَها التاريخ.
الصّمتُ أدعى لِمَن لَهُم بقايا مِن ضَمير أو ضميرٌ إستيقَظَ بعدَ نَيفٍ وثلاثينَ عاماً ولكِنّها ” الأزمَه ” الناجِمَه من غَضَبِ الله الّذي لا يعلمُ جُنودَهُ إلّا هُوَ. إنّها لعنَةُ القَدَرِ وقصَاصُهُ العادِل حتّى يزدادُ الظالمونَ سُقوطاً بعدَ أن زالَت السُلطَه والنّفْخَه الكّذوبَه .. سُقوطاً يُرافِقُهُم الى نهاياتِهِم البائسَه.
melsayigh@gmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 تعليق, 3 shares

تعليق واحد