محرقة المزارعين … من عنبر جودة الي أبو نعامة !! .. بقلم: محمد موسى حريكة


musahak@hotmail.com

ما بين فبراير 1956 و مايو 2022 تمتد عوالم وفضاءات مهولة تكتنف علاقات الانتاج البشرية لجماعات المزارعين وآلات الانتاج البدائية و نمط القوانين التي تحكم تلك الطبقات الاجتماعية ،حيث تبدو تلك المجتمعات الفلاحية في حالة سكون أبدي علي تلك الأرياف التي تنام هادئة علي ضفتي النيل الابيض والنيل الأزرق كما يبدو للوهلة الأولي ولكنها تمور بحمم البراكين التي تعتمل في داخلها
رغم ذلك الملمح الوادع المشحون بزيف الواقع .
قرية جودة(1956) تقطنها جماعات وحدت بينها عشوائية الهجرة الداخلية التي أملتها ضرورات الاقتصاد الريفي وشئ من دواعي التاريخ الوطني السياسي والاستقطاب الذي لا يخلو من العوامل القسرية في سياقها التاريخي .
كان وقتها علم الاستقلال وليداً بعد في ساريته بعد أن آلت إدارة الدولة لأول حكومة منتخبة ،وكان سكان جودة يمتهنون زراعة القطن أو (الذهب الابيض) الذي ينساب إلي لانكشاير خلف البحار حيث تغذي عائداته طموحات الفلاحين المتواضعة ،ونشب الصراع ذات موسم بين إتحاد المزارعين وشركة عبد المنعم عندما رفض المزارعون تسليم القطن لإدارة الشركة إلا بعد استلام حقوقهم التي تماطل الشركة في تسليمها ،وتطور النزاع الي إشتباكات بين المزارعين والشرطة التي إستنجدت بها الشركة المالكة للمشروع ،بعدها وصلت تعزيزات شرطية وتم نقل المزارعين علي متن شاحنات الي مقر الحامية العسكرية حيث تم حشرهم في إحدي (الهناجر ) في مساحة ضيقة فقد كانت أعدادهم تفوق المائتي شخص،وفي اليوم التالي قضي مائتي وخمسون مزارعا نحبهم نتيجة للاختناق والتكدس ونقص الأكسجين وتراكم بخار ثاني أكسيد الكربون كما جاء في التقرير الطبي لتلك الحادثة .
ثم خلت مناهج التاريخ لاحقا من تلك الحادثة ولم تعد حاضرة الا في مخيلة الباحثين والمهتمين والكتاب وحس الشعراء حيث خلدهم صلاح أحمد إبراهيم في قصيدة شعرية نأوي اليها كلما تناثرت في دروبنا الوعرة ذكريات عن ذلك الألق المفقود والتاريخ الدامي الذي خضع لكثير من المناورات والتزييف .
من الذين إنغرست في قلوبهم براثن الإقطاع
وسملت عيونهم مراود الخداع
حتي إذا ناداهم حقهم المضاع
عند الذين حولوا لهاثها ضياع
وبادلوا آمالهم عداء
وسددوا ديونهم شقاء
أبو نعامة مايو 2022 حين يبدو التاريخ ساكنا ،أو كما تساءل الشاعر ايليا أبوماضي في قصيدة الطلاسم في ذلك العجز البشري أمام تقاصر الإدراك عن بعض مظاهر الحياة .
هل أنا سائر أم الدرب تسير
أم كلانا واقف والدهر يمشي
هكذا تبدو الأشياء إذا حاولنا تفكيك تاريخنا السياسي والاجتماعي ، فبعد ستة وستون عاما من عنبر جودة زمانيا ،تجمع عدد من المزارعين إحتجاجا علي قرار يستمد شرعيته من إنقلاب أكتوبر 2021 حيث قضي ذلك القرار بإلغاء قرارات لجنة تفكيك تمكين نظام الثلاثين من يونيو1989 التي أعادت مشروع كناف أبونعامة الي المستثمر معاوية البرير وجاء في حيثيات لجنة تفكيك التمكين الانقاذي ،أن والي سنار السابق أحمد عباس قد تصرف في ممتلكات الدولة الاستراتيجية ببيعه لمشروع ابونعامة ومحلج كساب وملحقاته من مشاريع زراعية لمعاوية البرير في صفقة فساد تزكم الأنوف و ب (تراب القروش) كما يقولون كان ذلك في عام 2009 .
حيث تم بيع المحلج كخردة والمشروع كأصول خاسرة ، وصف المراقبون عودة المشروع وملحقاته بعد قرار لجنة التمكين بأنه إسترداد (مملكة).
وحينما خرج عشرات المزارعين إحتجاجا علي قرارات القضاء الانقلابي تصدت لهم قوات الشرطة وأمطرتهم بوابل من الرصاص حيث قضي ثلاثة من المزارعين نحبهم في الحال ونقل الجرحي الي مشفي سنار .
ليس من شعر يصف تلك المذبحة التي تضاف الي مذابح صراع المزارعين وقوي الشر من كرينك الي كسلا الي كجبار سوي تلك النمنمات البسيطة التي يتغني بها جيل الديسمبريون
نفس الزول الكاتل ولدك
شال لي روحو الفاتحة وقلدك
في تلك الملهاة لتاريخنا الساكن المتحور والمختبئ في تفاصيل نمط الانتاج وقوانينه الاجتماعية.


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 تعليق, 2 shares

تعليق واحد