مرحبا بالتقارب بين الشعب الواحد في دولتي السودان و جنوب السودان .. بقلم: د. عمر بادي
17 سبتمبر, 2013
د. عمر بادي, منبر الرأي
34 زيارة
badayomar@yahoo.com
عمود : محور اللقيا
بعض الفعاليات و الجمعيات الإجتماعية تتكون عندنا نتيجة لفورة نخبوية يقوم بها بعض النشطاء و ينساق وراءهم آخرون بعد أن يستطيبوا وقعها , و لكنها لا تنفك أن تؤول كالفقاعة إلى زوال , شأنها في ذلك كشأن مبادرات السيد الصادق المهدي الكثيرة و المثيرة و الحادثة بعد كل خبر و حديث , و لكنها جعجعة بلا طحن , أو كبرنامج المائة يوم لإسقاط النظام الذي وضعت له أحزاب تحالف قوى الإجماع الوطني خارطة طريق ملأوا بها الأرض جعجعة , ثم ها هي تنتهي المدة دون أي طحن ! ما دعاني لهذه التهويمة هو تذكري , عند زيارة الرئيس سيلفا كير الأخيرة إلى الخرطوم , لجمعية التآخي بين السودان و جنوب السودان و التي كان مصيرها الذوبان في طي النسيان , منذ تأسيسها و الى الآن .
لقد تم الإعلان التأسيسي لجمعية التآخي بين السودان و جنوب السودان في يوم 3/5/2012 في نفس اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي أجازته الجمعية العامة للأمم المتحدة , و كان قد تم إختيار الصحفي المخضرم الأستاذ محجوب محمد صالح رئيسا لها و تم إختيار الكاتب الصحفي و أستاذ العلوم السياسية الدكتور الطيب زين العابدين نائبا لرئيسها , و كان برنامجها يشمل العمل علي تعزيز العلاقات الشعبية بين مواطني الدولتين و تعزيز أشواقهم في العيش سويا , مع التأكيد على تنفيذ الحريات الأربعة التي سيكون مردودها كبيرا على شعبي الدولتين . هذا ما كان قد ورد في البيان التأسيسي لتلك الجمعية و التي كانت قد لقيت قبولا حسنا من المواطنين الذين تباروا في تقديم طلبات عضويتهم فيها , و لكن رغم عظم وقع الجمعية و عظم الوقع الإجتماعي لرئيسها و نائبه فقد آلت إلى زوال , و أنا كلي حيرة في هذا الأمر , كحيرتي من برنامج المائة يوم لإسقاط النظام و الذي لم يتجرأ حتى لإسقاط حائط مائل في عز السيول و الأمطار !
إن إنحناءة الرئيس سيلفا كير للعلم السوداني عند مراسم إستقباله على أرض مطار الخرطوم تدل على الكثير … أنه لا زال وفيا للعلم الذي عمل تحته كضابط صف في القوات المسلحة السودانية و كنائب أول لرئيس الجمهورية و كحاكم لإقليم جنوب السودان . العلم عند العسكريين هو رمز لوطن يعزونه و يستعدون أن يبذلوا أرواحهم فداء له , و لذلك لا ينحني ضابط أبدا لعلم لا يعز ما يرمز إليه !
لا يخفى على أحد أن ثمة صقور في المؤتمر الوطني و الحركة الشعبية قد لعبوا أدوارا مؤثرة في تطور الأحداث حتى إيصالها للإنفصال , و لا زالوا يسعون إلى عكننة العلاقات الثنائية بين الدولتين و إلى القضاء على كل تقارب يظهر على السطح , و كلهم لهم أجندة تتخفى وراء أفعالهم , فصقور الإنقاذ ينشدون الدولة الرسالية ذات العنصر العربي و الدين الإسلامي حتى يطبقون فيها الشريعة الإسلامية , بحكم أن الغالبية الغالبة بعد الإنفصال ستكون منهم و أن المتبقي من غير العرب و المسلمين سيكون في حكم الإقليات , و لذلك فقد سعى هؤلاء الصقور إلى تنفير الجنوبيين من الوحدة و دفعهم دفعا نحو إختيار الإنفصال . من الناحية الثانية فقد أمعن صقور الحركة الشعبية في إجترار المرارات القديمة و النقر على أوتارها و على أنهم سوف يكونون مواطنين من الدرجة الثانية في الدولة الرسالية و التي سوف تعتبرهم أهل ذمة عليهم دفع الجزية لها , و أما عن بترولهم الذي يستغله الشمال و الذي بعد جهد جهيد وافق لهم بنصف عائده فإنه سوف يكون كله لهم إذا ما اختاروا الإنفصال ! هكذا كان منطق الصقور من الجانبين . أما الحمائم فقد كانوا أخفض صوتا من الصقور و ذلك لقلتهم عند مراكز إتخاذ القرار في الجانبين رغما عن كثرتهم العددية بين أوساط الشعب في الجانبين , فهم في الشمال لم يستشاروا في أمر الإستفتاء و لم يكن لهم دور يذكر في مجريات الأحداث , و في الجنوب بذلت عليهم ضغوط عدة وصلت درجة التهديد بالتصفية في حالة معارضتهم للإنفصال , و لذلك فقد ظل المواطنون بجنوب السودان يرددون أن الإنفصال كان شأنا سياسيا و أنهم لا عداوة لهم مع الشماليين !
هكذا تم الإنفصال في جو مشحون بتعميق المشاحنات و الصراعات على القضايا العالقة و التي أوصلت البلدين إلى الحرب الباردة و العلنية بينهما و أوقفت التجارة الحدودية و عمقت الخلافات حتى غدا الإتجار بكيس من التمر أو الذرة بين الحدود يعتبر في نظر الحكومة السودانية جرما يتطلب الإعدام رميا بالرصاص ! لكن رغم ذلك صار المزاج الجنوب – سوداني نزاعا نحو الشمال , حتى في مذاق المنتوجات الغذائية ! في الأسابيع الأخيرة فقد الصقور الجنوبيون نفوذهم و ارتخت قبضتهم عن مجريات الأحداث و عن المواطنين , والذين خرجوا في جوبا يؤيدون طرد العمال و التجار اليوغنديين و الكينيين و الصوماليين الذين عاثوا فسادا في الجنوب , بينما التجار الشماليون يعيشون معززين مكرمين , لقد خرج المواطنون في مسيرات مؤيدة للوحدة مع الشمال ! أنا لا أتعجب من تصرفهم هذا لأن القبائل النيلية في الجنوب ذات الكثرة الغالبة تعود في أصلها إلى الحاميين من كوش كما أبان المؤرخ البريطاني السير أرنولد توينبي !
لا زال يعيش قرابة الثمانية عشر ألفا من الجنوبيين في الشمال عيشة طوعية دون إرغام , و سوف يزداد عددهم إذا ما فتحت المعابر بين الدولتين , و سوف تزداد التجارة الحدودية التي يقدر دخلها بثلاثة مليارات دولار تصب في الشمال , و سوف تغترب أعداد كبيرة من الشماليين في الجنوب من أجل العمل و الإتجار و تقديم خبراتهم لتنمية و تطوير الجنوب بعد سريان ضخ البترول .
لقد تذكرت الآن حديث السيد رزق زكريا حاكم ولاية غرب بحر الغزال قبيل إستفتاء جنوب السودان , فقد قال في لقاء جماهيري في مدينة واو مخاطبا جماهيره بلغة عربية سليمة أنهم إذا ما ارادوا التخلص من الشعور بالدونية و من مراراتهم التاريخية و من أنهم مواطنين من الدرجة الثانية , عليهم أن يجربوا الإنفصال و الإستقلال حتى يتعافوا من كل ذلك , و من ثم إن قرروا العودة إلى الشمال فلن يرددوا ثانية ما كانوا يقولونه ! لذلك إذا ما عاد الجنوبيون إلى السودان الواحد الموحد – و حتما سيعودون – و لكن في ظل غير هذا النظام الحالي , فلن يجدوا منا غير الترحيب و لن تكون هنالك شماتة لأننا نعذرهم !
أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم و هو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك افريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني . إن العودة إلى المكون السوداني القديم تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !