هل أصابت ثورة ديسمبر، لعنة التفريط في تحقيق العدالة؟

 


 

 

من القواعد الكونية، والنواميس الربانية، أنّ العدل أساس الملك، يقول الله تعالي: "وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) البقرة. و"ولكم" المقّدم على القصاص في هذه الآية الكريمة، مقصود به أولي الأمر، ومن بأيدهم تحقيق العدالة، والمجتمعات كذلك، وهنا تأكيد رباني، لمصالح في الاقتصاص من الجناة، ونصرة المظلومين، وهي الحياة، للمجتمعات. عكس ذلك، يعني التفريط، أو التهاون في تحقيق العدالة، وبديهيا يعنى الموت، كنقيض حصري للحياة، موت الدولة والمجتمعات، المتواطئة مع الظالمين، والمتهاونين في تنفيذ القصاص، من الحكام والأجهزة العدلية، والمساندين لهم.
رغم ما قيل أنّ معاوية رفع قميص عثمان وأصابع زوجته نائلة، طلبا للحكم، في سراع السلطة بين بنو هاشم وبنو أميّة، فإنّ الله نصره على سيدنا على بن أبي طالب رضى الله عنه وأرضاه، الذي كان يرى أنّ معاوية ليس ولياً لدم سيدنا عثمان بن عفان رضى الله عنه وأضاه، في وجود أبنائه الراشدين، ولم يتقدم أحد منهم طالبا القصاص، رغم أنّ القتيل خليفة المسلمين، وقيل أنه كان يرى إرجاء الاقتصاص من قتلته، إلى ما بعد أن تنعقد له البيعة وتوطد له الخلافة، سيما وأنّ كبار الصحابة لم يبايعوا سيدنا علي بعد، أرجأ القصاص إلى أن تستقر أركان الدولة الهّشة، تفادياً للشوكة التي كانت تتمتع بها القبائل والعشائر الضالعة في عملية الاغتيال السياسي المأساوي للخليفة الثالث عثمان بن عفّان، والتي ظلت آثارها باقية إلى يوم الناس هذا.
فيما يبدو أن تساهل سيدنا على بن أبي طالب مع قتلة سيدنا عثمان بن عفان، وتفاديه حتى مجرد محاولة توقيفهم على ذمة التحقيق، أتاح لهم فرصة التقاط أنفاسهم، فخرجوا عليه، ونازلوه في معركة النهروان، بعدها، ترصده الخارجي عبدالرحمن بن المُلجم فقتله شهيدا، إلاّ أبنه الحسن، قتل أبن الملجم قصاصا.
وللمفارقة، أنّ قتلة عثمان ذو النورين، أحدثوا فتنة بين معسكر سيدنا على ومعسكر سيدنا معاوية، كانت الشرارة الأولي لواقعة الجمل، بأن هجموا على المعسكرين ليلا، هذا السيناريو قريب الشبه بما فعلت كتائب ظل الحركة الإسلامية بين الجيش وقوات الدعم السريع في أرض المعسكرات، فجر الخامس عشر من شهر أبريل الجاري 2023م، على الأرجح.
فيما بعد، أبرم سيدنا الحسن بن على، اتفاقا مع معاوية، تضمّن العفو على قتلة المظلوم عثمان ذو النورين، وهو وليّ دم، أي معاوية، بحكم التراتبية العشائرية يحق له العفو. وكان ذلك العفو شرطا لتنازل سيدنا الحسن بن على عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول سنة 41هـ. وقد قتل من تبقى من رموز مقتل عثمان علي يد الحجاج فيما بعد، ولم نجو منهم أحدا من القتل على الأرجح.
مع الفارق، وضع الحكومة الانتقالية الأولي، ومواقف ثوار ديسمبر مع د. عبدالله حمدوك، والذي نعتقد انه ألمح لنبيل أديب، عدم التعّجل في إنهاء التحقيقات في جريمة فضّ اعتصام القيادة العامة، بغية ترحيل ملفها، إلى الحكومة المنتخبة، ما بعد الانتقالية، تفادياً للاصطدام بالمكون العسكري، أو المواجهة مع اللجنة الأمنية، الحامية للقتلة والفاسدين من رموز النظام السابق، كان مشابها لوضع إلى حدٍ كبير، بموقف سيدنا على بن أبي طالب مع قتلة عثمان بن عفان.
قيل أنّ قيادات في الحكومة الانتقالية الأولى، أوصدت أبواب مكاتبها في وجوه أسر شهداء ثورة ديسمبر، التي منحتهم مناصب دستورية، هذا ناهيك عن جأر الجرحى والمصابين من الشباب الثوار، بالتجاهل، وسوء المعاملة وحيف الجزاء من تلك الحكومة غير المأسوف عليها.
نبيل أديب، كان اختياره لرئاسة لجنة التحقيق في مجزرة فضّ اعتصام القيادة العامة، اختياراً غير موفقا، تبّين خطله بمرافقته الميمونة لتكّتل الحرية التغيرـــ الديمقراطي، أو من عرفوا "بالأرادلة" الانقلابين إلى مصر، للتفاكر حول كيفية إفشال مشروع الدستور المؤقت للفترة الانتقالية، وإعاقة مسيرة الاتفاق الاطاري، سافروا واجتمعوا في كنف جهاز المخابرات المصرية، دون أي اعتبار للأمن القومي، الأمر الذي كشف أنه ضد التحول المدني الديمقراطي، الذي يبتغي تحقيق العدالة، واجتثاث الفساد من جذوره. فالذين اختاروه بعلم أو بدونه، لا نظن أنهم مهتمين بتحقيق العدالة، أو مدركين بعواقب التلاعب بها.
ما عرفت بحركات اتفاق جوبا، والتي تواثقت تحت "التربيزة"، على عدم تسليم المطلوبين دوليا، تورطت في ارتكاب جريمة انقلاب الـ 25 من اكتوبر، والآن قياداتها في بلاءٍ عظيم، في الاختيار بين الحياد، والانحياز لأحد طرفي الحرب المستعرة في البلاد. وفي كلا الأحول، قد تبخّرت أحبار ذلك الاتفاق المشئوم، الذي شكل خنجرا مسوما غُرست في خاصرة ثورة ديسمبر. احترقت قياداتها بلعنة التآمر على أركان العدالة بليل، عن جهلٍ وخسة سياسية. أذ أن الحرب الدائرة الآن ستفرض واقعا جديدا في البلاد لا محالة.
اللجنة الأمنية للنظام السابق، بقيادة أحد جنراليّ الحرب والدماء، الفريق البرهان، هم من عرقلوا تسليم رئيس النظام السابق عمر البشير وبقية المطلوبين دوليا، لذا نظن أنّ الله ابتلاهم، بالحرب، وقتل أنفسهم والشعب السوداني، وما هو شبه مؤكد أن الفريق البرهان سيفقد منصبه، ولو انتصر، هذا أذا نجح في الحفاظ على رأسه على كتفيه.
نعلم أنّ هذا الوقت، ليس وقت محاسبة الحكومات السابقة، وأنّ الأولوية لوقف الحرب، وإنقاذ الأرواح، لكن القصد التنبيه إلى خطوة مآلات مساندة المجرمين، والوقوف مع الظالمين تحت أي مصوغ، وإن رفعوا المصاحف على أسنة الرماح.
ebraheemsu@gmail.com
//أقلام متّحدة//

 

آراء