سِتَّ الودع .. بقلم: عادل سيداحمد
3 أغسطس, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
23 زيارة
لم تكُن علاقتي بالودع جديّة، و لم أدَّعِ لآخرين، بخلاف صديقاتي من نساء الحي أية قدرات في مجال العرافة، بل كانت هواية و تسلية لتزجية النهارات مع الجارات و في جلسات المُشاط، و في تجمعات الفطُور النسائيّة، من حينٍ لآخر، بمناسبة سعيدة أو دونها… و قد امتلكت طقم الودع نفسه عندما كنتُ في زيارة فرايحيّة إلى مدينة بورتسودان، طقمين من البحر مباشرة،و صقلت الودع بدفنه تحت الزير لمدة ثلاثة أيّام صار بعدها لامعاً ذا بريق.
و بدأ الأمر، في الأوّل، كالمزحة، فقد كنت أعرف أخبار و أسرار صديقاتي و آمالهن و توقعاتهن، و كنتُ أبني كلامي لهن فوق هذا الرصيد، و كنَّ هن يرغبن، بل يتلهفن لسماع المعلومات التي استقيتها منهن بالذات، بعد تشذيبها و إضفاء قدر من التشويق الأسطوري عليها…
و كنت أضاحكهن و أنا أبتدر جلسات الودع بالافتتاحية الغنائية:
– ست الودع!
أرمي الودع…
لي كشكشي
شوفيهو لي كان فيهو شيء…
قوليهو لي ما تختشي!
و جذبت جلساتنا نساء الأحياء المجاورة، و نساء غريبات من أحياء أبعد، و قابلت ازدياد الزائرات هذا بالمزيد من المعرفة بدنيا الودع: الوحيد، تاني أخو، ود الصُرة، الطيّة… و غيرها من المصطلحات الخاصّة بالوداعيّات، و أضفيتُ جوّاً ساحراً على تلك الجلسات بإيقاد بخور التيمان و تطعيم القهوة بالأدوية مثل الجنزبيل و القرنجال!
و انهال عليّ (البياض!)…
و اقترحت عليَّ نعمات أن أبيع بعض البضائع النسائية استثمارًا لتلك الجلسات و بادرت بجلب الأرباح البلدية لتبيعها في ختام كل جلسة، كنت اكتفي منها ب: عطيّة المزيِّن!… و لاقت تجارتها رواجاً منقطع النظير، و لكن كانت التجارة التي تفوقت عليه، هي تجارتي في الأعشاب العطريّة و الطبيّة، و استعنت بأحد أقاربي الضليعين في هذا الأمـــــر، كان قريباً من الدرجة الرابعة أو الخامسة، و مع ذلك اهتم لأمري، و زودني بأسرار المهنة، و خفاياها، و صرت أحدد أمراضاً وهميّة يذكرها و يشير إليها الودع، و من ثم أصف العلاج البلدي، فيتاح لي بيع الأعشاب… و أضاف ذلك بعدا من الغموض و لمسة سحريّة في الغرفة نصف المظلمة التي بت أدير فيها أعمالي. و ما هي فترة وجيزة حتى أعلن امتهاني الودع و التطبيب بالأعشاب…
و صرتُ أكنى ب(عايدة الوداعيّة!)…
و صرت أصول و أجول في أسرار الناس، عن طوعهم، و لكني كنتُ أفي بالحفاظ عليها و رعايتها، و صادفتني مشاكل غريبة و قضايا مُعقدة، تعلمت منها الكثير، و أعدت توظيفها بين الزبائن، و زاعت شهرتي كعرّافة من الدرجة الأولى، و تغير نوع زبائني، فشمل العديد من كبار قادة الخدمة المدنية و ضبّاط الجيش، و دخلت القصر الجمهوري، ذات نفسه، أربعة مرَّات، كنتُ أخرج منها، في كل مرة، و أنا مُندهشة من سذاجة القائمين بالأمر هناك. لم يكونوا قدر المقام و الرهبة التي دخلت بها أوّل مرّة، و كانوا بالنسبة للزبائن العاديين، عاديين، إن لم يكونوا: أكثر سذاجة و ضآلة مبتغى.
بيد إن زياراتي (الأربع) للقصر جعلت مني وداعيّة (سبعة نجوم)، بخلاف ما كنتُ أعود به من هدايا و متاع، كان في مرّة من المرات يتضمن (خروفًا مشويًّا محشوًّا) كامل الدسم، و أولمت به لجاراتي على سبيل الفشخرة و الدعاية الكذوب… و صرت وسيطاً لذوي الجناب العالي و المقام الرفيع، يقصدني الناس بالإضافة للعرافة و التطبيب، لحلحلة أمورهم عند هذا المسئول أو ذاك… فانهالت علي أموال الزبائن، و تمرغت في ثقتهم و اعتمادهم عليّ في صغائر الأمور و عظامها!
الجزء الصادق و المفيد من عملي، كان: هو التطبيب بالأعشاب، الذي صرتُ ضليعة فيه، الآن، و كنتُ إذا ما استعصى على مرض، أو فاق الحد الذي أتجول فيه، من أمراض البطن و الصداع و الحمى و مداواة القروح، أنصح زائري بزيارة الطبيب!
و لكن، و رغم ولوغي في دُنيا الدجل و الشعوذة، و اطلاعي على خباياها من الداخل، لم تهتز قناعتي) في الفكي (إسحق)، و كنتُ أتلصصُ زيارته في الأوقاتِ التي لا تخطُر على بالِ أحدٍ، كلما ألمت بي ملمة!
amsidahmed@outlook.com
///////////////