حوار: زهرة عكاشة
صعد الاستاذ محمود منبر جامع ام درمان الكبير وهو يرتدى البدلة وقال للمصلين : (ساحدثكم عن الصلاة) !!
اصدر الاستاذ محمود صحيفة (الجمهورية) ورأس تحريرها لكنها توقفت سريعا لاسباب مالية
بنت اختى صاحت ذات مرة : (بتول ام الاستاذ) !!
اهدانى الاستاذ محمود ساعة وشمعدان وسيرمس شاى حينما نجحت ودخلت الوسطى
اسماء محمد طه من (ال محيسى) كانت اول بنت تلتزم الفكرة الجمهورية وتقيم حاليا بكالفورنيا
زرت الاستاذ محمود فى سجن كوبر قبل ساعات من الاعدام وهذا ما دار بيننا
كان الاستاذ محمود يقول انه نشأ يتيما صاحب قراره
عبد الخالق محجوب كان يزور الاستاذ محمود ويبحث معه الموائمة بين الماركسية والدين
لم اتوقع معجزة من السماء توقف تنفيذ الاعدام لان العارف بالله يسلم تماما للارادة الالهية ولا يعترض
منصور خالد وابراهيم منعم منصور وعبد العزيز شدو كانوا يزورون الاستاذ محمود كثيرا
للأستاذ محمود جلبابين فقط حينما لا اجدهما فى الشنطة اعرف أنه أهدى واحدا ويلبس الثانى
كان طعامه الكسرة فقط ولا يأكل اللحم !
حمل طفلا صغيرا بينما كان يهم بالخروج وقال لى : (الجلباب النظيف فصلنى عن الحياة )
تُعد القيادية الجمهورية؛ الدكتورة بتول مختار محمد طه، من الشخصيات التي لازمت الأستاذ محمود محمد طه ــ عن قُرب ــ منذ يفاعاتها، وحتى تنفيذ حكم الإعدام الجائر عليه، بتهمة الردة فى 18 يناير 1985م، فهي بنت شقيقه الأصغر، والتي تربَّت في كنفه ــ بعد وفاة والدها وهي بعد طفلة غضَّة ــ علاوة على أنها كانت القيادية على الأخوات الجمهوريات، وعضو قيادي باللجنة التنفيذية لتنظيم الأخوان الجمهوريين. كل ذلك؛ أتاح لها معرفة بعض الجوانب من الحياة الشيِّقة التي عاشها الأستاذ محمود، ووثقتها في كتابها الموسوم “محمود الإنسان.. قراءة الأيام”. لدرجة أن وصفها أحد الباحثين؛ بأنها “حافظة أسرار الأستاذ محمود”. ومع إنها ذكرت في ــ مقدمة كتابها ذاك ــ أن حياة الأستاذ محمود؛ أعرض، وأعمق، من أن يُحيط بها أحد، أو تُجمع في كتابٍ. لكنَّا في “الديمقراطي”؛ وبمناسبة الذكرى الــ36 لاستشهاده، جلسنا إليها بمنزلها، في محاولة لمعرفة بعض من ملامح حياة ذلك الإنسان الفريد.
? منذ متى بدأ التصاقك بالأستاذ محمود؟!
لازمت الأستاذ محمود محمد طه؛ بعد وفاة والدنا مختار، الشقيق الأصغر للأستاذ محمود محمد طه، في العام 1952م، عقب خروج الأستاذ من خلوته برفاعة 1951م ــ والتي امتدت لثلاث سنوات ــ بعد أن قضى عاميْن في السجن، بسبب مقاومته الاستعمار الإنجليزي. واستشعاراً لمسؤوليته تجاه أبناء أخيه؛ جاء بهم جميعاً من رفاعة إلى أم درمان، وكان حينها قد انضم للهيئة القومية للكهرباء، حيث عمل بها مهندساً، ولم يأخذ وقتاً ليتم توظيفه في الهيئة، فقد كانت البلد في ذلك الوقت محتاجة لعمالة متعلمة.
استأجر الأستاذ محمود؛ منزل الطيب القرشي ــ بحي الملازمين بأم درمان ــ لكن المنزل كان صغيراً، ومشيداً على الطراز الأوروبي، ويتكوَّن من غرفتيْن، وصالة مستديرة، ومطبخ صغير. إلى جانب “حيشان” كبيرة جداً. لكن المساحة المبنية؛ لا تسمح بلم شمل كل الأسرة، فقرر الانتقال إلى منزل آخر يسع الجميع. فأجر منزل توفيق السراج ــ بحي بيت المال ــ بالقرب من سوق “أم سِويقُو”، وأدخل كل أبناء، وبنات الأسرة الصغار إلى المدارس، وذهبت أنا إلى روضة نفيسة أحمد القاضي “السور” بالملازمين .
مكثنا في منزل بيت المال؛ حتى سنة 1964م، وكان الأستاذ يقوم بتشييد منزل الثورة. لكن؛ حقيقة تعثَّر التشييد لعدم وجود المال الكافي، وكانت الأمطار تهدم جزءاً منه، ليُعاد تشييده مرة أخرى، لأنه بُني من “الجالوص”. كان الأستاذ ــ وقتها ــ يعمل مهندساً بالمشاريع الزراعية، جنوب النيل الأبيض “عمل خاص”. وبعد مدة؛ تمكَّن من إتمام المنزل، ورحلنا فيه.
? حينما انتقلت وأسرتك الصغيرة للعيش في كنف الأستاذ محمود.. هل كنتِ على دراية بما يحدث حولك؟!
حينها؛ لم أكن أدري ماذا يفعل الأستاذ، لكنني كنت معجبة جداً بصبره، فقد كان المنزل يعج بالزوَّار والضيوف، ورغم انهماكه فى الكتابة، إلا أنه كان يستقبلهم بحفاوة، وكنت أجدهم جالسين قُربه، وهو غارق في كتابته. وبعد أيام؛ خرج كتاب “الإسلام”.
كذلك؛ كانت هناك مكتبة بها قليل من الكتب، إضافة إلى الصحف السودانية والأجنبية. فقد كان للأستاذ محمود نشاطاً كبيراً؛ عبر كتابة المقالات، والمساجلات الفكرية، والسياسية بالصحف. لكننا فقدنا الكثير منها ــ أيام المحكمة ــ نتيجة التفتيش المستمر، والسرقة التي تعرض لها المنزل، من أجهزة نظام نميرى الأمنية. لكن؛ كان هناك أعداد كثيرة من صحيفتي الشعب والجمهورية، والأخيرة كانت لسان حال الحزب الجمهوري، ورأس تحريرها الأستاذ محمود نفسه، إلا أنها لم تستمر طويلاً لأسباب مالية. وعند اطلاعي على هذه المقالات ــ لاحقاً ــ وجدت أنها المجموعة التي صدرت في كتابي “رسائل ومقالات” ــ الأول والثاني.
? هل كان الأستاذ محمود مجرد عم بالنسبة لك؟!
كنت أشعر؛ أن لدي شيئاً من جدته لأمه “زينب بت حمزة”، ووالدته “فاطمة بت محمود”. وكان يلازمني دائماً؛ شعور أنني والدة الأستاذ، وهو شعور غريب جداً. وأذكر أن ابنة أختي “فاطمة حسن يس”؛ كانت صغيرة، وتراني دائمة الحركة من وإلى الأستاذ، وكانت تُراقب حركتي من على النافذة، ولدى عودتي ــ في إحدى المرات ــ صارت تُردِّد بصوت مرتفع “بتول أم الأستاذ.. بتول أم الأستاذ”، فكان إحساساً عجيباً.
? متى بدأت ملازمتك اللصيقة له؟!
لا أذكر بالتحديد متى بدأت؛ لكن أظن أنها كانت في الخمسينيات. أذكر أنني كنت أجلس إليه؛ وهو يستمع لاذاعة الـ”بي بي سي”، فقد كانت إذاعته المفضلة، وكنت حينها في المرحلة الإبتدائية. وفي المرحلة المتوسطة؛ زاد اهتمامه بي، لاسيما وأنني كنت دائماً أطلع الأولى على الفصل، وكان يعتقد أنني سأصبح إنساناً نافعاً في المستقبل.
وعندما لم يحالفني الحظ ــ في إحدى سنوات المرحلة المتوسطة ــ وجاء ترتيبي الـ”16″ في الصف؛ لم يوبخني، بل وبَّخ بقية أبناء وبنات الأسرة. وقال لهم: “انتو الأثَّرتُو على بتول وخليتوها اتأخرت”. وعندما نجحت في امتحانات الشهادة؛ أهداني “ساعة، وشمعدان، وسيرمس شاي”. فعل ذلك؛ لأنه يعلم أن الهدايا تترك أثراً جيداً لدى الأطفال. ومنذ ذلك الوقت؛ تعوَّدت على وجودي معه باستمرار. وعند إصابته بالملاريا؛ كنت أُلازمه لخدمته، فقد حرص أن يجعلني الوسيط بينه وسيدات المنزل. فهو قصد؛ أن يُخفف عليهم الأعباء، ورفع عنهم أمر خدمته. أظن أنها كانت سياسة منه في رعاية الأسرة؛ وسياسة في الحياد، وأصبحت أنا الشخص الذي إن أصاب فهو جيد وإن أخطأ يُوبَّخ.. لكن الآخرين لا.
وعندما وصلت المرحلة الثانوية؛ صرت مسؤولة من المنزل، استلم منه المصاريف يومياً. وأمي “الرَبِّ جُود”؛ مربية الأستاذ، هي من تُدير شؤون المنزل الأخرى.. تقوم بالتسوق، وأعمال الطبخ. كنت وثيقة الصلة بالأستاذ؛ حتى إنه قال ــ ذات يوم: “بتول دي الزول الوحيدة البشاكلها وبتجيني”. ويزداد الارتباط مع كل فجر جديد؛ إلى أن التزمت الفكرة الجمهورية.
? هل كنت أول البنات التزاماً بالفكرة الجمهورية؟!
سبقتني الأخت أسماء محمد طه؛ في الالتزام بالفكرة، وهي من أسرة “محيسي”، وتُقيم ــ حالياً ــ بولاية كاليفورنيا بأمريكا. وعندما جئت أنا؛ ذهبت هي، ولا أدري السبب!! ربما انشغالها بحياتها كان وراء ذلك. أنا لا أعرف بالضبط؛ متى التزمت الفكرة الجمهورية، لأنها بدأت عندي في اللاوعي، ثم ظهرت ــ لاحقاً ــ في وعيي. ومنذ ذلك الحين؛ أصبحت ملازمة للأستاذ محمود أكثر من الأول، ولم أفارقه أبداً. وحتى أثناء فترة حبسه ــ في محكمة الردة الثانية ــ كنت أذهب يومياً لزيارته، وكانت آخر زياراتي له؛ عصر الخميس 17 يناير 1985م.
? ما هو تأثير اليُتم المبكِّر للأستاذ محمود على مسار حياته؟!
توفيت والدته “فاطمة بنت محمود” في العام 1915م؛ وهو طفل لم يتجاوز الــ5 أو الــ6 سنوات، ولا يتذكَّرها نهائياً. وكل معرفته بها؛ كانت عبر صديقاتها. وبعد خمس سنوات ــ من وفاتها ــ لحق بها والده. لذلك عندما سأله صُحفي عن حياته قال له: “حياتي كلها يُتم”. وقال ــ في إحدى المرات: إن الإنسان عندما يكون يتيماً يمتلك حرية اتخاذ قراراته، فقد جرت العادة أن يتدخَّل الوالدان في قرارات الأبناء”. وكان دائماً يردد؛ أنه نشأ يتيماً صاحب قراره. وذكر ذات مرة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتيماً، ولم يكن أمامه عقبة التنازل عن رأيه إرضاءً لوالديه بسبب العاطفة ودواعي الخوف. وأن هذه النشأة؛ كانت فرصته فيها كبيرة باتخاذ قراره، ولم يكسر أحد قراراً اتخذه.
? أين عاش الأستاذ محمود طفولته الأولى؟!
ترجع أصول والدته “فاطمة بت محمود” إلى الشمالية؛ قرية مورة الركابية. جاءوا منها ليستقروا بـ”صفيتة”؛ وهي قرية صغيرة، قُرب مدينة الحصاحيصا. ومحمد طه ــ والد الأستاذ ــ التقى بها في منزل قريبها عبد الله الغول. تزوجها؛ وسكنت معه في منزلهم بـ”ديم لطفي”، أو “الديم الغربي” ــ كما كان يُسمَّى قبلاً ــ في مدينة رفاعة. وكان محمد طه؛ يذهب إلى “الهجيليج” ــ مكان زراعته. وبعد وفاة زوجته “فاطمة بت محمود”؛ أخذ أبناءه معه إلى هناك، ورافقتهم المربية، أمي “الرَبِّ جُود” لترعاهم. ثم توفي والدهم سنة 1920م. وعند وفاته؛ جاءت عمتهم “بت المكي”، وقررت إعادتهم إلى منزلهم برفاعة ليدخلوا المدرسة. وبالفعل انتقلوا من الهجيليج إلى رفاعة؛ وظل المنزل عامراً حتى العام 1960م؛ بآل صافي الدين، وهم أقرباء للأسرة.
? حدثينا عن علاقته بأهل بيته؟!
تعلمنا من الأستاذ؛ كيف نحترم الكبار، خاصة من تربطنا بهم صلات عميقة. مثل مربيته أمي “الرَبِّ جُود”، فقد كان لا يقبل لأحد أن يناديها بغير”أمي رَبِّ جُود”، وهي المدير الفعلي للمنزل، وهي الوحيدة المخوَّل لها عقاب من يخطئ.
? حديثنا عن مواقف تحكى صمامة الأستاذ محمود.. وكنت شاهدة عليها؟!
في محكمة الردة عام 1968م؛ كنا “متحمسين شديد”، وكان كل المنزل يتابع الموقف. حتى أن شقيقة الأستاذ محمود؛ عمتي “كلتوم” ــ ورغم عدم معرفتها بالقراءة الكتابة ــ إلا إنها كانت متابعة عن كثب، وتعرف الأخبار أولاً بأول. وفي ذلك الوقت؛ كتب الجمهوريون عدداً من المنشورات، تُهاجم محكمة الردة، وقد كتبت أنا أحد تلك المنشورات .
فشلت تلك المحكمة؛ في أن تُحضر الأستاذ أمامها، بعد أن رفض ذلك، وأبدى صلابة في موقفه ذاك، رغم الحملة الشرسة من أهل الهوس الديني، والطائفية ضده. فقد كان وعيه بالقانون واسعاً جداً. وكانت محكمة الأحوال الشخصية؛ والتي أنشأها الإنجليز سنة 1902م، للنفقة، والطلاق، وكان يُطلق عليها المحاكم “المِلِّيَّة” للمسلمين، والمسيحيين، واليهود، وأهل الملل الأخرى. ولما طُلب من الأستاذ؛ المثول أمام هذه المحكمة، رفض ولم يذهب. فقد كانت محكمة؛ ليست لديها بوليس، ولا مخوَّل لها إحضار الناس، وليست لديها صلاحيات التنفيذ. لذلك؛ لم تستطع إجباره على المُثول أمامها، وهذه من أكبر وأقوى القرارات التي اتخذها.
? حدثينا عن مواقف أخرى؟!
تناولت صحيفة يومية ــ لا أذكر اسمها الآن ــ محاضرة عن الصلاة؛ ألقاها الأستاذ محمود في نادي الخريجين، وأتت بصورة للأستاذ واقفاً، يرتدي بدلة، وحوله على الأرض أوراق مبعثرة. وكتبت أن محمود محمد طه قال: إن الصلاة سقطت عنه. فذهب الأستاذ إلى الجامع الكبير بأم درمان؛ وكان يرتدي بدلة. وعقب انتهاء الصلاة؛ صعد إلى المنبر، وقال للمصلين: “أنا محمود محمد طه؛ سمعتم عني، لكنكم لم تسمعوا مني، وأنا عايز أكلمكم عن موضوع الصلاة”، وبدأ يتحدث. هنا؛ “هاج الموجودون، وصاروا يشدونه من بدلته”، حتى بدوا له مثل الأطفال ــ كما وصفهم ــ كان في ذلك الموقف؛ شجاعة غريبة ــ في ذلك الوقت ــ وموقفاً متفرداً. بعد ذلك؛ جاءه أمر حضور من وزارة الداخلية، كتب لي ورقة صغيرة، وضَّح فيها هذا الأمر، مُرفِقاً معها مبلغ 5 جنيهات، قال لى فيها: “عندي خلاف مع السلطات؛ ربما لا أرجع المنزل.. هذه مصاريف أعطيها لأهلك بالمنزل، ودعيهم ألا ينزعجوا”. ثم أتى البوليس وأخذه. وأنا تحفَّظت على الخبر؛ ولم أخبر أحداً عسى أن يرجع. وفي العصر؛ جاء وأخذ مني الورقة.
وأذكر ــ أيضاً ــ بعد محكمة الردة؛ أجرى سلسلة من المحاضرات، وفي محاضرة “الدين.. ورجال الدين عبر السنين”، والتي كانت في دار الحزب بالموردة، امتلأت الدار بالناس حتى وصلوا شارع الزلط. وقامت سلسلة من المحاضرات؛ وصدر فيها عدد من الكتب، أحدثت وعياً كبيراً للشعب. وكشفت كيف؛ وإلى أي مدى، كان من يُسمُّون برجال الدين، يخدمون الحكَّام، ويُطوِّعون النصوص، والفتاوى، لخدمة أهوائهم، وأجنداتهم السياسية، والخاصة. وكان ذلك صعباً على السلفيين.
بعدها؛ جاء مهرجان الرسالة الثانية من الإسلام، ودعا الأستاذ جميع رجال الدين، ولبَّى أغلبهم الدعوة. كانوا يرتدون القفاطِين؛ وجلسوا جميعهم في صف خلفي، لم يتقدَّم واحد منهم ليناقش الأستاذ. وقبل انتهاء المحاضرة؛ خرجوا مع بعضهم واحداً وراء الآخر. في هذه الفترة؛ خرجت المنشورات، وواجههم الأستاذ محمود في جريدة “أنباء السودان”، وكانت جريدة صديقة. وقال لهم: “إنكم أخسّ وأذلّ من أن تطمعوا فيَّ.. فقد قاومت الاستعمار؛ حين كنتم تلعقون جزم الإنجليز، حينما كان يتصدق عليكم بجِببِ الشرف، وما دريتم أنها كساوي عدم الشرف. أما أمركم لي بالتوبة؛ فما كشف عن شيء، إلا عن جهلكم بالدين، ونحن سنُبيِّن الدين، وسيتوالى ذلك قريباً. وهي أكثر العبارات قوة؛ وأذكرها جيداً.
وفي محاضرة بنادي كلية الزراعة جامعة الخرطوم؛ عن الرسالة الثانية من الإسلام، أيضاً كان الشيخ الراحل عطية محمد سعيد ــ رحمه الله ــ موجوداً. قال الأستاذ في الآية “هو الذي أرسل رسوله بالهُدى ودِين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً”. وهنا صاح عطية محمد سعيد؛ “كذب على الله.. كذب على الله، لا توجد آية مثل هذه في القرآن، وهذه الآية تنتهي بـ”ولو كره الكافرون”. فصفَّق وهتف له الجمهور من الإخوان المسلمين. قال له الأستاذ: الآيتان موجودتان. وهنا قام أحد الطلاب؛ وذهب إلى الداخلية ــ وهي قريبة من النادي ــ وأتى بالآيتين من القرآن، وثبُت أن الأستاذ على حق. وهنا صفق كل الموجودين للأستاذ؛ وجاء أحد الطلاب للأستاذ وقال له: “من يوم الليلة يا أستاذ أنا معاك.. جنة جنة.. نار نار”. همدت الضجة؛ وتابع الأستاذ المحاضرة.
وبنادي الخريجين ببورتسودان؛ كان هناك جمهوري كبير، يُدعى “يوسف بيلو”، كان دائما يقف إلى جانب الأستاذ في المحاضرات. وفي النادي؛ قامت هيصة كبيرة، وجاء أحدهم يحمل سيفاً، وقال: “الليلة الجهاد”. وقف الأستاذ كالطود الأشم؛ ينظر إليه ولم يتحرك. وأظن أن النادي كان فيه بعض من شباب الحزب الشيوعي، استدعوا البوليس، واستمرت المحاضرة.
وفي نادي تنقاسي ببورتسودان؛ حدث هياج شديد، أربك إدارة النادي. ونحن في طريق الخروج؛ جاء أحد مديري النادي، وطلب من الأستاذ الخروج من الباب الخلفي، بحُجَّة أن برفقته عدد من الأخوات، ولا يريد أن يتضرر أحد. هنا؛ التفت إليه الأستاذ، وقال له: “نحن؛ وأُسرنا طلعنا من أجل هذا الأمر، وأزاحه عن طريقه، وخرجنا من الباب الأمامي “.. حقيقة نحن كنا نستمد قوتنا من قوته.
? وماذا عن إلمامه بالقوانين؟!
في الأبيض سنة 1969م؛ كانت هناك مجموعة من المحامين، ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين، يتبعوننا في كل المحاضرات، يُحرِّضون ويُهيِّجون الناس. وكانت المحاضرة بعنوان “لا إله إلا الله”. أتى شخص؛ وضرب الأستاذ محمود ــ أثناء المحاضرة ــ بعصاة في رأسه. وقع الأستاذ؛ وسريعاً وقف، وهو يلُف عمامته، وأمسك بالمايكرفون، وواصل محاضرته، وهو ينزف، حتى أوقفه الحضور، وذهب للمستشفى ــ التي امتلأت سريعاً جداً بأهل الأبيض. وأذكر أنه تمت خياطة الجرح بثماني غُرز ودون بنج، بعد أن رفضه الأستاذ. وبسبب ذلك الجرح؛ لم يتمكَّن الأستاذ ــ لأيام ــ من مضغ الطعام. ورغم ذلك؛ لم يترك الثُلث الأخير من الليل، وكنا ننزل بمنزل الأخ الجمهوري الراحل حسن بشير.
عفا الأستاذ محمود؛ عن الرجل الذي ضربه، وكان محاميه هو الراحل ميرغني النصري ــ وهو من رفاعة ــ بينما كان الراحل خلف الله الرشيد؛ هو القاضي المسؤول. قال له الأستاذ: “أنا عفيت هذا الرجل”. فقال له خلف الله: “لا يوجد عفو في هذه القضايا”. قال له الأستاذ: “العفو فوق العدل؛ أنا عفيت عنه وهذا حقي، لكن الدولة ممكن تأخذ حقها”. ودُهش الأستاذ لجهل القاضي بأبسط القواعد.
? حديثينا عن ملامح من كرم الأستاذ محمود؟!
حكى عبد الرحمن النقر ــ وهو أحد أهلنا من رفاعة، وكان يُمسك الحسابات للأستاذ محمود، حينما كان يعمل مهندساً خاصاً بالمشاريع الزراعية في جنوب النيل الأبيض ــ أنه كان معطاءً جداً، يُعطي المحتاجين دون حساب. فقد كان يتولَّى أمر توزيع المصاريف على الدراويش، وكل الناس عندما يحضر الأستاذ للخرطوم.
أيضاً؛ أخوات الأستاذ ذهبن إلى الحج، وبعد عودتهنَّ، أهدته أخته “بتول” سجادة أنيقة، فجاءه رجل يطلب مساعدته في زواج ابنته، فأعطاه السجادة، ومعها خروف جاءه هدية ــ أيضاً ــ وكان مربوطاً بالمنزل.
الأخ الجمهوري الراحل؛ محمد عبد الرحمن الفكي، كان هو الترزي الذي يُفصِّل ملابس الأستاذ محمود، وكان يفرح كثيراً، عندما أطلب منه تفصيل جلباب أو عراقي للأستاذ ــ من وقت لآخر ــ كان الأستاذ يمتلك جُلبابين فقط، وعندما أفتح الشنظة ولا أجد الأخرى، أعلم أنه أهداها لشخص ما. عندها أتوجه ــ مباشرة ــ لعبد الرحمن، لتفصيل جلابية أخرى جديدة.
? ماذا عن جوانب العفو والحُلم عند الأستاذ محمود؟!
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم