السودان والقرآن: صلة أسماء السودانيين باسم الجلالة و بأسماء الله الحسني (2/22) . بقلم: عبدالله حميدة الأمين

 

أولاً: صلة أسماء السودانيين بإسم الجلالة:

هي صلة عبودية و خضوع مطلق ومحبة وتضرع وتعظيم للذات الإلهية لا تشبهها أو تقاربها أي صلة بمخلوق.
وتتمثل هذه الصلة في إسم واحد مركب هو : (عبدالله) الذي ورد في موضعين من كتاب الله هما:
1- الآية رقم 30 من سورة مريم علي لسان عيسي عليه السلام 🙁 قال إني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبيا) .
2- الآية رقم 19 من سورة الجن في إشارة إلي الرسول محمد صلي الله عليه و سلم :(و إنه لما قام عبدالله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا) .
و قد إشتق السودانيون منه أسماء : عبدو (عبدُهُ) – وعبود – وعبادّي – والعبيد – وعبيد الله – وعبيد.
ومما ينسب إلي إسم الجلالة , أسماء سودانية أخري بعضها قرآني خالص مثل : دفع الله الوارد في الآية رقم 251 من سورة البقرة و الآية رقم 40 من سورة الحج , وبعضها يضاف لإسم الجلالة مثل : جاد الله و علي الله و باب الله و رزق الله . وعطية الله و عطا الله و عوض الله و تاي الله ( والتاي : العوض ) . و بالنسبة لأسماء الإناث التي تجئ علي نفس الشاكلة أسماء مثل : خادم الله و هبه الله و حوابة الله ( حماية الرب) ونعمة الله .
وبما أن (عبدالله) إسم مركب من مضاف نكرة هو (عبد) و مضاف إليه وهو إسم الجلالة المجرور بكسرة , فإن من الخطأ أن ينطق بحذف الألف التي تجئ قبل الهاء ثم حذف الهاء ذاتها كما يفعل الكثير من السودانيين وغيرهم .
ومن هنا إستفحل الخطأ النحوي الذي إستبدل نطق (عبدالله) ب (عبد اللا) و رحم الله الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي إنتبه إلي هذا الخطأ منذ 1300 عام فقال بشأنه 🙁 لايجوز حذف الألف التي قبل الهاء في لفظ الجلالة التي تلفظ ولا تكتب ) .
ومن الحالات النادرة التي أفلتت من الخطأ النحوي في هذا المقام إسم (خليفة المهدي ) : عبدالله فهو ينطق بالصيغة الصحيحة ( عبُد اللهِ ) منذ عهد المهدية و إلي يومنا هذا فأعجب .
و زاد بعض السودانيين – من النوبيين الذين يقطنون إقليم دنقلا – الخطأ النحوي بخطأ لغوي بإستبدالهم كلمة (عبد) بكلمة (نقد) بضم النون والقاف فأصبح نطق إسم (عبدالله) خطاً مركباً .
و برغم كل ما إعتري نطق (عبدالله) من الخطأ , فقد بقيت دلالاته ومعانيه كما هي في الصيغة القرآنية , بل إن إستبدال كلمة (عبد) العربية بكلمة (نقد) النوبية لم يلحق عجمة بالإسم و إنما كما تراءي لي والله أعلم – أضاف بعداً سودانياً يؤكد إنتساب السودانيين إلي المعني القرآني لا الإنحراف عنه . (1)
ولعل مما يؤكد مانقول أن إسم (نقد الله) له مكانة خاصة في نفوس السودانيين و وجدانهم . فقد تسمّي به رجال مشهورون من مناطق مختلفة من السودان منهم جد الأمير عبدالله عبد الرحمن نقد الله الزعيم الأنصاري الشهير , ومنهم جد السياسي المخضرم محمد إبراهيم نقد , ومنهم والد الكاتب و الصحفي سيد أحمد نقد الله , ومنهم الفارس الشهير نقد الله ود عمر الذي تغنت برجولته أم كلثوم بنت جابر المنسوبة لقبيلة الجوابرة في قصيدتها الحماسية التي طبقت الآفاق و المعروفة ب( خال فاطنة ) … كل هذا علي سبيل المثال لا الحصر ولاشك أن التنقيب في المشاهير الذين تسموا بهذا الإسم سيضيف أسماء أخري كثيرة .
ويمكن أن نضيف إلي ذلك أن إسم (عبد الله) لم يسلم من الخطأ اللغوي والنحوي حتي بين السودانيين الذين ينتمون إلي أصول عربية . فقد ورد الإسم في مسدار للشاعر الشكري ( الحاردلو ) بكسر العين وتسكين الباء وكسر الدال في (عبد) وبحذف الهاء في إسم الجلالة. قال الحاردلو :
الزول السمح فات الكبار و القدرو
كان شافوهوا ناس (عِبْدِاللا) كانوا يعذروا
وظل الناس يتداولون هذا البيت إلي اليوم بصيغته الشكرية ولا يعتريهم أي شك في صحة معني ماينطقون … فتأمل !
ويحار المرء كيف تعايشنا مع هذا الخطأ علي مدي عقود فنحن مازلنا – إلي يوم الناس هذا – نتداول أسماء بعض مشاهيرنا خطأ . فنقول : عبداللا الطيب ( وهو العلاّمة المعروف) , ونقول : عبداللا بك خليل ( رئيس وزراء السودان في خمسينيات القرن الماضي) . وأضفنا إالي القائمة – غير مبالين ولا وجلين – إسم عبداللا آدم حمدوك الذي لا نخطئ في نطق إسمه الأول فحسب وإنما أضفنا إلي الخطأ إسم جده , ولنا حديث في ذلك حين نعالج مادة البحث الثامن من هذه السلسلة .

ثانياً : صلة أسماء السودانيين بأسماء الله الحسني :
أسماء الله الحسني أصل من أصول توحيد الخالق و كلما إزداد العبد معرفة بها و صلة بمعانيها , إزداد إيمانه بربه .
ورد ذكر أسماء الله الحسني كمصطلح قرآني – في أربع آيات من كتاب الله هي :
1- الآية رقم 180 من سورة الأعراف .
2- الآية رقم 110 من سورة الإسراء .
3- الآية رقم 8 من سورة طه .
4- الآية رقم 24 من سورة الحشر .
و مجمل ماتوجه به هذه الآيات الأربع أن يدعو العبد بها ربه و يوحده بمعناها ويعترف له بكمال الخلق وتسبيح المخلوقات .
أما عدد أسماء الله الحسني فقد إختلف حولها العلماء و المفسرون , غير أن العدد الراجح في عددها مايستند إلي الحديث الذي رواه أبو هريرة عن رسول الله صلي الله عليه وسلم:(إن لله تسعة وتسعين إسماً , مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة ) … فهي تسعة وتسعون إسما إالا مائه و ذلك لأن إسم الجلالة (الله) ليس منها , إذ أنه تعالي متفرد بالأولوهية وأن أسماءه الحسني صفات مضافة إليه وهو سبحانه الدال عليها .
ومن بحثي عن صلة أسماء السودانيين بأسماء الله الحسني وجدت أنها بحسب ماتيسر لي من تدبر – و إمعان للنظر – قد إنحصرت في واحد و خمسين إسماً هي :
الرحمن – الرحيم – الملك – القدوس – السلام – المؤمن – المهيمن – العزيز – الجبار – الخالق – البارئ – الغفار – الوهاب – الرزّاق – الفتّاح – العليم – الباسط – الحافظ – الرافع – المعز – السميع – البصير – الحكم – اللطيف – الحليم – العظيم – الغفور- الشكور – الحفيظ – الكريم – المجيد – الحكيم – الواسع – الودود – الحق – الحميد – الحي – القيوم – الواحد – الماجد – الصمد – القادر – الظاهر – المتعال – التواب – الرؤوف – الغني – النور – الهادي – البديع – الباقي .
جاءت الصلة بين أسماء السودانييين و أسماء الله الحسني – الواردة في الفقرة السابقة – علي أربع هيئات :
1- هيئة الإسم المركب وهي أن تضاف كلمة (عبد) إلي كل إسم من أسماء الله الحسني مثل : عبد الرحيم و هكذا .
2- هيئة الإسم المفرد المعرفة وهو محدد في أسماء بعينها لا تحمل صفة أسماء الله الحسني وإن جاءت علي صيغتها و هي : الملك – الحافظ – المعز – الخليل – الظاهر – النور – الهادي – البصير .
3- هيئة الإسم المفرد النكرة وهو ينحصر في صيغة : مؤمن – مهيمن – حافظ – معز – خليل – ماجد – نور – هادي – حميد .
4- هيئة الألقاب و الكُني المشتقة من الأسماء المتعبدة بأسماء الله الحسني و تنحصر في : رحيم (من عبد الرحيم) , أبو رزقة ( من عبد الرازق) , كرومة ( من عبد الكريم) , مجيد ( من عبد المجيد) , قدورة ( من عبد القادر).
… مجمل القول في صلة أسماء السودانيين بأسماء الله الحسني أنها دلالة علي مدي تعلق أهل السودان بقيم التدين وعلامة علي حبهم الجارف بأسمائه الحسني وصفاته العُلي .
حاشية:
(1) . يؤكد ما ذهبنا إليه أن إسم الجلالة في لغة نوبيي دنقلا هو: آرتي , فلولا حرصهم علي إثبات لفظ الجلالة بصيغته العربية لجاء إسم (عبد الله) في لغتهم : (نقد آرتي ).
(نواصل)

aha1975@live.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً